بل إن الثابت أن أزواج النبي - ﷺ - وغيرهن من النساء؛ كن إذا جاء من يسألهن من الرجال يكلمنه من وراء حجاب، ولم يرد أنهن كن يلبسن الجلباب ويبرزن بأشخاصهن للسائل في البيوت!! يشهد لذلك الآثار الآتية:
١ - عن يوسف بن ماهك قال كان مروان على الحجاز. . . فقال عبد الرحمن بن أبي بكر - ﵁ - شيئا فقال خذوه فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا عليه فقال مروان إن هذا الذي أنزل الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَلِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ الأحقاف: ١٧ فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري. (^١)
٢ - عن مسروق بن الأجدع أنه أتى عائشة فقال لها يا أم المؤمنين إن رجلًا يبعث بالهدي إلى الكعبة ويجلس في المصر فيوصي أن تقلد بدنته. . . قال فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب وقالت لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - ﷺ - فيبعث هديه إلى الكعبة. . . (^٢)
٣ - قال عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث: اجتمع ربِيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا والله لو بعثنا هذين الغلامين قالا لي وللفضل بن عباس إلى رسول الله - ﷺ - فكلماه فأمرهما على هذه الصدقات. . . ثُم دخل ودخلنا عليه
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/ ١٨٢٧ (٤٥٥٠).
(٢) صحيح البخاري ٥/ ٢١١٥ (٥٢٤٦) صحيح مسلم ٢/ ٩٥٩ (١٣٢١).
[ ٦٩ ]
وهو يومئذ عند زينب بِنت جحش. . . قال فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه قال وجعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه. (^١)
٤ - عن أبي موسى - ﵁ - قال كنت عند النبي - ﷺ - وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال. . . ثم قال اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا فأخذا القدح ففعلا ما أمرهما به رسول الله - ﷺ - فنادتهما أم سلمة من وراء الستر أفضلا لأمكما مما في إنائكما فأفضلا لها منه طائفة. (^٢)
٥ - عن يزيد بن بابنوس قال ذهبت أنا وصاحب لي إلى عائشة فاستأذنا عليها فألقت لنا وسادة وجذبت إليها الحجاب فقال صاحبي يا أمّ المؤمنين ما تقولين في العراك. (^٣)
٦ - عن مسروق قال بكت عائشة ﵂ وبيني وبينها حجاب فقلت يا أم المؤمنين ما يبكيك قالت يا بني ما ملأت بطني من طعام فشئت أن أبكي إلا بكيت أذكر رسول الله - ﷺ - وما كان فيه من الجهد ما جمع رسول الله - ﷺ - طعام بر في يوم مرتين حتى لحق بربه. (^٤)
_________________
(١) صحيح مسلم ٢/ ٧٥٢ (١٠٧٢).
(٢) صحيح مسلم ٤/ ١٩٤٣ (٢٤٩٧).
(٣) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٢١٩ (٢٥٨٨٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٣) رجاله ثقات. وحسنه الألباني في جلباب المرأة /١٠٩.
(٤) تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار ٢/ ٦٩٦ (١٠٠٨)، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٧٠ ]
٧ - عن شهر بن حوشب قال دخلت على أم سلمة بالمدينة وبيني وبينها حجاب فسمعتها تقول (كان أكثر دعاء النبي - ﷺ - يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (^١).
٨ - عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية قالت لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة جمع نساء الأنصار في بيت فأرسل إلينا عمر بن الخطاب فقام على الباب فسلم علينا فرددنا ﵇ ثم قال أنا رسول الله - ﷺ - إليكن قالت فقلنا مرحبا برسول الله وبرسوله، فقال تبايعنني على ألا تشركن بالله شيئا ولا تزنين ولا تسرقن الآية قالت
فقلنا نعم قالت فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت (^٢) ثم قال اللهم اشهد (^٣).
١٠ - عن عائشة ﵂ قالت: أومت امرأة من وراء ستر بيدها كتاب إلى رسول الله - ﷺ -. (^٤)
_________________
(١) جامع الترمذي (٣٥٢٢) المعجم الأوسط للطبراني ٣/ ٣٣ (٢٣٨١) واللفظ له، صححه الألباني في صحيح جامع الترمذي ٥/ ٥٣٨.
(٢) قال ابن حجر في فتح الباري ١٣/ ٢٠٤: ويحتمل أنهن كن يشرن بأيديهن عند المبايعة بلا مماسة، وقال العيني في عمدة القاري ١٩/ ٢٣١: بأن مد الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع المبايعة. يؤيد ذلك ما جاء في صحيح البخاري ٦/ ٢٦٣٧ (٦٧٨٨) عن عائشة ﵂ قالت" كان النبي - ﷺ - يبايِع النّساء بالْكلامِ". وفي صحيح مسلم ٣/ ١٤٨٩ (١٨٦٦) قالت" لا والله ما مست يد رسول الله - ﷺ - يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام".
