٢ - وإما أن يكون الناظر ممن يحل له الدخول على المرأة في البيت والنظر إليها دون حجاب وهم من تكلم الفقهاء عن أحكام نظرهم إلى المرأة وهم قسمان:
القسم الأول: من استثناهم الله في آية النور بقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ النور: ٣١ وهم (البعولة وآباؤهم وأبناءهم، والمحارم من النسب، والنساء المسلمات وعبد المرأة إذا كان من غير أولي الإربة، والتابع إذا كان من غير أولي الإربة، والأطفال الغير مميزين) وحدود ما تبديه المرأة لهم ينحصر في مواضع الزينة كما قال الشيخ الألباني في الرد المفحم (ص/٧٤): "فإن المراد مواضع الزينة، وهي: القرط والدملج والخلخال والقلادة، وهذا باتفاق علماء التفسير وهو المروي عن ابن مسعود". وسيأتي في مناقشة البحث التاسع بيان ذلك مفصلا.
والقسم الثاني: من لم يستثن في الآية ممن يحل له الدخول والنظر دون حجاب ومنهم (عبد المرأة إذا كان من أولي الأربة، العبيد المملوكون للغير، الذي لم يبلغ الحلم من الأحرار- أي الصبية المميزين-) وهؤلاء وإن كان يحل لهم الدخول والنظر إلا أن المرأة لا تبدي لهم إلا الزينة الظاهرة (الوجه
[ ١٤١ ]
والكفين) والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ النور: ٣١
_________________
(١) وسيأتي بيان ذلك مستوفيا أيضا في مناقشة البحث التاسع إن شاء الله وهؤلاء هم من وقع الخلاف بين الفقهاء في حكم نظرهم للمرأة، فمنهم من أطلق جواز نظره للوجه والكفين من المرأة للآية، ومنهم من قيد الجواز بالحاجة وأمن الفتنة، ومنهم من منع من النظر لغير حاجة لأنه مظنة الفتنة. وكذلك حصل الخلاف في حكم النظر للإماء (المملوكات اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب) فمنهم من أوجب عليهن تغطية الوجه في هذا الزمان لأنه مظنة الفتنة، ومنهم من لم يوجب عليهن ذلك ولكن قال هو في حقهن مستحب وعلى الرجل غض البصر للآية ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ النور: ٣٠ هذا مدار الخلاف بين الفقهاء في مسألة النظر؛ وهو الذي بنى عليه الشيخ الألباني رأيه في مسألة تغطية الوجه كما سترى استشهاده ببعض أقوالهم في هذه البحوث، وقد استشهدنا من أقوالهم ما يبطل ما نسبه لهم الشيخ الألباني. أما وجوب تغطية الوجه على الحرائر من نساء المسلمين فهو أمر مجمع عليه لا خلاف فيه.
[ ١٤٢ ]
* خامسا: مما استشهد به الشيخ الألباني من هذه الخلافات:
١) ما ذكره الشوكاني تحت حديث عائشة "يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه". وفيه دليل لمن قال: إنه يجوز نظر الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة مما تدعو الشهوة إليه من جماع أو دونه أما عند خوف الفتنة فظاهر إطلاق الآية والحديث عدم اشتراط الحاجة ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء: أنه لا يلزم ستر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية وقد تقدم الخلاف في أصل المسألة"اهـ
فيقال أولا: إن هذا الحديث مما حمله المتأخرون على غير محمله حيث حملوه على ما يجوز للمرأة الحرة إظهاره للرجال الأحرار الأجانب؛ فاستدلوا به على جواز كشف وجه المرأة، وهذا خلاف معنى الحديث وما حمله عليه
المتقدمون، وهو ما يجوز للمرأة إظهاره ويحل النظر إليه لمن يحل له النظر إليها كما أسلفنا - وسيأتي بيان ذلك مفصلا في مناقشة البحث الثامن إن شاء الله - فإن الأمر في هذا الحديث (لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا. وأشار إلى وجهه وكفيه) موافق لما جاء في آية النور ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي أنه لا يحل للمرأة أن تبدي إلا الوجه والكفين بما فيهما من الزينة، أمام من يحل له النظر إليها ممن لا يعد محرما لها؛ وهم العبيد المملوكين
[ ١٤٣ ]
بالنسبة للنساء الحرائر لحاجتها للمعاملة معهم بالأخذ والإعطاء، وعامة الرجال الأجانب بالنسبة للإماء للحاجة لكشف وجهها عند بيعها أو شرائها، وهذا يوافق ما ذكره الشوكاني " والحاصل أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو إليه الحاجة عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء والشهادة، فيكون ذلك مستثنى من عموم النهي عن إبداء مواضع الزينة وهذا على ما يدل على أن الوجه والكفين مما يستثنى".
