ثانيا: في متنه نكارة تبعد صحته كالذي سبق، وهي الضرب منه - ﷺ - وقد صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (ما ضرب رسول الله - ﷺ - شيئا قط بيده ولا امرأة ولا خادما). (^١)
ثالثا: الحديث لايصح لأن إسناده منقطع؛ قال ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٨/ ٦٦): حديث ثوبان منقطع. وقال ابن القيم في حاشيته تهذيب سنن أبي داود (١١/ ٢٠١): قال ابن القطان: علته أن رواية يحي بن أبي كثير عن أبي سلام الرحبي منقطعة. كما قاله الذهبي أيضا في الميزان (٧/ ٢١٢).
ولهذا قال الشيخ الألباني في كتابه آداب الزفاف /١٥٣ (إسناده صحيح موصول) أي إذا ثبت اتصاله! أما إذا لم يثبت اتصال إسناده فلا يصح. وقد ثبت أن إسناده منقطع فلا يصح الحديث إذن. ولذلك لم يستشهد بهذا الحديث أحد من أهل العلم على جواز النظر فضلا أن يستشهدوا به على جواز الكشف.
وبذلك تبين أنه لاحجة فيما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب.
* من المناسب هنا قبل الانتقال إلى مناقشة بحثه السابع؛ أن نجيب على ما استشهد به الشيخ الألباني من الآثار وذلك مما استدرك في الطبعة الجديدة من كتابه (جلباب المرأة ص ٩٦ - ١٠٣) لنستوعب الإجابة عن كل ما استشهد به الشيخ الألباني حتى لا نترك مجالا لمن شك، وليتبين الحق لمن أراد الله له قبوله.
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/ ١٨١٤ (٢٣٢٨).
[ ١٥٣ ]
فيُبيّن أولا القول فيها جملة؛ بأن هذه الآثار لو ثبت في شيء منها كشف وجه امرأة حرة لرجل حر أجنبي فلا يعد حجة على جواز الكشف ولا يحل العمل به؛ لأن هذه الآثار إن لم تكن مقطوعة فهي موقوفة (^١) لم يُرفع منها شيء للنبي - ﷺ - وليس لأي منها حكم الرفع، وإنما هي وقائع لا يؤخذ منها حكم شرعي ولا يلزم العمل بها على فرض صحتها، ثم يُبيّن القول فيها تفصيلا:
(الأثر الأول)
عن قيس بن أبي حازم قال: دخلت أنا وأبي على أبي بكر وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم عنده أسماء ابنت عميس تذب عنه وهي] امرأة بيضاء [موشومة اليدين كانوا وشموها في الجاهلية نحو وشم البربر فعرض عليه فرسان فرضيهما فحملني على أحدهما وحمل أبي على الآخر (^٢).
أولا: روي هذا الأثر موقوفا على قيس وفي رواية أخرى عند الطبراني روي عن قيس عن معاوية، فساقه الشيخ الألباني على أنه غير هذا الأثر وجعله (الأثر الخامس عشر!! (عن قيس قال: قال معاوية - ﵁ - دخلت مع أبي على أبي بكر - ﵁ - فرأيت أسماء قائمة على رأسه بيضاء ورأيت أبا بكر - ﵁ - أبيض نحيفا فحملني
_________________
(١) الموقوف: هو ما روى عن الصحابي مقتصرا عليه، من قوله وفعله، والمقطوع: هو ما أضيف إلى تابعي موقوفا عليه، سواء كان قوله أو فعله، كما في المختصر في علم الأثر ص/ ١٣١، ١٤٥.
(٢) تهذيب الاثار لابن جرير ١/ ١١٤ صحح إسناده الشيخ الألباني، وما بين القوسين من رواية الطبراني في المعجم الكبير ٢٤/ ١٣١ (٣٥٩): (دخلنا على أبي بكر - ﵁ - في مرضه فرأينا امرأة بيضاء موشومة اليدين تذب عنه، وهي أسماء بنت عميس).
[ ١٥٤ ]
وأبي على فرسين ثم عرضنا عليه وأجازنا) (^١) وهذا اضطراب في السند يوجب ضعف هذا الأثر.