(٣) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٤٠٨ (٢٧٣٥٠) سنن أبي داود ١/ ٢٩٦ (١١٣٩) مختصرا، صحيح ابن خزيمة (١٧٢٢) ٣/ ١١٢، الأحاديث المختارة للضياء المقدسي ١/ ٤٠٢ (٢٨٥) وحسن إسناده، قال الألباني في الجلباب (ص ٧٥) حسن إسناده الذهبي في مختصر البيهقي.
(٤) سنن أبي داود (٤١٦٦) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٤/ ٧٧.
[ ٧١ ]
وهذا الأمر ثابت عند أهل العلم:
- قال ابن عبد البر في الاستذكار ٦/ ١٧٠: إن نساء النبي - ﷺ - لا يكلمن إلا من وراء حجاب متجالات كن أو غير متجالات.
- وقال النووي في المجموع (١٦/ ٣٥١): وقد ثبت أن كثيرا من راويات الحديث وحافظاته يسمعهن الأجانب عنهن من وراء حجاب، وقد كان أبو الشعثاء جابر بن زيد يسأل عائشة من وراء حجاب.
- وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٧/ ٤١) بعد أن ذكر توجيه بعض الأئمة لرواية محمد بن إسحاق عن امرأة هشام بن عروة " وجائز أن يكون سمع منها وبينهما حجاب" قال: ذاك الظن بهما كما
أخذ خلق من التابعين عن الصحابيات، مع جواز أن يكون دخل عليها ورآها وهو صبي فحفظ عنها. (^١)
_________________
(١) هنا لابد أن نبين أن من خص أزواج النبي - ﷺ - بحكم في الحجاب؛ فإنما خصهن بعدم جواز دخول الرقيق المملوكين للغير عليهن؛ إلا ما ملكت أيمانهن، وبعدم جواز إبراز شخوصهن إذا خرجن من بيوتهن حتى وإن كن مستترات بالجلابيب، كما جاء في معاني القرآن للنحاس (٥/ ٣٧٢): فكان لا يحل لأحد أن يسألهن طعاما ولا غيره ولا ينظر إليهن متنقبات ولا غير متنقبات إلا من وراء حجاب وكانت عائشة إذا طافت بالبيت سُتِرَت. كما نقل ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٢٤) عن القاضي عياض منكرا عليه: والذي ذكر عياض "أن الذي اختُصَّ به أُمّهات المؤمنين ستر شخوصهن زيادة على سِتر أجسادهن" وقد بالغ الحافظ ابن حجر في نفي ذلك وقال بأنهن كن يظهرن شخوصهن إذا كن مستترات حتى في البيوت! واستشهد بقوله الشيخ الألباني في جلباب المرأة حاشية ص/١٠٦: قال ابن حجر: وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن وقد كن بعد النبي ﷺ يحججن ويطفن وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص وقد تقدم في الحج قول ابن جريج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة أقبل الحجاب أو بعده قال قد أدركت ذلك بعد الحجاب". اهـ وقول ابن حجر هذا فيه نظر؛ فقوله (وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص) يبطله الأدلة الثابتة التي سقناها آنفا، أما استدلاله بأن أزواج النبي - ﷺ - (كن يحججن ويطفن) فهذا لا دليل فيه على جواز إبراز شخوصهن في البيوت وإن كن مستترات؛ لأنهن إنما كن يخرجن للطواف مستترات بجلابيبهن مستخفيات بظلمة الليل، كما ثبت ذلك من قول عطاء (وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٣٩).
[ ٧٢ ]
ثالثًا: مما يؤكد أن آية إدناء الجلابيب تقتضي وجوب ستر الوجه من المرأة؛ إشراك أمهات المؤمنين مع غيرهن في هذا الأمر فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ومن المجمع عليه أن الله تعالى أوجب على أزواج النبي التستر الكامل بما في ذلك الوجه والكفين في آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ولم يستثن عضوًا من عضو، فلو كان المراد بإدناء الجلباب مجرد تغطية الرأس من غير أن يشمل الوجه؛ لكان كلامه تعالى في آية الجلابيب عبثًا في حق أمهات المؤمنين! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فإنه لا يعقل أن يؤمر أزواج النبي - ﷺ - أولا بالتستر الكامل بما في ذلك الوجه والكفين؛ ثم يؤمرن في هذه الآية بتغطية الرأس دون
[ ٧٣ ]