ثانيا: قوله "وفيه دليل لمن قال: إنه يجوز نظر الأجنبية. قال ابن رسلان: وهذا عند أمن الفتنة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق. وحكى القاضي عياض عن العلماء: أنه لا يلزم ستر وجهها في طريقها، وعلى الرجال غض البصر للآية وقد تقدم الخلاف في أصل المسألة" هذا الخلاف كما أسلفنا هو عن جواز النظر حال جواز الكشف، والمراد به هنا النظر للإماء يشهد لذلك قول ابن رسلان (لاتفاق المسلمين. . .) فإن حجاب الحرائر فرض قد افترضه الله عليهن عند الخروج بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ وليس الأصل في حجاب الحرائر اتفاق المسلمين على منعهن من الخروج سافرات! وإنما كان المنع من المتأخرين لمن لم يفرض عليهن الحجاب وهن الإماء لخوف الفتنة بهن فاتفقوا على
منعهن من الخروج سافرات (^١)، ويرى بعضهم
_________________
(١) قال الرملي الشهير بالشافعي الصغير في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٦/ ١٨٧): وما نقله الإمام من الاتفاق على منع النساء، أي منع الولاة لهن.
[ ١٤٤ ]
ومنهم القاضي عياض؛ التمسك بالأصل في ذلك، وهو أن الإماء لم يؤمرن بالحجاب، فلا يلزمن به، ولكن على الرجال ما أمرهم الله به من غض البصر. وبذلك يتبين أن ما نقله الشيخ الألباني عن الشوكاني وعن القاضي عياض إنما كان عن جواز النظر حال جواز الكشف؛ وليس عن حكم كشف النساء الحرائر للأحرار الأجانب، ومما يؤكد ذلك ويبين رأي الشوكاني في هذه المسألة: قوله في السيل الجرار (٤/ ١٢٧ - ١٢٩): ولا يخفاك أن الأدلة الدالة على تحريم النظر إلى وجه الأجنبية ثابتة في الكتاب والسنة. فمن الكتاب ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآية
ومن ذلك قوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فقد ثبت في الصحيح أن هذه الآية لما نزلت قالت عائشة "رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله (وليضربن بخمرهن على جيوبهن)؛ شققن مروطهن فاختمرن بها" أي وقعت منهن التغطية لوجوههم وما يتصل بها، ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن وتحريم النظر إليهن. اهـ
٢) استشهد الشيخ الألباني بقول ابن حزم في مراتب الإجماع" (ص ٢٩) " واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما عورة هي أم لا؟ " وأقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى. اهـ
[ ١٤٥ ]
ويجاب عليه بأن هذا القول من ابن حزم؛ كان عن عورة المرأة في الصلاة وليس عن عورة المرأة بالنسبة للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم؛ ولذلك أقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى!!
