قال الشافعي في الأم، والأصحاب؛ يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره.
وبذلك بطل احتجاج الشيخ الألباني بـ (ابن هبيرة وابن عبدالبر وابن رشد والنووي) على وجود خلاف بين الأئمة والفقهاء في عورة المرأة الحرة بالنسبة لنظر الرجال الأحرار الأجانب، مع أن الحجة بالإجماع لا بوجود الخلاف:
قال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ١٤٣): ولا يجوز أن يراعي الاختلاف عند طلب الحجة، لأن الاختلاف ليس منه شيء لازم دون دليل، وإنما الحجة اللازمة الإجماع لا الاختلاف، لأن الإجماع يجب الانقياد إليه لقول الله (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المومنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا). النساء ١١٥
- سادسا: ومما يثبت إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه على الحرائر من النساء:
١) التصريح من بعض أهل العلم على اختلاف مذاهبهم بهذا الإجماع:
- قال ابن عبد البر المالكي في الاستذكار (٨/ ٥٤٢): والعلماء مجمعون على أن الله ﷿ لم يرد بما أمر به النساء من الاحتجاب؛ الإماء؛ وإنما أراد بذلك الحرائر.
[ ٨٠ ]
- قال بدر الدين العيني الحنفي في عمدة القاري (٢٠/ ٢٤٥): لايجوز للمرأة أن تأذن للرجل الذي ليس بمحرم لها في الدخول عليها ويجب عليها الاحتجاب منه بالإجماع.
- قال الإمام العلامة يوسف بن عبدالهادي المقدسي الشهير بابن المَبْرَد في مغني ذوي الأفهام /١٢٠: ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت بالاتفاق.
- وقال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليماني في الروض الباسم (٢/ ٢٢٨): وأجمعوا على وجوب الحجاب للنّساء.
- وقال مفتي باكستان الشيخ شفيع الحنفي في كتابه المرأة المسلمة /٢٠٢: وبالجملة فقد اتفقت مذاهب الفقهاء وجمهور الأمة على أنه لا يجوز للنساء الشواب كشف الوجوه والأكف بين الأجانب.
٢) استمرار العمل يدل على الإجماع كما قال إمام الحرمين الجويني في الورقات في أصول الفقه: والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم وبقول البعض وبفعل البعض وانتشار ذلك.
- قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٣٧): لم تزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأمر الرجال بالتنقب، أو منعوا من الخروج.
[ ٨١ ]
٣) أقوال علماء الإسلام التي سبق بسطها في مناقشة البحوث السابقة التي تثبت إجماعهم أن تغطية الوجه واجب وفرض على المرأة الحرة:
- قال أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ): المرأة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين.
- قال أبو زيد القيرواني (ت ٣٧٦ هـ): ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد لها منه.
- قال ابن عبد البر المالكي (ت ٤٦٣ هـ): كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.
- قال أبو الوليد سليمان الباجي (ت ٤٧٤ هـ): يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب أو يكون بعده لكنهن أمِنَّ أن تدرك صورهن من شدة الغلس.
- قال ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ): وأجمع العلماء أن المرأة تلبس المخيط كله والخمُر والخفاف وتسدل الثوب على وجهها سدلا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال.
- قال أبو الحسن الكيا الهراس (ت ٥٠٤ هـ): فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن.
- قال أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ): وإن كانت أجنبية حرم النظر إليها مطلقا. وقال: لأمر الرجال أيضا بالتنقب كما أمر النساء.
[ ٨٢ ]
- قال ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ): ستر وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج؛ فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها.
- قال الإمام أبو الوليد ابن رشد (ت ٥٩٥ هـ): نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن.
- قال ابن القطان (ت ٦٢٨ هـ): قال القاضي أبو بكر بن الطيب: (وأما الشواب منهن فيجب إنكار اختلاطهن بالرجال في المساجد ومجمع القصاص إلا أن يكون من وراء حجاب بحيث لا يراهن الرجال) وهو صواب كما ذكر.
- قال القرطبي (ت ٦٧١ هـ): وقد قيل: إنه يجب الستر والتقنع الآن في حق الجميع من الحرائر والاماء.
- قال الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ): يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة، فان طافت نهارا جاز وتسدل على وجهها ما يستره.
- قال النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ) وأبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥ هـ) ونظام الدين الحسن القمي (ت ٧٢٨ هـ): أمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه.
- قال ابن جزي الكلبي (ت ٧٤١ هـ): فأمرهن الله بإدناء الجلابيب ليسترن بذلك وجوههن.
- قال صدر الدين عليّ بن ابن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢ هـ): فإن النبي - ﷺ - لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره.
[ ٨٣ ]
- وقال ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥ هـ): كن قبل الحجاب يظهرن بغير جلباب، ويرى من المرأة وجهها وكفاها. ثم أمرت بستر وجهها وكفيها.
- قال ابن الملقن الشافعي (٨٠٤ هـ): وجميعُ النسوان لم يكن يحتجبن إلى أن نزلت آية الحجاب فحجبن وجوههن عن عيون الناس أجمعين.
- قال إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت ٨٨٤ هـ): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي - ﷺ - (المرأة عورة).
- قال أحمد بن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ): من تحققت نظر أجنبي لها يلزمها ستر وجهها عنه. (^١)
- قال محمد الخطيب الشربيني (ت ٩٧٧ هـ): إلا أن تكون في مكان وهناك أجانب لا يحترزون عن النظر إليها فلا يجوز لها رفع النقاب.
- قال الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ): وقعت منهن التغطية لوجوههم وما يتصل بها، وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن وتحريم النظر إليهن.
- قال الجاوي في نهاية الزين (ت ١٣١٦ هـ): جميع بدنها حتى قلامة ظفرها وهي عورتها عند الرجال الأجانب فيحرم على الرجل الأجنبي النظر إلى شيء من ذلك ويجب على المرأة ستر ذلك عنه.
_________________
(١) تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٧/ ١٩٣).
[ ٨٤ ]
- وقال محمد الجرداني الحنفي: وبالنسبة لنظر الأجنبي إليها؛ جميع بدنها بدون استثناء شيء منه أصلا ولو كانت عجوزًا شوهاء ويجب أن تستتر عنه. هذا هو المعتمد. (^١)
وفي نهاية هذا المبحث وبعد أن تقرر لدينا إجماع أهل العلم على وجوب تغطية الوجه على المرأة الحرة من الرجل الأجنبي الحر؛ وبعد أن بينا أن مراد من قال من الفقهاء بجواز النظر إلى الوجه والكفين من المرأة؛ هو ما يباح للعبيد المملوكين النظر إليه من المرأة الحرة، وما يباح النظر إليه من الإماء، فإنه إن وجد من الفقهاء أو غيرهم من أهل العلم من يقول بجواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب؛ فلا حجة في قوله امتثالًا للقاعدة الأصولية التي تقول:
(أقوال العلماء يحتج لها بالدليل، ولا يحتج بها على الدليل)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٢/ ٥٣٧): وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، إنما الحجة النص والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقدر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، لا يحتج بها على الأدلة الشرعية.
_________________
(١) فتح العلام بشرح مرشد الأنام (١/ ٣٤).
[ ٨٥ ]