ثانيا: أن أسماء بنت عميس الخثعمية كانت من الإماء وليست من النساء الحرائر؛ اتخذها أبو بكر أم ولد (^٢) ولذلك لم تحتجب، ومما يشهد لذلك الآتي:
١) ما روي عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال (دخلت أسماء بنت عميس على حفصة زوج النبي - ﷺ - زائرة وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس قال عمر: الحبشية هذه، البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة فلما جاء النبي - ﷺ - قالت: يا نبي الله إن عمر قال: كذا وكذا؟ قال (ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم - أهل السفينة - هجرتان) قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا، يسألوني عن هذا الحديث). (^٣)
_________________
(١) المعجم الكبير للطبراني ١/ ١٠ (٢٥) قال الألباني في جلباب المرأة: سنده جيد في الشواهد، ورجاله ثقات غير شيخ الطبراني (القاسم بن عباد الخطابي). قلت شيخ الطبراني القاسم بن عباد لا توجد له ترجمه كما قال المحقق في إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني (ص/٤٦٩): (مجهول). وقال محقق أنيس الساري (تخريج أحاديث فتح الباري) (٦/ ٤٤٠٠): القاسم بن عباد لم أقف له على ترجمة، وقال محقق المطالب العالية (١٥/ ٦٩٣): شيخ الطبراني لم أستطع معرفته.
(٢) أم الولد: هي الأمة التي حملت من سيدها وأتت بولد، كما في معجم لغة الفقهاء ص/٨٨.
(٣) صحيح البخاري ٥/ ١٣٧ (٤٢٣٠) (٤٢٣١) صحيح مسلم ٤/ ١٩٤٦ (٢٥٠٣).
[ ١٥٥ ]
فدل بروزها لعمر - ﵁ - عند دخوله على حفصة دون الاستتار وراء حجاب، وذهابها لرسول الله - ﷺ - لسؤاله، وذكرها لدخول الرجال عليها أرسالا من أهل السفينة بما فيهم من الأحرار لسؤالها عن قول رسول الله - ﷺ - لها؛ كل ذلك يدل على أنها كانت من الإماء وليست من الحرائر اللاتي لم يعهد عنهن البروز للرجال والخروج والمشي في الطرقات، ودخول الرجال عليهن بعد نزول الحجاب. وقد كان قدوم أسماء بنت عميس من الحبشة حين افتتح خيبر وذلك في العام السابع من الهجرة أي بعد نزول الحجاب.
٢) ثبت عن أم عطية، عن النبي - ﷺ - قالت: (كنا ننهى أن نحد (^١) على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا) (^٢) قال في تيسير العلام شرح عمدة الأحكام (ص: ٦٠٨): يؤخذ من الحديث وجوب إحداد المرأة على زوجها المتوفى، أربعة أشهر وعشرًا.
وقال ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) في إحكام الأحكام (٢/ ١٩٦): "يؤخذ من هذا الحديث: أنه لا إحداد على الأمة المستولدة، لتعليق الحكم بالزوجية". وقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (٧/ ٥٠٦): "وأجمعوا أن أم الولد لا إحداد عليها إذا توفى سيدها، والحجة في ذلك أن الأحاديث إنما جاءت فى الأزواج، وأم الولد ليست بزوجة، ذكر هذا كله ابن المنذر". وجاء في الجامع لعلوم الإمام
_________________
(١) الإحداد في الشرع هو ترك الطيب والزينة.
(٢) صحيح البخاري (١/ ٦٩).
[ ١٥٦ ]
أحمد (١١/ ٥٣٤): هل على أم الولد إحداد؟ قال سفيان: "إذا مات الرجل عن سريته، تخرج وتطيب وتُخطب".
وقد أخرج أحمد في مسنده (٤٥/ ٢١): عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر أتانا النبي - ﷺ - فقال: " تسلبي (^١) ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت". وفي رواية عنها قالت: "دخل علي رسول الله - ﷺ - اليوم الثالث من قتل جعفر فقال: لا تحدي بعد يومك هذا ". (^٢)
وبذلك ثبت أنها لم تكن من النساء الحرائر ولذلك لم يجب عليها الإحداد. ثم إن أبا بكر اتخذها بعد ذلك أم ولد له أيضا ولم تكن زوجة له من الحرائر ومما يثبت ذلك:
١) ماجاء في تهذيب الكمال (١٠/ ١٥٠) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٣٧): كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم القراء: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر، ففاقوا أهل المدينة علما وتقى وعبادة وورعا، فرغب الناس حينئذ في السراري.
٢) ما جاء في صحيح مسلم (٤/ ١٧١١): أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر الصديق، وهي تحته يومئذ، فرآهم، فكره
_________________
(١) تسلبي: أي البسي ثياب الحداد السود. تهذيب اللغة (١٢/ ٣٠٢) تاج العروس (٣/ ٧٢).
(٢) صححه الإمام أحمد، وابن الملقن في التوضيح (٢٥/ ٥٥٣) والألباني في الصحيحة (٧/ ٦٨٤).