وهذا قول ابن حزم الذي نقل منه الشيخ الألباني موضع الشاهد في مراتب الإجماع (١/ ٢٩): "كتاب الصلاة" واتفقوا أن ستر العورة فيها لمن قدر على ثوب مباح لباسه له فرض واتفقوا على أن من لبس ثوبا طاهرا مباحا لباسه كثيفا واحدا فغطى سرته وركبته وما بينهما وطرح منه على عاتقه أن صلاته فيه تجزئه، واتفقوا على أن الفرج والدبر عورة. واتفقوا أن الفكرة في أمور الدنيا لا تفسد الصلاة، (واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما أعورة هي أم لا) واتفقوا أن الأمة إن سترت في صلاتها شعرها وجميع جسدها فقد أدت صلاتها. اهـ
٣) استشهد الشيخ الألباني بما ذكره ابن هبيرة في الإفصاح" (١/ ١١٨) " واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدِّها فقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا وجهها وكفيها وهو قول أحمد في إحدى روايتيه" والرواية الأخرى: كلها عورة إلا وجهها خاصة. وهي المشهورة واختارها الخرقي. وفاتته رواية ثالثة وهي: أنها كلها عورة حتى ظفرها. اهـ
[ ١٤٦ ]
فيجاب عليه بالآتي؛ أولا: إن ما استشهد به الشيخ الألباني من قول ابن هبيرة؛ ليس كما أشار إليه الشيخ الألباني أنه من كتابه " الإفصاح عن معاني الصحاح " الذي يعد من كتب شروح الحديث، وإنما هو من كتابه في الفقه: "اختلاف الأئمة العلماء" وفي معرض كلامه عن عورة المرأة في الصلاة، وإليك الموضع الذي نقل منه الشيخ الألباني قول ابن هبيرة من كتابه "اختلاف الأئمة العلماء" للوزير أبي المظفر يحيى بن هبيرة الشيباني
(١/ ١٠١): باب شروط صحة الصلاة واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدها. وقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة. وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا وجهها وكفيها. وقال أحمد في إحدى روايتيه: كلها عورة إلا وجهها وكفيها كمذهبهما، وهي اختيار الخرقي. واختلفوا في عورة الأمة اهـ
أما في عورة المرأة في النظر: فاختيار الخرقي كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة (٤/ ٢٦٧) والثانية: هما - الوجه والكفان - عورة وهي اختيار الخرقي وكثير من أصحابنا" اهـ
وابن هبيرة يرى أن المشهور من كلام أحمد أن المرأة كلها عورة حتى ظفرها، قال إبراهيم بن محمد بن مفلح في المبدع (١/ ٣٦٢): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي - ﷺ - المرأة عورة. اهـ
[ ١٤٧ ]
وفي هذا استدراك لقول الشيخ الألباني (وفاتته رواية ثالثة وهي: أنها كلها عورة حتى ظفرها) فإن ابن هبيرة لم يتطرق لهذه الرواية في الموضع الذي نقل منه الشيخ الألباني لأنه كان يتكلم فيه عن عورة المرأة في الصلاة.
ثانيا: من العجيب استشهاد بعض فقهاء المذاهب الأخرى بقول الإمام أحمد:
(ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفها فإن الخف يصف القدم وأحب إلي أن تجعل لكمها زرا عند يدها لا يبين منها شيء) (^١) على عورة المرأة في الصلاة! رغم أن قوله صريح بأنه عند الخروج من البيت (^٢)، بقرينة
قوله" فإذاخرجت"، وكما ذكر القاضي في المبدع أن مستند الإمام أحمد في ذلك قول الرسول - ﷺ - " المرأة عورة" (^٣) وهذا الحديث مما لم يتطرق له الشيخ الألباني بذكر رغم صريح دلالته وصحة إسناده!! كما أُثر هذا القول عن التابعي الجليل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أحد الفقهاء السبعة بإسناد صحيح إليه أنه قال (كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها) (^٤) ولكن الشيخ الألباني ردَّه بقول ابن
_________________
(١) انظر الفروع ٥/ ١١٠، كشاف القناع ١/ ٤٦٩
(٢) ولذلك حمل فقهاء الحنابلة قول إمامهم على مايصح أن يحمل عليه: ففي الإنصاف للمرداوي (١/ ٤٥٢): قال الزركشي أطلق الإمام أحمد القول بِأن جميعها عورة وهو محمول على ما عدا الوجه أو على غير الصلاة، قال الشيخ تقي الدين والتحقيق أنه ليس بِعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذ لم يجز النظر إليه. وفي المبدع (١/ ٣٦٣): وقد أطلق أحمد القول بأن جميعها عورة وهو محمول على ما عدا الوجه أو على غير الصلاة.
