فإن التلفع يعني تغطية الوجه عند أهل العلم:
- قال الحكيم الترمذي (ت ٣٢٠ هـ) في نوادر الأصول (٢/ ٣٥١): الالتفاع؛ الالتحاف بالثوب متقنعا.
- قال ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) في شرح صحيح البخارى (٢/ ٢٢٢): وذلك أن تلفعهن وتسترهن بمروطهن مانع من معرفتهن، وكان الرجال يصلون ووجوههم بادية بخلاف زى النساء وهيئاتهن.
- قال البيضاوي (ت ٦٨٥ هـ) في تحفة الأبرار (١/ ٢٣٨) والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) في شرحه على المشكاة (٣/ ٨٨٦) والكرماني (ت ٧٨٦ هـ) في الكواكب الدراري (٤/ ٢١٨) والعيني (ت ٨٥٥ هـ) في عمدة القاري (٥/ ٧٤): التلفع شد اللفاع وهو ما يغطي الوجه ويتلحف به.
- وقال علي القاري (ت ١٠١٤ هـ) في مرقاة المفاتيح (٢/ ٥٣٠): (ملتفعات) أي: مستترات وجوههن وأبدانهن.
- وقال المناوي (ت ١٠٣١ هـ) في فيض القدير (٣/ ١٧٤): (والالتفاع) وهو تغطية الرأس وأكثر الوجه.
[ ٢٢٧ ]
* وهو كذلك عند أهل اللغة:
- قال أبو منصور الهروي (ت ٣٧٠ هـ) في الزاهر (ص: ٥٢): فالمتلفعات: النساء اللاتي قد اشتملن بجلابيبهن حتى لا يظهر منهن شيء غير عيونهن، ويقال: وقد تلفع بثوبه والتفع به إذا اشتمل به أي تغطى به.
- قال ابن القطّاع (ت ٥١٥ هـ) في الأفعال (٣/ ١٢٧): لفع ومنه لفاع المرأة كالقناع.
- قال أبو الفضل عياض السبتي (ت ٥٤٤ هـ) في مشارق الأنوار (١/ ٣٦١): والتلفع يستعمل في الالتحاف مع تغطية الرأس.
- قال ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) في (غريب الحديث (٢/ ٣٢٦): (متلفعات بمروطهن) أي متجللات بأكسيتهن قال أبو زيد تميم تقول تلثمت وغيرهم يقول تلفعت.
٢) قال الشيخ الألباني: وقد ذكر هذا الشوكاني عن الباجي. اهـ
وبالرجوع إلى قول الباجي يتبين أنه لا يقول بجواز كشف الوجه:
قال أبو الوليد الباجي في المنتقى شرح الموطأ (١/ ٤): وروى يحيى متلففات والأكثر على متلفعات والمعنى متقارب إلا أن التلفع يستعمل مع تغطية الرأس، والمروط أكسية مربعة سداها شعر، وقوله ما يعرفن من الغلس (^١) يحتمل
_________________
(١) قال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٥٥): وقوله (لا يعرفهن أحد) قال الداودي معناه لا يعرفن أنساء أم رجال أي لا يظهر للرائي الا الأشباح خاصة وقيل لا يعرف أعيانهن فلا يفرق بين خديجة وزينب، وضعفه النووي بأن المتلفعة في النهار لا تعرف عينها، فلا يبقى في الكلام فائدة، وتعقب بأن المعرفة إنما تتعلق بالأعيان فلو كان المراد الأول لعبر بنفي العلم وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا تعرف عينها فيه نظر لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب ولو كان بدنها مغطى، وقال الباجي هذا يدل على أنهن كن سافرات إذ لو كن متنقبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس، قلت وفيه ما فيه لأنه مبنى على الاشتباه الذي أشار إليه النووي. أهـ
[ ٢٢٨ ]
أمرين؛ أحدهما لا يعرف أرجال هن أم نساء من شدة الغلس إنما يظهر إلى الرائي أشخاصهن خاصة، قال ذلك الراوي، ويحتمل أيضا أن يريد لا يعرفن من هن من النساء من شدة الغلس وإن عرف أنهن نساء، إلا أن هذا الوجه يقتضي أنهن سافرات عن وجوههن ولو كن غير سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس، إلا أنه يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين؛ إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تدرك صورهن من شدة الغلس فأبيح لهن كشف وجوههن. اهـ
وعلى فرض أنهن كن كاشفات لوجوههن لكونهن في الغلس، لا يعرف بعضهن وجوه بعض، فكيف يستشهد به على جواز كشفهن في حال يستطيع الرجال معرفتهن ورؤية وجوههن! هذا استشهاد باطل ولا شك.
٣) يضاف إلى ذلك أن خروجهن هذا كان على غير مرأى من الرجال كما يدل على ذلك قولها (فينصرفن نساء المؤمنين لا يعرفن من الغلس أو لا يعرفن بعضهن بعضا) (^١) فهذا يدل على أنهن كن كلهن نساء لا يخالطهن في انصرافهن رجال. وهذا يشهد له ما جاء في الصحيح عن أم سلمة ﵂ (أن النساء في عهد
_________________
(١) صحيح البخاري ١/ ٢٩٦ (٨٣٤).
[ ٢٢٩ ]
رسول الله - ﷺ - كُنَّ إذا سَلَّمن من المكتوبة قمن، وثبت رسول الله - ﷺ - ومن صلى من الرجال ما شاء الله فإذا قام رسول الله - ﷺ - قام الرجال). (^١) وفي رواية (كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله - ﷺ -) (^٢) وفي رواية عن الزهري قال؛ قالت (كان رسول الله - ﷺ - إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه ويمكث هو في مقامه يسيرا قبل أن يقوم) قال نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال. (^٣)
٤) أما قول الشيخ الألباني ثم وجدت رواية صريحة في ذلك بلفظ: "وما يعرف بعضنا وجوه بعض" فبالرجوع لهذه الرواية بتمامها يتبين أن عائشة ﵂ إنما أرادت بقولها توجيه النساء إلى زيادة التستر؛ لا الدعوة إلى السفور والتكشف! فقالت منكرة على النساء ما رأت من تعرضهن للرجال: (لو رأى رسول الله - ﷺ - من النساء ما نرى لمنعهن من المساجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها، لقد رأيتنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - الفجر في مروطنا وننصرف وما يعرف بعضنا وجوه بعض «^٤).
وبذلك يسقط الاحتجاج بهذا الحديث، ويضم إلى أدلة وجوب تغطية الوجه.
_________________
(١) صحيح البخاري ١/ ٢٩٥ (٨٢٨).
(٢) صحيح البخاري ١/ ٢٩٠ (٨١٢).
(٣) صحيح البخاري ١/ ٢٩٦ (٨٣٢).
(٤) مسند أبي يعلى (٤٤٩٣) صحح الألباني إسناده في جلباب المرأة /٦٦ ..
[ ٢٣٠ ]