[ ١٥٧ ]
ذلك، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - وقال: لم أر إلا خيرا، فقال رسول الله - ﷺ -: (إن الله قد برأها من ذلك) ثم قام رسول الله - ﷺ - على المنبر فقال: (لا يدخلن رجل، بعد يومي هذا، على مغيّبة (^١)، إلا ومعه رجل أو اثنان).
فلما كان الحجاب حائلا دون الدخول على النساء الحرائر منهي عنه بقوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وبقوله - ﷺ - (إياكم والدخول على النساء) (^٢) فالسماح لدخول جمع من الرجال يدل على أن من أُذن في الدخول عليهن هن ممن لم يفرض عليهن الحجاب من الإماء.
٣) ما أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (٣/ ١٧٩) والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٥/ ٢٣١): عن أسماء بنت عميس قالت: (غسلت أنا وعلي فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -) (^٣) ففي مشاركتها لعلي بن أبي طالب - ﵁ - في تغسيل فاطمة - ﵂ - دليل على أنها ليست ممن ضرب عليهن الحجاب من الحرائر. وهذا يسقط الاحتجاج بهذا الأثر.
_________________
(١) المغيّبة هي التي غاب عنها زوجها والمراد غاب زوجها عن منزلها سواء غاب عن البلد بأن سافر أو غاب عن المنزل وإن كان في البلد. كما في شرح النووي على مسلم (١٤/ ١٥٥)
(٢) صحيح البخاري (٧/ ٣٧)
(٣) حسن إسناده الألباني في إرواء الغليل (٣/ ١٦٢) وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٢/ ٣٢٧): إسناده حسن وقد احتج بهذا الحديث أحمد وابن المنذر وفي جزمهما بذلك دليل على صحته عندهما.
[ ١٥٨ ]
(الأثر الثاني)
وهو الخامس في كتابه قدمته لتعلقه بالأثر الثاني؛ (عن أبي أسماء الرحبي أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مسغبة قال فقال ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السويداء).
أولا: ننقل هذا الأثر بتمامه ليتبين ما أسقط من سياقه:
عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي (أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مسغبة (^١) ليس عليها أثر المجاسد (^٢) ولا الخلوق (^٣) قال فقال ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السويداء). (^٤)
وهذا يبين أنها لم تكن كاشفة لوجهها وكفيها فقط؛ بل كانت تكشف أوسع من ذلك حتى تمكن من وصفها بأنها شعثة الرأس وليس عليها أثر صفرة الطيب والزينة! وهذا مما لم يقل بجواز كشفه ولا النظر إليه الشيخ الألباني نفسه!! فإن دل ذلك على شيء؛ فإنما يدل على أنها كانت أمة مملوكة، يشهد لذلك قوله
_________________
(١) حلية الأولياء (١/ ١٦٤) كما عزاه الألباني لابن سعد ولم أجده عنده ولعله وهم إذ إنه أشار إلى نفس موضعه من الحلية! وقال إسناده جيد في الشواهد!
(٢) انظر: تهذيب الكمال للمزي ١٣/ ٣١٠، تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ٤٠١.
(٣) وذلك أن الرجل إذا تزوج أمة مملوكة لغيره يكون ولده رقيقا تبعا لها. وفي عمدة القاري ١١/ ١٦٨: وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد.
(٤) مسند أحمد بن حنبل (٢١٤٥٤)، الطبقات ٤/ ٢٣٦. وصححه الألباني.
[ ١٥٩ ]
(امرأة له سوداء) وما جاء في إتحاف الخيرة المهرة (٧/ ٤٣٦): عن عبد الله بن الصامت "أنه كان مع أبي ذر - ﵁ - فخرج عطاؤه، وكان معه جارية له، فجعلت تقضي حوائجه) رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل بسند صحيح.
وهذا يسقط الاحتجاج به على جواز الكشف للنساء الحرائر.
(الأثر الثالث)
(عن أبي السليل قال جاءت ابنة أبي ذر وعليها مجنبتا صوف سفعاء الخدين ومعها قفة لها فمثلت بين يديه وعنده أصحابه فقالت يا أبتاه زعم الحراثون والزراعون أن أفلسك هذه بهرجة فقال يا بنية ضعيها فإن أباك أصبح بحمد الله ما يملك من صفراء ولا بيضاء إلا أفلسه هذه) (^١).
الجواب عليه بالآتي:
أولا: إسناده ضعيف لا يحتج به لأنه منقطع، فإن أبا السليل لم يدرك أبا ذر الغفاري. (^٢)
ثانيا: على فرض صحته فإن ابنة أبي ذر هذه قد تكون صغيرة لم تحتجب بعد فلا يكون فيه حجة على جواز كشف المرأة البالغة.