(٣) الترمذي (١١٧٣) صحيح ابن خزيمة ٣/ ٩٣ (١٦٨٥) صحيح ابن حبان ١٢/ ٤١٣ (٥٥٩٩) وصححه الألباني في صحيح جامع الترمذي ٣/ ٤٧٦.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٥٣ (١٧٧١٢).
[ ١٤٨ ]
عبد البر (قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف)!!
وهذا كما هو ظاهر لأن ابن عبد البر حمل كلام أبي بكر على أنه يعني عورتها في الصلاة ولذلك أنكر عليه هذا القول، وسأنقل لك قول ابن عبد البر بتمامة ليتبين لك ذلك:
قال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٧): وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه، وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه لأنها كلها عورة إلا الوجه والكفين، على هذا أكثر أهل العلم وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وهو قول الأوزاعي وأبي ثور؛ على المرأة أن تغطي منها ما سوى وجهها وكفيها، وقال أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف ذلك كله منها تباشر
الأرض به وأجمعوا على أنها لا تصلى متنقبة ولا عليها أن تلبس قفازين في الصلاة وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة، وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة. وقد روي نحو قول أبي بكر بن عبدالرحمن عن أحمد
[ ١٤٩ ]
بن حنبل
_________________
(١) ثم أردف ابن عبد البر يبين أقوال الأئمة الأربعة في المسألة قال الأثرم سئل أحمد بن حنبل عن المرأة تصلي وبعض شعرها مكشوف وقدمها قال وقال مالك إن صلت المرأة الحرة وشعرها مكشوف أو قدماها اهـ. فتبين من ذلك أن إنكار ابن عبد البر لقول أبي بكر بن الحارث لأجل حمل قوله على عورة الصلاة، أما قول ابن عبد البر (وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها) فمراده كل من جاز له النظر إليها دون حجاب؛ من محارم، أو أجانب مملوكين، أو مراهقين لم يبلغوا الحلم، أما الرجال الأحرار الأجانب فمن المعلوم منعهم من النظر إليها، ومما يشهد لذلك؛ أن ابن عبد البر صرّح في موضع آخر بأن الحجاب حال دون النظر للنساء لتغطيتهن لوجوههن إثر نزول آيات الحجاب: فقال في التمهيد (٨/ ٢٣٥): احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام وأنهم كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم إلا بمثل ما كان يستتر رجالهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ ثم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع. ٥) استشهد الشيخ الألباني من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ونسبه للجنة من العلماء؛ وهو لعبد الرحمن الجزيري (ت ١٣٦٠ هـ) فقط وليس للجنة من
[ ١٥٠ ]
العلماء!! كما أن ما استشهد به منه؛ فهو عن عورة المرأة في بيتها وعند خدمتها أمام من يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم، وهذا قول عبد
الرحمن الجزيري في كتابه الفقه على المذاهب الأربعة (١/ ١٩٨): ستر العورة خارج الصلاة: يجب على المكلف ستر عورته خارج الصلاة وحد العورة من المرأة الحرة خارج الصلاة هو ما بين السرة والركبة إذا كانت في خلوة، أو في حضرة محارمها أو في حضرة نساء مسلمات فيحل لها كشف ما عدا ذلك من بدنها بحضرة هؤلاء، أو في الخلوة، أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي أو امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها، ما عدا الوجه والكفين، فإنهما ليسا بعورة، فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة (الشافعية قالوا: إن وجه المرأة وكفيها عورة بالنسبة للرجل الأجنبي، أما بالنسبة للكافرة فإنهما ليستا بعورة، وكذلك ما يظهر من المرأة المسلمة عند الخدمة في بيتها كالعنق والذراعين، ومثل الكافرة كل امرأة فاسدة الأخلاق). اهـ
وممّا يشهد أن مراده من يجوز له الدخول على المرأة في بيتها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم الآتي:
١ - قوله (إذا كانت بحضرة رجل أجنبي) أي بدخوله عليها، وهذا يبعد عموم الرجال الأجانب ويخص من أباح لهم الشرع الدخول من العبيد ونحوهم.
