وبذلك تبين خطأ الشيخ الألباني فيما حمل عليه أثر ابن عباس وقتادة مخالفا ما حملها عليه أهل التفسير كما بينا ذلك مفصلا في مناقشة البحث الثالث! بل ومخالف لمعنى التقنع لغة وشرعا كما بيناه في مناقشة البحث الرابع.
رابعا: قال الشيخ الألباني أن قول ابن عباس "وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" وإن كان إسناده ضعيفًا فإنه أرجح من الأول لأمور:
١) أنه الأقرب إلى لفظ (الإدناء) كما تقدم في" البحث الأول". يشير إلى ما نقله من قول الراغب الأصبهاني" (دنا)، الدنو: القرب ويقال: دانيت بين الأمرين وأدنيت أحدهما من الآخر "
فيقال؛ إذا كان معنى إدناء الجلباب هو شد الجلباب على الجبين كما قال؛ فسينبني عليه أن يكون معنى الإدناء والتقريب هو الشد؟!! وهذا لا يصح لغة! ولذلك فالذي يصح في معنى الإدناء في الآية هو ما تفق عليه المفسرون في تفسير هذه الآية ومنهم أئمة في اللغة العربية وقد بينا ذلك مستوفيا في مناقشة البحث الأول فليرجع إليه، وسأذكر هنا مثالين فقط:
- قال إمام العربية أبو جعفر النحاس النحوي اللغوي المفسّر (ت ٣٣٨ هـ) في كتابه إعراب القرآن (٣/ ٣٢٥): ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين على وجوههن منه.
[ ٢٨٧ ]
- وقال الإمام البارع العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠): ومعنى (يدنين عليهن من جلابيبهن) يرخينها عليهن، ويغطين بها وجوههن وأعطافهن. يقال: إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدنى ثوبك على وجهك.
٢) قال الشيخ الألباني " أنه الموافق لما صح عن ابن عباس: أن الوجه والكفين من الزينة الظاهرة " وسبق أن أشرنا إلى أن المراد بمن تُبدَى لهم الزينة الظاهرة (الوجه والكفين) هم من يحل لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب ممن لم يستثن في الآية من العبيد المملوكين للغير، ومن لم يبلغ الحلم من الأحرار، وليس المراد إظهار الوجه والكفين لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب، وسنبين قريبا ما صح من الأقوال في تأويل الزينة الظاهرة وأنها تشمل السوار والخاتم مما يؤكد ما ذكرنا وسيأتي بيان ذلك وتفصيله وتأصيله في مناقشة البحث التاسع إن شاء الله.
٣) قال الشيخ الألباني " إنه الموافق لقول ابن عباس "تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به" وسبق أن بينا في مناقشة البحث الأول أن الشيخ الألباني قد يكون توهم أن هذا الأثر كان تفسيرا من ابن عباس لآية إدناء الجلابيب، والصحيح أنه لم يرد لهذا الأثر ذكر في أي كتاب من كتب التفسير على الإطلاق! لأنه لم يكن تفسيرا من ابن عباس لآية الإدناء؛ وإنما كان لبيان كيف تغطي المحرمة وجهها؛ وذلك بسدل الجلباب عليه من فوق رأسها، لا بشده على الجبين ثم رفعه من
[ ٢٨٨ ]
أسفل لعطفه على الأنف لأن المحرمة منهية عن الشد على الوجه كما بيناه في مناقشة البحث الخامس.
أما قوله إنه الموافق له؛ فالصحيح أنه وإن كان يوافقه على تغطية الوجه إلا أنه يخالفه في الكيفية؛ لأن قول ابن عباس" تدني الجلباب على وجهها ولا تضرب به" فيه أمر بالسدل على الوجه من فوق والنهي عن الضرب وهو الشد والإلصاق؛ أما قوله"تقنع وتشد على جبينها" ففيه مشروعية التغطية بالشد ورفع الثوب من أسفل للتقنع به، ولذك فإن الذي يوافق أثر ابن عباس هذا هو أثر العين الواحدة (يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة). والزيادة التي رواها "روح" في هذا الأثر تشهد لذلك - كما بينا ذلك مستوفيا في مناقشة البحث الأول - وهي كما عند أبي داود، والشافعي في باب: ما تلبس المرأة في إحرامها: (تدلي عليها من جلبابها ولا تضرب به، قلت وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال لا تعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه). (^١)
٤) قال الشيخ الألباني: إنه المنقول عن بعض تلامذة ابن عباس؛ كسعيد بن جبير فإنه فسر الإدناء: بوضع القناع على الخمار وقال" لا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت بها رأسها ونحرها"
_________________
(١) أبو داود في مسائل الإمام أحمد /١١٠، الشافعي في مسنده ١/ ١١٨ وفي الأم ٢/ ١٤٩، واللفظ له.