_________________
(١) حلية الأولياء (١/ ١٦٤) كما عزاه الألباني لابن سعد ولم أجده عنده ولعله وهم إذ إنه أشار إلى نفس موضعه من الحلية! وقال إسناده جيد في الشواهد!
(٢) انظر: تهذيب الكمال للمزي ١٣/ ٣١٠، تهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ٤٠١.
[ ١٦٠ ]
ثالثًا: إن ابنة أبي ذر قد تكون رقيقة تبعا لأمّها (^١) كما تبين في الأثر السابق، فلا يكون في كشفها حجة على جواز كشف النساء الحرائر.
(الأثر الرابع)
أخرجه ابن جرير قال حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي قال حدثنا عمرو بن طلحة القناد عن مسهر بن عبد الملك بن سلع الهمداني عن عتبة أبي معاذ البصرى عن عكرمة (عن عمران بن حصين قال كنت مع رسول الله - ﷺ - قاعدا إذ أقبلت فاطمة رحمها الله فوقفت بين يديه فنظرت إليها وقد ذهب الدم من وجهها وغلبت الصفرة من شدة الجوع قال فنظر إليها رسول الله - ﷺ - فقال أدني يا فاطمة فدنت حتى قامت بين يديه فرفع يده فوضعها على صدرها في موضع القلادة وفرج بين أصابعه ثم قال" اللهم مشبع الجاعة ورافع الوضعة لا تجع فاطمة بنت محمد - ﷺ - " قال عمران فنظرت إليها وقد غلب الدم على وجهها وذهبت الصفرة كما كانت الصفرة قد غلبت على الدم. قال عمران: فلقيتها بعد فسألتها فقالت ما جعت بعد يا عمران!)
أولا: هذا الأثر إسناده ضعيف؛ ولذلك قال عنه الشيخ الألباني: إسناده لا بأس به في الشواهد.
_________________
(١) وذلك أن الرجل إذا تزوج أمة مملوكة لغيره يكون ولده رقيقا تبعا لها. وفي عمدة القاري ١١/ ١٦٨: وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد.
(٢) تهذيب الاثار للطبري ١/ ٢٨٦، الكنى والأسماء للدولابي (١٨٢٣) ٣/ ١٠٣٨.
[ ١٦١ ]
ثانيا: أن فاطمة ﵂ كانت حينئذ صغيرة لم تحتجب بعد يشهد لذلك قوله (فرفع يده فوضعها على صدرها في موضع القلادة) وهذا مما لم يقل أحد من أهل العلم بجواز كشفه من المرأة الحرة للرجال الأجانب، أما قوله (فلقيتها بعد فسألتها فقالت ما جعت بعد يا عمران) فهذا ليس فيه شاهد أنه رأى وجهها ولا أنها كانت كاشفة عن وجهها! كما أنه قد يكون قبل نزول الحجاب؛ أو أن عمران كان من الموالي، ولذلك لم يستشهد بهذا الأثر أحد من أهل العلم على جواز النظر؛ فضلا على أن يستشهدوا به على جواز الكشف!!
(الأثر الخامس)
(عن قبيصة بن جابر قال كنا نشارك المرأة في السورة من القرآن نتعلمها فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود في بيته فرأى جبينها يبرق فقال أتحلقينه فغضبت ثم قالت التي تحلق جبينها امرأتك قال فادخلي عليها فإن كانت تفعله فهي مني بريئة فانطلقت ثم جاءت فقالت لا والله ما رأيتها تفعله فقال ابن مسعود سمعت رسول الله - ﷺ - يلعن المتنمصات والمتفلجات والمتوشمات اللائي يغيرن خلق الله تعالى) (^١).
لم يخرج هذا الأثر بهذا اللفظ الذي فيه نظر ابن مسعود إلى جبين تلك العجوز؛ إلا الشاشي في مسنده، وقد استشهد به الشيخ الألباني دون عزوه لأحد، واكتفى بقوله: سنده حسن وهو مخرج في" آداب الزفاف" وبالرجوع إلى
_________________
(١) مسند الشاشي ٢/ ٢٥٦.
[ ١٦٢ ]
كتابه آداب الزفاف تجد أنه إنما ذكر الحديث مقتصرا على قول الرسول - ﷺ - (لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، قال فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب ) المذكور في الرواية المشتهرة للحديث المروية في الصحاح والجوامع والمسانيد والمصنفات والتي ليس فيها ذكر لرؤية جبين هذه المرأة. ومع ذلك فكلا الروايتين لا حجة فيها على جواز كشف النساء الحرائر لأن هذه المرأة العجوز كانت من الإماء كما هو مصرح به في الحديث؛ (عجوز من بني أسد) من الحبش (يقال لها أم يعقوب) فلا يكون فيه حجة على جواز كشف النساء الحرائر.