[ ١٥١ ]
٢ - قوله (أو امرأة غير مسلمة) بعد قوله (أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي) فقرن بين فئتين قرن الله بينهما في كتابه ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ وهذا يشهد أن مراده بالرجل الأجنبي العبد المملوك.
٣ - قوله (وكذلك ما يظهر من المرأة المسلمة عند الخدمة في بيتها كالعنق والذراعين).
٤ - قول الجزيري (الشافعية قالوا: إن وجه المرأة وكفيها عورة بالنسبة للرجل الأجنبي) يشهد أن مراده نظر من يحل له النظر من العبيد المملوكين ونحوهم، لأنه لو كان كلامه عن عورة الحرة بالنسبة للأحرار الأجانب؛ لكان الحنابلة أولى بالاستثناء من الشافعية لصريح قول الإمام أحمد بأن المرأة كلها عورة حتى ظفرها! فهذا يكشف أن ما ذكره الجزيري كان عن
عورة المرأة في بيتها أمام من يحل له الدخول والنظر إليها، لا عن نظر الرجال الأحرار الأجانب للمرأة الحرة. ولذلك تجد أن الشيخ الألباني قد أنكر عليه هذا الاستثناء للشافعية بما ذكر ابن هبيرة! وقد أسلفنا أن ما نقله ابن هبيرة كان عن عورة المرأة في الصلاة، أما ما نقله الجزيري فكان عن عورة النظر فلا يسوغ هذا الإنكار، وقد كان من الأولى أن يكون التعقيب على الجزيري بما ذُكر في كتب الشافعية لا بما ذكر ابن هبيرة! ومما يشهد لصحة قول الجزيري من منع الشافعية للنظر إلى الوجه والكفين من المرأة الحرة ممن يحل له النظر إليها من العبيد ونحوهم حتى عند أمن الفتنة الآتي:
[ ١٥٢ ]
ماجاء في منهاج الطالبين للنووي (١/ ٩٥): ويحرم نظر فحل بالغ إلى عورة حرة كبيرة أجنبية وكذا وجهها وكفيها عند خوف فتنة وكذا عند الأمن على الصحيح.
وفي تحفة الحبيب على شرح الخطيب (البجيرمي على الخطيب) (٢/ ١٠٧): أما عورتها خارج الصلاة بالنسبة لنظر الأجنبي إليها فهي جميع بدنها حتى الوجه والكفين، ولو عند أمن الفتنة.
وفي حواشي الشرواني على تحفة المحتاج بشرح المنهاج لعبدالحميد الشرواني (٢/ ١١٢): قوله (وإنما حرم نظرهما الخ) أي الوجه والكفين من الحرة ولو بلا شهوة قال الزيادي في شرح المحرر بعد كلام وعرف بهذا التقرير أن لها ثلاث عورات عورة في الصلاة وهو ما تقدم وعورة بالنسبة لنظر الأجانب إليها جميع بدنها حتى الوجه والكفين على المعتمد، وعورة في الخلوة وعند المحارم.