[ ٢٨٩ ]
أولا: ننقل قول ابن جبير بتمامه: عن سعيد بن جبير - ﵁ - في قوله (يدنين عليهن من جلابيبهن) قال: يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار، ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت به رأسها ونحرها. (^١)
فيتبين أن ابن جبير فسر الإدناء بقوله (يسدلن عليهن من جلابيبهن) ثم زاد في البيان فقال (وهو القناع فوق الخمار) لما هو معلوم أن القناع يعني تغطية الوجه، والسدل كذلك يعني سدل الجلباب من فوق الرأس على الوجه، وقد قال به الشيخ الألباني كما في هامش (ص ١٠٨) من كتابه جلباب المرأة تعقيبا على قول أسماء بنت أبي بكر (كنا نغطي وجوهنا من الرجال في الإحرام) (^٢) قال: والمراد بـ (نغطي) أي نسدل.
ثانيا؛ نقل الشيخ الألباني قول ابن جبير بتصحيف في قوله (وقد شدت بها) مما يوهم أن المراد شد الخمار والجلباب معا! والصحيح عند ابن أبي حاتم والسيوطي (وقد شدت به) وذلك يعني أن الشد عائد على الخمار دون الجلباب، لأنه فسر الإدناء بسدل الجلباب؛ فكيف يسدل الثوب ويشد في الوقت نفسه! كما أنه لو كان الشد عائدا على الخمار والقناع كليهما؛ فماذا ستكون فائدة لبس القناع فوق الخمار؟! فالصحيح أن المراد من قول ابن جبير: هو أن تسدل الجلباب من فوق رأسها على وجهها بعد أن تكون شدت
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣١٥٥
(٢) الحاكم ١/ ٤٥٤ وقال حديث صحيح، ووافقه الذهبي والألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.
[ ٢٩٠ ]
تحته بالخمار على رأسها ونحرها. وهذا يبين موافقته لأثر ابن عباس وعبيدة " أثر العين الواحدة" فيكون بذلك من شواهده التي يتقوى بها.
* ثم قال الشيخ الألباني: "وذكر نحوه أبو بكر الجصاص في" أحكام القرآن" عن مجاهد أيضًا مقرونًا مع ابن عباس: "تغطي الحُرَّة إذا خرجت جبينها ورأسها" ومجاهد ممن تلقى تفسير القرآن عن ابن عباس ﵁". اهـ
فيقال: كان من الأولى نقل قول مجاهد لا نقل كلام الجصاص، كما إنه لم يتم النقل عن الجصاص ليتبين مراده (وقال ابن عباس ومجاهد تغطي الحرة إذا خرجت جبينها ورأسها خلاف حال الإماء) أما قول مجاهد فهو: " قوله ﴿يُدْنِينَ
عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يتجلببن فيعلم أنهن حرائر ". (^١) فليس فيه ذكر لصفة التجلبب.
ومما يبين مراد أبو بكر الجصاص وأنه يرى وجوب تغطية وجه المرأة الحرة؛ قوله في الموضع الذي أخذ منه الشيخ الألباني قول مجاهد: أمر الله المؤمنات أن يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن أنهن حرائر فلا يؤذين. وقال ابن عباس ومجاهد تغطي الحرة إذا خرجت جبينها ورأسها خلاف حال الإماء قال أبو بكر -الجصاص- في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها ستر وجهها وشعرها لأن قوله تعالى
_________________
(١) ابن جرير الطبري في تفسيره ٢٢/ ٤٦.
[ ٢٩١ ]
(ونساء المؤمنين) ظاهره أنه أراد الحرائر وكذا روي في التفسير لئلا يكن مثل الإماء اللاتي هن غير مأمورات بستر الرأس والوجه، فجعل الستر فرقا يعرف به الحرائر من الإماء. (^١) أهـ
* ثم قال الشيخ الألباني: ثم تلقاه عن مجاهد قتادة فإنه من تلامذته والرواة عنه فقال "أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب" أخرجه ابن جرير بسند صحيح عنه. اهـ
فيقال صحيح أن قول قتادة هذا يوافق قول ابن عباس "تقنع وتشد على جبينها" ولكن على المعنى الصحيح للتقنع وهو تغطية الوجه بشد الجلباب على الجبين حتى يغطي الحواجب ثم يرد طرفه ويعطف على الأنف كما قال أهل التفسير؛ قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣) والمفسر النحوي أبو حيان في البحر المحيط (٧/ ٢٤٠):
واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضًا وقتادة ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. اهـ ولهذا فإن قول قتادة" أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يُقَنِّعن على الحواجب" الذي صححه الشيخ عنه، يعد أيضا من شواهد حديث ابن عباس التي يتقوى بها.
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٤٥
[ ٢٩٢ ]