(الأثر السادس)
قال الشيخ الألباني وفي" تاريخ ابن عساكر (٦٧/ ٧٩) " وفي قصة صلب ابن الزبير أن أمه (أسماء بنت أبي بكر) جاءت مسفرة الوجه متبسمة.
استشهد الشيخ الألباني بهذا الأثر دون التعليق على إسناده!! الذي يتبين بالرجوع إليه عند ابن عساكر أنه إسناد هالك لا يحتج ولا يستشهد به: أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة (مدلس له مناكير) أبو عثمان (مبهم) عن شيخ يسمى عطية (مجهول) فهو رواية مجهول عن مجهول! والراوي عن المجهولَين مدلس له مناكير. (^١)
_________________
(١) طبقات المدلسين ١/ ١٩ - لسان الميزان ١/ ٢٩٥ - ميزان الاعتدال ١/ ٢٩٦.
[ ١٦٣ ]
ومما يبطل الاستشهاد بهذا الأثر؛ ماساقه الشيخ الألباني (ص ١٠٨) بسند صحيح عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال، وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام) فمن لم تكشف عن وجهها حال إحرامها فكيف تكشفه حال حلِّها!!
(الأثر السابع)
(عن أنس بن مالك قال دخلت على عمر بن الخطاب أمة قد كان يعرفها ببعض المهاجرين أو الأنصار وعليها جلباب متقنعة به فسألها عتقت قالت لا قال فما بال الجلباب ضعيه عن رأسك إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين فتلكأت فقام إليها بالدرة فضرب بها رأسها حتى ألقته عن رأسها) (^١).
أولا: استشهاد الشيخ الألباني بهذا الأثر فيه إقرار لما أنكره مسبقا من التفريق بين الحرائر والإماء في الحجاب.
ثانيا: أن هذا الأثر يعد من أدلة وجوب تغطية الوجه؛ وبيان ذلك من عدة وجوه:
١ - أن عمر - ﵁ - ضربها حتى ألقت الجلباب عن رأسها؛ فلو كان الجلباب على رأسها فوق الخمار دون أن تكون مغطية به وجهها فما الذي سينكشف إذا ألقته عن رأسها حتى يعد هذا المنكشف منها هو الفارق بين الحرائر والإماء؟!
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٤١، صححه الألباني في جلباب المرأة /٩٩.
[ ١٦٤ ]
٢ - أن أنس صرح بأنها كانت متقنعة بالجلباب وقد سبق أن بيّنا في مناقشة البحث الرابع أن التقنع يعني تغطية الوجه، وكان الشيخ الألباني يقول بذلك كما في كتابه حجاب المرأة، ولكنه عاد مؤخرا في كتابه الجلباب فعدل عن رأيه! فقال في كتابه الجلباب/ ١٠٣: (وجاءت المرأة متقنعة) قال في حاشيته: "كنت قد وهمت في إيراد هذا الأثر في جملة ما يدل على جريان العمل على ستر الوجه من النساء في العهد الأول، ثم تبين لي أن الأمر على العكس من ذلك"!
٣ - يشهد لما ذكرنا: ما روي عن عمر - ﵁ - أنه رأى- وهو يخطب الناس- أمة خرجت من بيت حفصة تجوس الناس ملتبسة لباس الحرائر (متقنعة) فلما انصرف دخل على حفصة فقال: من المرأة التي خرجت من عندك تجوس الرجال؟ قالت تلك جارية عبد الرحمن. قال: فما يحملك أن تلبسي جارية أخيك لباس الحرائر فقد دخلت عليك ولا أراها إلا حرّة فأردت أن أعاقبها. (^١)
فها هو عمر - ﵁ - لم يعرف جارية ابنه عبد الرحمن لما كانت متقنعة بالجلباب. فهل بعد هذا حجة على أن التقنع لا يعني تغطية الوجه، وأنه مما افترض على الحرائر دون الإماء!
_________________
(١) موطأ مالك ٢/ ٩٨١ (١٧٧٣) سنن البيهقي الكبرى ٢/ ٢٢٦ (٣٠٣٧) صححه البيهقي في معرفة السنن والآثار ٢/ ٩٣، وقال الذهبي في المهذب ٢/ ٦٦٦ إسناده قوي.