٦) قال الشيخ الألباني: وقد كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله، وأنه مذهب
الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد، فبعض هذه الأقوال من هؤلاء العلماء الكبار كافية لإبطال دعوى الشيخ الإجماع فكيف بها مجتمعة؟! فقد ذكرت في غير موضع من كتابي من قال من العلماء بخلاف إجماعه المزعوم مثل ابن جرير وابن رشد والنووي. اهـ
والجواب عليه بالآتي:
[ ١٥٣ ]
١ - قوله " كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة" فهذا مثل ما نقله أيضا عن المرداوي وابن قدامه وابن هبيرة عن عورة المرأة في الصلاة!
وهذا قول ابن رشد الذي نقل منه الشيخ الألباني موضع الشاهد من كتابه بداية المجتهد (١/ ٧٦ - ٩٥): كتاب الصلاة الصلاة تنقسم أولا وبالجملة إلى فرض، وندب الباب الرابع ينقسم إلى فصلين: أحدهما: في ستر العورة والثاني: فيما يجزئ من اللباس في الصلاة الفصل الاول اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا هل هو شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟ وكذلك اختلفوا في حد العورة من الرجل والمرأة وأما المسألة الثانية: وهو حد العورة من الرجل، وأما المسألة الثالثة: وهي حد العورة من المرأة، فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة، ما خلا الوجه، والكفين. وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة. اهـ (^١)
_________________
(١) قوله (وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة) يشهد أن مراد ابن رشد عورة المرأة في الصلاة؛ إذ أنه لا خلاف بين أهل العلم في وجوب ستر قدم المرأة الحرة أمام الرجال الأحرار الأجانب، أخرج أبو يعلى في مسنده (٣٢٥/ ١) عن أم سلمة: أن رسول الله - ﷺ - لما قال في جر الذيل ما قال، قالت: قلت: يا رسول الله كيف بنا؟ قال: جريه شبرا، فقالت (أم سلمة) إذا تنكشف القدمان، قال: فجريه ذراعا ".صححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٨٢٧) وقال: وفي الحديث دليل على أن قدمي المرأة عورة، وأن ذلك كان أمرا معروفا عند النساء في عهد النبوة وفي القرآن الكريم إشارة إلى هذه الحقيقة، وذلك في قوله تعالى: (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) وقال في كتابه جلباب المرأة (ص: ٨٠): قوله تعالى (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) يدل على أن النساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن.
[ ١٥٤ ]
ومما يؤكد أن كلام ابن رشد لم يكن عن عورة المرأة الحرة أمام من أوجب الله عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب؛ أنه صرّح في موضع آخر بأن فرض الحجاب على النساء حال دون النظر إليهن:
قال أبو الوليد ابن رشد القرطبي (ت ٥٩٥ هـ) في بداية المجتهد (١/ ١٨٣): وسبب الفرق أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن، ولم يحجب الرجال عن النساء.
كما قال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٧/ ٤٩١): فيصح للمرأة أن تنظر من الرجل الأجنبي إلى ما يصح للرجل أن ينظر إليه من ذوات محارمه، وقد قيل إنه لا يصح للمرأة أن تنظر من الرجل إلا إلى ما يصح للرجل أن ينظر منها، على فعل عائشة في احتجابها من الرجل الأعمى. أهـ
٢ - قوله (وعن النووي مثله) صحيح أيضا مثله عن عورة المرأة في الصلاة؛ وهو قول النووي في كتابه المجموع (٣/ ١٦٧): (فرع) في مذاهب العلماء في ستر العورة في الصلاة. . . وعورة الرجل ما بين السرة والركبة. . . وأما الحرة فجميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين. اهـ
أما عورة النظر؛ فقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٤/ ٣١): وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها.
وقال في موضع آخر منه (١٧/ ١١٦): واعلم أن في حديث الإفك فوائد كثيرة. . . التاسعة عشر: تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحا أو غيره.
