_________________
(١) :: مناقشة البحث السابع:: أولا: أطلق الشيخ الألباني الحكم بالضعف على الآثار التي استشهد بها المخالفين له ولم يُعمل معها قواعد التحديث التي عمل بها مع أدلته، وإنما حكم عليها بالضعف بما لا يوجب لها الضعف! مما يوهم أن كل ما احتجوا به ضعيف واهٍ!! ثانيا: أنكر الاستشهاد بأثر ابن عباس في تفسير آية إدناء الجلابيب الذي فيه إبداء العين الواحدة وهو قوله (أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة) وذلك لعلتين في إسناده - خفة في ضبط راويين - رغم أن هذه العلل لا تسقطه من درجة الاحتجاج به! فإنه لاينزل بها عن رتبة الحسن، كما أن له شواهد صحيحة يتقوى بها، ويرتقي بها من الحسن إلى الصحيح - كما بينا ذلك مفصلا في مناقشة البحث الثالث فليرجع إليه - ولذلك فإن هذا الأثر يعد من الآثار الثابتة التي اعتمد عليها جل أهل العلم في تفسير هذه الآية: قال الإمام جلال الدين السيوطي في الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٣ - ٥): وأولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه الآخذين عنه فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الثابتة الصحيحة. وها أنا أسوق هنا ما ورد من ذلك عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. اهـ
[ ٢٨٢ ]
كما احتج بها أئمة التفسير: ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، واعتمد على هذه الرواية علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي في تفسيره، والإمام القرطبي في تفسيره، وكذلك الإمام ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة، وغيرهم من المفسرين فكانت قوية ومحتجا بها عند علماء التفسير وغيرهم، وظاهر القرآن والسنة وآثار الصحابة والتابعين تؤيدها؛ فلا وجه للطعن في هذه الرواية، فهي ثابتة عمل بها الأئمة واحتجوا بها.
ثالثا: استشهد الشيخ الألباني بقول ابن عباس: "وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" -الذي نص على ضعفه- على أنه يناقض أثر العين الواحدة! واحتج بإدراج الطبري لقول ابن عباس "وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" تحت قوله: "وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن" مستشهدا بذلك على أن الطبري يريد أن الفريق الآخر يرى أن الإدناء يكون بوضع الجلباب على الرأس وشده على الجبين دون تغطية الوجه!! وهذا تأويل مخالف لمراد الطبري من تقسيمه كما بيّناه في مناقشة البحث الخامس؛
قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ): يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ - يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فيكشفن شعورهن ووجوههن ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول. ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به فقال بعضهم هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا
[ ٢٨٣ ]
واحدة. ذكر من قال ذلك: حدثني علي عن ابن عباس " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة" عن محمد عن عبيدة في قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فلبسها عندنا ابن عون قال ولبسها عندنا محمد قال محمد ولبسها عندي عبيدة قال ابن عون بردائه فتقنع به فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب.
وقال آخرون بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد عن ابن عباس قال "كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" (^١) حدثنا بشر عن قتادة " أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب" (^٢) حدثنا ابن حميد عن أبي صالح " يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة". (^٣) اهـ
ويتبين خطأ الشيخ الألباني في فهمه لمراد الطبري بالآتي:
_________________
(١) ضعفه الألباني في الرد المفحم/١١.
(٢) صححه الألباني في الرد المفحم /٥٢.
(٣) انظر: جامع البيان ٢٢/ ٤٥ - ٤٧.
[ ٢٨٤ ]