[ ١٦٥ ]
(الأثر الثامن)
(عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: أن أروى خاصمته في بعض داره، فقال دعوها وإياها فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول" من أخذ شبرا من الأرض بغيرحقه طوقه في سبع أرضين يوم القيامة" (اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في دارها) قال فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول أصابتني دعوة سعيد بن زيد فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها). (^١)
وهذا الأثر ليس فيه حجة؛ إذ ليس فيه أنه رأى وجهها ولا أنها كانت كاشفة عن وجهها، وكل ما فيه أنه رآها تلتمس الجدر! وهذا لا يشترط معه أن تكون كاشفة عن وجهها ولا حتى عن عينيها لأنها عمياء لن تنتفع بكشف ذلك!! كما أن أروى هذه قد تكون من الإماء، ولذلك لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الأثر على جواز النظر للمرأة ولا على جواز كشف الوجه.
(الأثر التاسع)
(عن عطاء بن أبي رباح يقول رأيت عائشة تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا). (^٢)
_________________
(١) صحيح مسلم (١٦١٠).
(٢) التمهيد لابن عبد البر ١٧/ ٢٢١.
[ ١٦٦ ]
ليس في هذا الأثر حجة على جواز كشف الوجه، لأنه ليس فيه إلا رؤية الكفين، ومع ذلك فإن من المتفق عليه عند أهل العلم أن الحجاب واجب على أمهات المؤمنين دون استثناء لوجه أو كف، وأنهن لم يكن يبرزن للرجال الذين يجب عليهن الاحتجاب منهم ولو كن مستترات بالجلابيب كما قال ابن عبد البر في الاستذكار ٦/ ١٧٠: "إن نساء النبي - ﷺ - لا يكلمن إلا من وراء حجاب متجالات كن أو غير متجالات" فكيف يسوغ الاستشهاد بهذا الأثر على أنها كانت كاشفة لكفيها على مرأى من رجل حر أجنبي يجب عليها الاحتجاب منه؟!! ولذلك يُبطِل الاستشهاد بهذا الأثر أمرين:
الأول؛ قال ابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ٢٢١): ذكر عبد الرزاق وساق هذا الأثر الذي استشهد به الشيخ الألباني؛ ولم أجد هذا الأثر بهذا اللفظ في مصنف عبد الرزاق ولا في غيره! ولذلك قال الشيخ الألباني في حاشية جلباب المرأة ص/١٠١ (كذا في "التمهيد" لابن عبد البر "١٧/ ٢٢١") ولم يجزم بعزوه لعبدالرزاق!! ولعل ابن عبد البر أرادما روى البخاري (٧/ ١٠٢) ومسلم (٢/ ٩٥٩): عن مسروق قال: سمعت عائشة، وهي من وراء الحجاب تصفق، وتقول: (كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - ﷺ - بيدي) (^١) فقد ذكره في كتابيه التمهيد والاستذكار، وهذا هو الثابت في الصحيحين.
_________________
(١) تقليد البدنة: أن يعلق في عنقها شيء ليعلم أنها هدي. وأصل القلد: الفتل، يقال قلدت الحبل، إذا فتلته. مقاييس اللغة (٥/ ١٩).
[ ١٦٧ ]
فقد يكون قول عطاء من باب الإخبار بأنه رأى القلائد التي فتلت دون أن تكون وقعت منه الرؤية لها عند فتلها، فأراد الإخبار أنها كانت تفتل القلائد للهدي؛ ولم يكن مراده الإخبار بوقوع النظر منه لها عندما كانت تفتلها.
الثاني: أن عطاء بن أبي رباح كان من الموالي (عبد مملوك) قال ابن المديني: هو مولى حبيبة بنت ميسرة بن أبي خيثم. (^١) ولذلك فليس في هذا الأثر حجة على جواز كشف الكفين للرجال الأحرار الأجانب، هذا على فرض ثبوت رؤيته لكفيها.
(الأثر العاشر)
عن الحميدي قال ثنا سفيان قال ثنا (عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال أرسلني علي بن الحسين إلى الربيع بنت معوذ بن عفراء أسألها عن وضوء رسول الله - ﷺ - وكان يتوضأ عندها فأتيتها، فأخرجت إلي إناء يكون مدا أو مدا وربع، فقالت بهذا كنت أخرج لرسول الله - ﷺ - الوضوء. . . الحديث).
١) هذا الحديث ضعيف كما قال النووي في المجموع (١/ ٤٩٩): حديث الربيع ضعيف رواه البيهقي وغيره من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل وهو ضعيف عند أكثر أهل الحديث.