[ ١٥٥ ]
وقال في روضة الطالبين وعمدة المفتين (٧/ ٣٠٧): السابعة: أصدقها - جعل صداقهاـ تعلم سورة وإن طلقها قبل التعليم؛ فقد استحقت جميع التعليم وفيه وجهان: أحدهما يعلمها وراء حجاب بغير خلوة، وأصحهما وهو المنصوص في المختصر أنه قد تعذر التعليم لأنها قد صارت أجنبية ولا تؤمن مفسدة.
وقال في المجموع (٨/ ٧٥): قال الشافعي في الأم، والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره.
٣ - أما قول الشيخ الألباني: "ذكرت في غير موضع من كتابي من قال من العلماء بخلاف إجماعه المزعوم مثل ابن جرير".اهـ فلا يصح ما نسبه لابن جرير؛ فإن ابن جرير لم يحكي خلافا في وجوب تغطية وجه المرأة، وإنما ذكر أنهم اختلفوا في كيفية تغطية المرأة لوجهها؛ فمنهم من قال تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها حتى لا يبدو منها إلا عينا واحدة كما قال ابن عباس وعبيدة السلماني، ومنهم من قال بل تتقنع فتشد الجلباب على جبينها ثم تعطفه على أنفها كما قال ابن عباس وقتادة.
وهذا قول ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٠/ ٣٢٤): القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن
[ ١٥٦ ]
لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن. ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهنّ؛ ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به فقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا واحدة. ذكر من قال ذلك: عن ابن عباس (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) عن ابن عون عن محمد عن عبيدة في قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فتقنع بردائه، فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب.
وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن. ذكر من قال ذلك: عن ابن عباس قال: "كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن. وإدناء الجلباب: أن تقنع وتشد على جبينها" عن قتادة قال "أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب".اهـ
وقد سبق أن بينا في مناقشة البحث الثالث أن قول ابن عباس وقتادة تعني تغطية الوجه برد طرف الثوب عليه كما فسرها أئمة التفسير.
قال القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣): قوله تعالى: ﴿مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الجلابيب جمع جلباب والصحيح أنه الثوب الذي يستر جميع البدن. واختلف الناس في صورة إرخائه، فقال ابن عباس وعبيدة السلماني: ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها. وقال ابن عباس أيضا وقتادة: ذلك أن
[ ١٥٧ ]
تلويه فوق الجبين وتشده، ثم تعطفه على الأنف، وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. اهـ
ولذلك لم ينسب أحد من أهل العلم القول بأن هناك فريق قال بالكشف لابن جرير؛ قال العظيم آبادي في عون المعبود (١١/ ١٠٦): وقوله ﴿جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة كذا في الجلالين، وقال ــ ابن جرير ــ في جامع البيان الجلباب رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل يعني يرخينها عليهن ويغطين وجوههن وأبدانهن. اهـ
٧) قال الشيخ الألباني (ومنهم ابن بطال الذي نقلت عنه أنه استدل بحديث الخثعمية أن ستر المرأة وجهها ليس فرضًا) اهـ وبالرجوع إلى قول ابن بطال يتضح لنا مراده؛ قال ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) في شرح صحيح البخارى (٩/ ١١) في شرحه لحديث المرأة الخثعمية: فيه أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهم فرضًا في كل حال كلزومه لأزواج النبي - ﷺ - ولو لزم جميع النساء فرضًا لأمر النبي الخثعمية بالاستتار. اهـ
فقوله (أن نساء المؤمنين ليس لزوم الحجاب لهم فرضًا في كل حال) يؤيد ماذكرنا من أن النساء لم يفرض عليهن الاحتجاب من الرقيق والتابعين غير أولي الإربة (^١)
_________________
(١) قال الطبري في تفسيره ١٩/ ١٦١: فهذا الرجل يتبع القوم ليصيب من طعامهم، وهو مغفل في عقله، لا يكترث للنساء، ولا يشتهيهن.
