(أن يكون صفيقًا لا يشف)
لأن الستر لا يتحقق إلا به، وأما الشفاف فإنه يزيد المرأة فتنة وزينة، وفي ذلك يقول - ﷺ -:
«سيكون في آخر أمتي نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، على رؤوسهنَّ كأسمنة البخت، العنوهنَّ فإنهنَّ ملعونات» رواه الطبراني في المعجم الصغير بسند صحيح.
زاد في حديث آخر:
«لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإنَّ ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا» رواه مسلم.
[ ٣٧ ]
قال ابن عبد البر:
«أراد - ﷺ - النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي يصف ولا يستر، فهن كاسيات بالإسم، عاريات في الحقيقة».
وعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت:
«رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عائشة عليها، وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟! ثم دعت بخمار فكستها» رواه ابن سعد وهذاصالح للاستشهاد به.
وفي قول عائشة ﵂ (أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟!) إشارة إلى أن من تسترت بثوب شفاف أنها لم تستتر، ولم تأتمر بقوله تعالى في السورة المشار إليها: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾، وهذا بينٌّ لا يخفى.
وعن هشام بن عروة:
«أن المنذر بن الزبير قدم من العراق، فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر - أمه - بكسوة من ثياب مَروية - أي منسوبة إلى مرو- وقُوهية - أي منسوبة إلى قوهستان وهي ناحية بخراسان - رقاق عتاق بعدما كف بصرها، قال: فلمستها بيدها ثم قالت: أُف، ردوا عليه كسوته، قال: فشق ذلك عليه، وقال: يا أمَّه، إنه لا يشف. قالت: إنها إن لم تشف، فإنها تصف» رواه ابن سعد بإسنادٍ صحيحٍ إلى المنذر.
وعن عبد الله بن أبي سلمة:
«أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كسا الناس القُباطيِّ - ثياب مصرية رقيقة بيضاء -، ثم قال: لا تَدَّرِعها نساؤكم، فقال رجل: يا أمير المؤمنين! قد ألبستها امرأتي، فأقبلت في البيت وأدبرت، فلم أره يشف. فقال عمر: إن لم يشف، فإنه يصف» رواه البيهقي وقال إنه مرسل. لكن رجاله ثقات.
وفي هذا الأثر والذي قبله إشارة إلى أن كون الثوب يشف أو يصف، كان من المقرر عندهم أنه لا يجوز، وأن الذي يشف شرٌ من الذي يصف، ولذلك قالت عائشة - ﵁ -:
«إنما الخمار ما وارى البشرة والشعر» ذكره البيهقي معلقًا.
من أجل ذلك كله قال العلماء:
ويجب ستر العورة بما لا يصف لون البشرة. . . من ثوب صفيق أو جلد أو رق، فإن سُترَ بما يظهر فيه لون البشرة من ثوب رقيق، لم يجز، لأن الستر لا يحصل بذلك.
[ ٣٨ ]
وقد عقد ابن حجر الهتيمي في «الزواجر» بابًا خاصًا في لبس المرأة ثوبًا رقيقًا يصف بشرتها، وأنه من الكبائر، ثم ساق فيه الحديث المتقدم، ثم قال:
«وذِكْرُ هذا من الكبائر ظاهر لما فيه من الوعيد الشديد، ولم أرَ من صرح بذلك. إلا أنه معلوم بالأولى مما مر في تشبههن بالرجال».
قلت: وتأتي الأحاديث في لعن المتشبهات بالرجال عند الكلام على الشرط السادس.