_________________
(١) انظر: تقريب التهذيب ١/ ٣٩١، التاريخ الكبير ٦/ ٤٦٣ وقال فيه (١/ ٤٤٦): كان عطاء بن أبي رباح أسود شديد السواد.
[ ١٦٨ ]
٢) مع أنه ليس في هذا الأثر أنها كانت كاشفة أو أنه رأى وجهها؛ إلا أن ليس فيه حجة؛ لأن الربيع بنت معوذ كانت من الإماء يشهد لذلك ما روى عنها الترمذي في سننه (١١٨٥) ٣/ ٤٩١؛ وصححه الشيخ الألباني (أنها اختلعت على عهد النبي - ﷺ - فأمرها النبي - ﷺ - أو أمرت أن تعتد بحيضة) وقد ذكر البغوي في شرح السنة (٩/ ٣١٧): أم الولد قال قوم: (تعتد بحيضة) روي ذلك عن ابن عمر وإليه ذهب مالك، والشافعي، وأحمد.
(الأثر الحادي عشر)
عن عروة بن عبد الله بن قشير أنه دخل على فاطمة بنت علي بن أبي طالب (^١) قال "فرأيت في يديها مسكا غلاظا في كل يد اثنين اثنين قال ورأيت في يدها خاتما". (^٢) ولو أتم الشيخ الألباني هذا الأثر لتبين أنليس فيه حجة: (قال فرأيت في يديها مسكا غلاظا في كل يد اثنين اثنين قال ورأيت في يدها خاتما وفي عنقها خيطا فيه خرز). فقوله (وفي عنقها خيطا فيه خرز ) يدل على أنها كانت حاسرة عن عنقها وهذا مما لم يقل بجواز كشفه للرجال الأجانب أحد من أهل العلم ولا الشيخ الألباني! وهذا يكشف أن رؤية عروة لفاطمة ودخوله عليها إما لصغر سنّها أو لسببٍ من رق أو رضاع، لأن مما هو مجمع عليه أن موضع القلادة من العنق من الزينة الباطنة التي لا يجوز كشفها إلا لمن سمى
_________________
(١) فاطمة بنت علي بن أبي طالب القرشية الهاشمية، وهي فاطمة الصغرى. أمها أم ولد. كما في تهذيب الكمال (٣٥/ ٢٦١).
(٢) الطبقات الكبرى ٨/ ٤٦٥، تاريخ مدينة دمشق ٧٠/ ٣٨ وصحح إسناده الألباني في جلباب المرأة /١٠٢.
[ ١٦٩ ]
الله تعالى في آية النور، وبذلك يبطل الاحتجاج بهذا الأثر على جواز كشف الوجه للرجال الأجانب.
(الأثر الثاني عشر)
(عن عيسى بن عثمان قال كنت عند فاطمة بنت علي فجاء رجل يثني على أبيها عندها فأخذت رمادا فسفت في وجهه). (^١)
مع ضعف إسناد هذا الأثر؛ فإن ليس فيه حجة لأنه لم يثبت فيه أن فاطمة كانت كاشفة عن وجهها!! وقد تكون فاطمة حينها صغيرة لم تبلغ، أو أن هؤلاء من الرقيق، فلا يكون فيه حجة.
(الأثر الثالث عشر)
(عن محمد بن يزيد الواسطي عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم (^٢) قال رأيت سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبي - ﷺ - عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر). (^٣)
_________________
(١) الطبقات الكبرى ٨/ ٤٦٥ وقال الألباني في جلباب المرأة /١٠٢: إسناده جيد.
(٢) أبو بلج هذا هو جارية بن بلج التميمي الصغير، فهو الذي روى عن سمراء بنت نهيك كما ذكر الدارقطني في المؤتَلِف والمختَلِف (١/ ٢٢٠). فقد وهم من قال إنه يحيى بن أبي سليم، وقد ذكر جارية بن بلج التيمي ابن حجر في التقريب واللسان، والمزي في تهذيب الكمال، وأبو حاتم في الجرح والتعديل؛ دون جرح له أو تعديل إلا قول ابن حجر في لسان الميزان (٧/ ٤٥٥): شيخ ليزيد بن هارون.
(٣) المعجم الكبير ٢٤/ ٣١١ قال الألباني في جلباب المرأة /١٠٢: سنده جيد.