[ ١٥٨ ]
والذين لم يبلغو الحلم من الأحرار، وقوله (كلزومه لأزواج النبي - ﷺ -) فإن هناك فريق من أهل العلم ومنهم ابن بطال؛ يرى أن الحجاب مفروض على زوجات النبي - ﷺ - حتى عن الرقيق والأتباع فلا يحل لهم الدخول عليهن ولا إظهار شخوصهن إلا لما ملكت أيمانهن كما قال أبو جعفر النحاس (ت ٣٣٨ هـ) في معاني القرآن (٥/ ٣٧٢): فكان لا يحل لأحد أن يسألهن طعاما ولا غيره ولا ينظر إليهن متنقبات ولا غير متنقبات إلا من وراء حجاب وكانت عائشة إذا طافت بالبيت سترت، وفي الحديث لما ماتت زينب قال عمر لا يخرج في جنازتها إلا ذو محرم منها فوصف له النعش فاستحسنه وأمر به وقال اخرجوا فصلوا على أمكم، قال أنس كنت أدخل على أزواج النبي - ﷺ - فلما نزلت هذه الآية جئت لأدخل فقال لي النبي - ﷺ - وراءك يا بني. اهـ
أما قوله (ولو لزم جميع النساء فرضًا لأمر النبي الخثعمية بالاستتار) فهذا كما ذكرنا أيضا؛ فإن الحجاب لم يفرض إلا على الحرائر من النساء، أما الإماء المملوكات فلم يفرض عليهن الحجاب، ولذلك لم يأمر النبي - ﷺ - الخثعمية بالاستتار لأنها كانت أمة مملوكة، وسيأتي زيادة تفصيل وبيان لذلك في مناقشة البحث السادس إن شاء الله.
ومما يؤكد أن ابن بطال لا يعني عدم وجوب الحجاب مطلقا؛ قوله في شرح صحيح البخارى (٢/ ٢٢٢): وذلك أن تلفعهن وتسترهن بمروطهن مانع من معرفتهن، وكان الرجال يصلون ووجوههم بادية بخلاف زى النساء وهيئاتهن.
[ ١٥٩ ]
وقوله في موضع آخر منه (٤/ ٢١٧): وأجمع العلماء أن المرأة تلبس المخيط كله والخمُر والخفاف، وأن إحرامها في وجهها، وأن لها أن تغطى رأسها وتستر شعرها، وتسدل الثوب على وجهها سدلا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال. اهـ
وبذلك بطل احتجاج الشيخ الألباني بـ (ابن رشد وابن جرير والنووي وابن بطال) على وجود خلاف بين الأئمة والفقهاء في عورة المرأة الحرة بالنسبة لنظر الرجال الأحرار الأجانب، مع أن الحجة بالإجماع لا بوجود الخلاف:
قال ابن عبد البر في التمهيد لما في الموطأ (١/ ١٤٣): ولا يجوز أن يراعي الاختلاف عند طلب الحجة، لأن الاختلاف ليس منه شيء لازم دون دليل، وإنما الحجة اللازمة الإجماع لا الاختلاف، لأن الإجماع يجب الانقياد إليه لقول الله (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المومنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا). النساء ١١٥
٨) أما قول الشيخ الألباني (لم ينطق بكلمة" الإجماع" في هذه المسألة أحد من أهل العلم فيما بلغني وأحاط به علمي فإن الخلاف فيها قديم لا يخلو منه كتاب من الكتب المتخصصة في بحث الخلافيات)؛ فإن الشيخ الألباني نفسه قد نطق بكلمة الإجماع بعد أن ذكر أن إدناء الجلباب يكون بتغطية الوجه؛
فقال في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص ١٥١ - ١٥٢): ومن هنا يظهر الضابط في نهيه - ﷺ - عن تشبه الرجال بالنساء، وعن تشبه النساء بالرجال، وأن الأصل في ذلك ليس هو راجعا إلى مجرد ما تختاره الرجال والنساء ويشتهونه ويعتادونه، فإنه لو كان كذلك؛ لكان إذا اصطلح قوم على أن يلبس الرجال الخمر التي تغطي الرأس
[ ١٦٠ ]