أولا: قول الطبري: (ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء) يدل على أنهم لم يختلفوا على ما ذكره قبل ذلك، وهو قوله: (قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن) أي أنهم متفقون على أن مراد الله من هذا الأمر هو أن تغطي نساء المؤمنين وجوههن بإدناء الجلابيب عليها، ولكن اختلفوا في صفة الإدناء كيف تكون لتحقيق هذه التغطية، ولذلك تجد أن من نقل عن الطبري من أهل العلم تفسير هذه الآية لا يذكر هذا الخلاف:
كما في عون المعبود (١١/ ١٠٦): وقوله ﴿جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة كذا في الجلالين، وقال الطبري في جامع البيان الجلباب رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل يعني يرخينها عليهن ويغطين وجوههن وأبدانهن انتهى.
هل قول ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها) هو الأرجح؟
ثانيا: اسقط الشيخ الألباني من قول ابن عباس ما يبين الضابط في تقسيم الطبري وهو قوله (يغطين وجوههن "من فوق رؤوسهن بالجلابيب" ويبدين) فأسقط قوله (من فوق رؤوسهن بالجلابيب) ولذلك لم يتبين الضابط في تقسيم الطبري، وهو أن هناك فريقا قال إن تغطية الوجه تكون بسدل الجلباب على الوجه من فوق الرأس دون شدّ للجلباب حتى لا يظهر منها إلا عينا واحدة، وهي الصفة التي تغطي بها المرأة وجهها حال الإحرام، واستشهد الطبري على هذه الصفة بأثر عبيدة السلماني الموافق لقول ابن عباس.
[ ٢٨٥ ]
ثالثا: استشهد الطبري لبيان الصفة الثانية للإدناء (تغطية الوجه) التي وصفها بقوله (وقال آخرون بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن) بقول ابن عباس: "وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" وقول قتادة " إن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب" (^١) وقول أبي صالح" يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة" ومفاد هذه الآثار كما حملها عليه أئمة التفسير؛ أنها تفيد تغطية الوجه من أسفل؛ بشد الجلباب على الجبين ثم رد طرفه وعطفه على الأنف فيغطي بذلك الوجه عدا العينين وهو التقنع، وهي الصفة التي نُهيت عنها المرأة حال إحرامها لما فيها من الشد والإلصاق على الوجه كما أسلفنا من قول ابن عباس (تدلي الجلباب على وجهها ولا تضرب به).
هذا مفاد تقسيم الطبري؛ وهو ما فهمه أهل التفسير من قول ابن عباس وقتادة؛ قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣) والمفسر النحوي أبو حيان في البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضًا وقتادة ذلك أن تلويه فوق
الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري ٢٢/ ٤٦
[ ٢٨٦ ]