[ ١٧٠ ]
قال ابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ١٨٦٣: سمراء بنت نهيك الأسدية أدركت رسول الله - ﷺ - وعمّرت وكانت تمر في الأسواق وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتضرب الناس على ذلك بسوط كان معها، روى عنها أبو بلج جارية بن بلج. اهـ
وهذا يشهد أن سمراء بنت نهيك كانت من الإماء؛ لأن المشي في الأسواق كان من عادة الإماء دون الحرائر، كما أنها كانت من القواعد يشهد لذلك قول ابن عبد البر السابق (أدركت رسول الله - ﷺ - وعمّرت) وهذا سبب خروجها بلا جلباب، كما ذكر أبو بلج أنه إنما رأى عليها درعا وخمارا، ولكن الشيخ الألباني أوّل معنى الدرع هنا إلى الجلباب فقال: الدرع هنا فيما يبدو لي هو الجلباب؛ ففي كتب اللغة" درع المرأة قميصها" ومن معاني القميص الجلباب (^١)! لكنه لم يرد في أيّ من كتب اللغة أن من معاني الدرع الجلباب!! كما أن المتعارف عليه في عرف الصحابة أن الدرع للمرأة يطلق على الثوب الملاصق للبدن، أما ما تلبسه فوق الثياب فهو الملحفة والرداء والجلباب، كما سيأتي بيان ذلك في مناقشة البحث الثامن. وبذلك يسقط الاستشهاد بهذا الأثر على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر.
(الأثر الرابع عشر)
عن أبي القاسم بن السمرقندي أنا أبو الحسين أنا عيسى أنا (البغوي نا عيسى بن سالم الشاشي نا أبو المليح عن ميمون بن مهران قال: دخلت على أم الدرداء
_________________
(١) جلباب المرأة، هامش / ١٩.
[ ١٧١ ]
فرأيتها مختمرة بخمار صفيق قد ضربت على حاجبها قال وكان فيه قصر فوصلته بسير قال وما دخلت عليها في ساعة صلاة إلا وجدتها مصلية). (^١)
أولا: ميمون بن مهران كان عبدا مملوكا لها ولذلك كان يدخل عليها ويراها دون حجاب؛ ذكره ابن حبان في ثقاته وقال: " كان مولى بنيأسد، كان مملوكا لامرأة بالكوفة" (^٢). وهذا كاف لإبطال الاستشهاد به على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب.
ثانيا: إسناده ضعيف لا يعرف بعض رجاله، والشيخ الألباني إنما حكم بالصحة على آخر الإسناد (البغوي: نا عيسى بن سالم الشاشي: نا أبو المليح عن ميمون) أما أوله (أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا أبو الحسين أنا عيسى) فلم يتطرق له بذكر! فهل يصح أثر صح آخر إسناده دون أوله؟!
(الأثر السادس عشر)
عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال جاءت امرأة إلى سمرة بن جندب فذكرت أن زوجها لا يصل إليها. . . قال وجاءت المرأة متقنعة " (^٣)
الصواب أن يستشهد بهذا الأثر على تغطية الوجه، لأن فيه أن المرأة جاءت متقنعة، والتقنع كما بيناه في مناقشة البحث الرابع يعني تغطية الوجه، يشهد
_________________
(١) تاريخ مدينة دمشق ٧٠/ ١٥٨.
(٢) الثقات ٥/ ٤١٧ - وانظر تذكرة الحفاظ ١/ ٩٨ - التاريخ الكبير ٧/ ٣٣٨.
(٣) البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٢٢٨ وسنده حسن.
[ ١٧٢ ]
لذلك أن البخاري أشار في صحيحه إلى هذا الأثر في التعاليق واصفا هذه المرأة التي جاءت متقنعة بقوله: (وأجاز سمرة بن جندب شهادة امرأة منتقبة) (^٣). وقد سبق أن استشهد الشيخ الألباني بهذا الأثر في كتابه حجاب المرأة على أنه شاهد على جريان العمل على ستر الوجه، ثم عاد وعدل عن رأيه ليستشهد به على جواز الكشف في كتابه الجلباب!! فقال بعد أن ساق هذا الأثر في هامش /١٠٣: "كنت قد وهمت في إيراد هذا الأثر في جملة ما يدل على جريان العمل على ستر الوجه من النساء في العهد الأول، ثم تبين لي أن الأمر على العكس من ذلك "!! كان هذا كل ما استشهد به الشيخ الألباني من الأحاديث والآثار التي لم يثبت في أي واحد منها دلالة على جواز كشف الوجه للنساء الحرائر، ولذلك فلا حجة للقول بجواز كشف الوجه للمرأة، بل الحجة قائمة على وجوب تغطيته كما سيأتي مزيد بيان لذلك في البحوث القادمة.
_________________
(١) صحيح البخاري ٢/ ٩٣٩.
[ ١٧٣ ]