أي: وجهها وكفيها، فالمنهي في الآية هو المنهي في الحديث، والمستثنى فيها هو المستثنى في الحديث" (^١)
ولكن!!! هل حُملت هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على ما أراد الله - ﷿ -؛ أم حيد عن مراد الله منها وحُملت أقوال المفسرين لها من الصحابة والتابعين وأئمة المفسرين على غير محملها؟ وهل المراد من قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هو ما يجوز للمرأة الحرة إظهاره أمام الرجال الأحرار الأجانب؛ حتى يكون فيه حجة على جواز كشف وجه المرأة الحرة لهم؟!! فإنه كما قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١/ ٢٤٦): والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ودلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله.
_________________
(١) أما قول الشيخ الألباني ص/١٢٤: فإن كانت الآية (يدنين عليهن من جلابيبهن) عامة فالحديث مخصص لها وإلا فهو مبين لها. اهـ فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم ولا يؤيده عقل ولا نقل، لأنه ليس في الآية عموم أصلا! بل إن هذه الآية كما قال أهل العلم: نزلت خاصة في ستر الوجه، وهو الذي عليه مجموع أهل العلم من مفسرين وفقهاء ومحدثين، فليس في الآية عموم يحتاج إلى تخصيص كما ذكر الشيخ الألباني!! وحديث أسماء - على فرض صحته - يشير إلى ما يجوز للمرأة إظهاره لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب كما أسلفنا، أما آية الجلابيب فهي لحجب النساء الحرائر عن الرجال الأحرار الأجانب عند الخروج من البيوت فلها حكم مغاير، فلا تعارض بينهما حتى يقال بالتخصيص.
[ ٣٨١ ]
فقد حمل المتأخرين هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على أنها تبين ما يجوز للمرأة الحرة إبداؤه أمام الرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم، فحملوا ما نقل عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهم في تأويل قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على أن مرادهم ما تظهره المرأة لمن يجب عليها الاحتجاب منهم، ولذلك انقسموا إلى فريقين؛ الفريق الذي يرى وجوب ستر وجه المرأة أخذ بقول ابن مسعود وتجاهل قول ابن عباس!! والفريق الذي يرى جواز كشفه أخذ بقول ابن عباس ولم يلتفت إلى قول ابن مسعود!!
ولو حُملت هذه الآية ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على أنها تبين ما يجوز للمرأة إظهاره لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممّن لم يستثنَ في الآية؛ وأن هذا مراد ابن مسعود وابن عباس في تأويلهما لقوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ لزال ما يعد خلافا بين ابن مسعود وابن عباس في تفسير هذه الآية.
فإن هناك فئات من الناس يحل لهم الدخول على المرأة ورؤيتها دون حجاب لم يستثنوا في الآية وهم: العم والخال، والمحرم بالمصاهرة (زوج البنت، وزوج الأم، وابن الزوج، وأبو الزوج) (^١) والمحرم بالرضاع، والعبيد المملوكون للغير، والعبد المملوك إذا كان من أولي الإربة، والصبية المميزون الذين لم يبلغوا
_________________
(١) كما سيأتي لاحقا أنهم ليسوا المعنيون بقوله (أو آباء بعولتهن. .. أو أبناء بعولتهن)
[ ٣٨٢ ]
الحلم، والنساء غير المسلمات؛ فهؤلاء هم المعنيون بنهي المرأة الحرة عن إبداء زينتها لهم ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وليس الرجال الأحرار الأجانب الذين منعوا من الدخول عليها في البيوت ومحادثتها إلا من وراء حجاب، وإن خرجت أُمرت أن تدني عليها من جلبابها لتستر وجهها وسائر بدنها عنهم.
قال ابن عبد البر في التمهيد (٨/ ٢٣٥): احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام وأنهم كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب وكان سبب نزولها فيما قال أهل العلم أن رسول الله - ﷺ - صنع طعاما ودعا إليه أصحابه في هداء زينب فلما أكلوا أطالوا الحديث فجعل النبي - ﷺ - يدخل ويخرج ويستحي منهم فأنزل الله - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ وأنزل الله - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ النور
ثم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. اهـ
[ ٣٨٣ ]
فالذي يتحقق؛ أنه بعد أن ضُرب الحجاب في البيوت ومُنع الرجال الأحرار الأجانب من الدخول على النساء الأجنبيات الحرائر، وبقي الأِذن بالدخول عليهن ورؤيتهن دون حجاب للمحارم وللعبيد المملوكين من الأجانب؛ نزلت هذه الآيات من سورة النور لتبين حدود ما تظهره المرأة من الزينة أمامهم: فأمرت بالتحرز والتحفظ بعدم وضع الثياب الظاهرة (من رداء أو ملحفة وهو ما يسميه العامة الآن الجلال) وبضرب الخمار على الجيب لتستر النحر فلا تبدي إلا الوجه والكفين بما فيهما من الزينة؛ وهذا تظهره المرأة الحرة لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممن لم يستثن في الآية، وهو أيضا ما يحل أن تظهره الأمة المملوكة لجميع الرجال الأجانب لأن الحجاب إنما فرض على الحرائر.
أما من استثنى الله في الآية ممن أبيح لهم النظر للمرأة؛ في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ ﴾ النور: ٣٠ - ٣١ فقد أباح الله - ﷿ - لها أن تبدي لهم ما نهيت عن إظهاره من الزينة؛ فلا تضرب عندهم الخمار على جيبها، ولا تتخذ الرداء، فأبيح لها وضع الثياب الظاهرة عند هؤلاء.
قال مقاتل بن سليمان في تفسيره (ت ١٥٠ هـ) ٢/ ٤١٧: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعنى الوجه والكفين وموضع السوارين ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعنى ولا يضعن الجلباب ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ إلى
[ ٣٨٤ ]
قوله ﴿عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ فلا بأس بالمرأة أن تضع الجلباب عند هؤلاء المسلمين في هذه الآية.
وسنذكر من الشواهد والقرائن في الآية ومما أُثر عن الصحابة والتابعين ومن أقوال المفسرين وغيرهم من أهل العلم ما يؤكد ما ذكرنا؛ من أن هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ تُبين ما يجوز للمرأة إظهاره لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممّن لم يستثن في الآية؛ وليس المراد ما تظهره المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم: