الكبائر) (ص ١٣١): (ومن الأفعال التي تلعن عليها المرأة إظهار الزينة والذهب واللؤلؤ تحت النقاب وتطيبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت ولبسها الصباغات والأزر الحريرية والأقبية القصار مع تطويل الثوب وتوسعة الأكمام وتطويلها وكل ذلك من التبرج الذي يمقت الله عليه ويمقت فاعله في الدنيا والآخرة).
ثانيا: أن ذلك مخالف لما جاء مصرحا به في صحيح السنة من لبس النساء للجلابيب السود امتثالا لآية الأمر بإدناء الجلابيب كما صح عن أم سلمة ﵂ أنها قالت" لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان" "من أكسية سود يلبسنها" (^١) قال الشيخ الألباني في جلباب المرأة (ص ٨٣): شبهت الأكسية في سوادها بالغربان.
فالثابت أن الأكسية التي سارعت إلى لبسها النساء عند الخروج امتثالا لآية إدناء الجلابيب هي المرط السود:
أخرج ابن مردويه عن عائشة ﵂ قالت (رحم الله نساء الأنصار لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول الله - ﷺ - فكأنما على رؤوسهن الغربان) وفي رواية (ما منهن امراة إلا قامت إلى مرطها المرحل
_________________
(١) ابن أبي حاتم في تفسيره (١٧٧٨٤) سنن أبي داود (٤١٠١) وصححه الألباني في جلباب المرأة /٨٣.
[ ٢٤٣ ]
فاعتجزت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فاصبحن يصلين وراء رسول الله - ﷺ - الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان). (^١)
قال ابن قتيبة في غريب الحديث (٢/ ٤٥٤): قولها: فأصبحن على رؤوسهن الغربان. تريد: أن المروط كانت من شعر أسود فصار على الرؤوس منها مثل الغربان، ومما يوضح هذا حديث عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - (خرج ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود) (^٢)
يشهد لذلك أيضا ما جاء في مسند أحمد (٤٢/ ٤٢٢) (٢٥٦٢٨): (عن عائشة " أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وعليه مرط من هذه المرحلات، وكان رسول الله - ﷺ - يصلي وعليه بعضه، وعلي بعضه" والمرط من أكسية سود) (^٣)
قال العيني في عمدة القاري (٤/ ٨٩): وفي (مجمع الغرائب) المروط: أكسية من شعر أسود. (^٤)
_________________
(١) ابن أبي حاتم في تفسيره (١٤٤٠٦) حسن إسناده علوي السقاف في تخريج أحاديث وآثار كتاب في ظلال القرآن (ص: ٣٢٣)، ابن مردويه كما في تخريج أحاديث الكشاف (٢/ ٤٣٢).
(٢) صحيح مسلم (٤/ ١٨٨٣).
(٣) إسناده صحيح على شرط مسلم. كما قال شعيب الأرنؤوط في تخريج مسند أحمد (٤١/ ٢١٢) وقال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٢١٢): إسناده حسن صحيح.
(٤) وقال: وقال في المحكم (٩/ ١٧٠) وقيل: هو الثوب الأخضر. قال ابن حجر في فتح الباري (٢/ ٥٥): وقيل لا يسمى مرطا إلا إذا كان أخضر ولا يلبسه إلا النساء وهو مردود بقوله (مرط من شعر أسود). اهـ لكن قد جاء في تهذيب اللغة للهروي (ت ٣٧٠ هـ) (١٣/ ٢٥): العرب تسمي الأسود أخضر. وفي جمهرة اللغة لابن دريد (ت ٣٢١ هـ) (١/ ٥٨٦): والعرب تسمي الأسود أخضر وقال الله ﷿: ﴿مدهامتان﴾ أي سوداوان لشدة خضرتهما يعني الجنتين.
[ ٢٤٤ ]
ومما يشهد لذلك أيضا ما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت (أن نساء المؤمنات كن يصلين الصبح مع النبي - ﷺ - ثم يرجعن متلفعات بمروطهن) (^١)
وفي تاج العروس (٢٢/ ١٥٥): اللفاع وهو الكساء الأسود. وفي معجم متن اللغة (٥/ ١٩٤): اللفاع: الملحفة أو الكساء الغليظ تتلفع به المرأة، وزاد بعضهم الأسود.
ثالثا: أن الآثار التي استشهد بها الشيخ الألباني علاوة على ما في أسانيدها من العلل؛ فإن المراد بها الملاحف والأردية التي تتخذها النساء في البيوت كما أسلفنا؛ وليست الجلابيب التي تدنيها النساء عليهن عند الخروج، وبيان ذلك بالآتي:
١ - عن إبراهيم وهو النخعي (أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي - ﷺ - فيراهن في اللحف الحمر) (^٢) فقوله (كان يدخل .. فيراهن) دليل على أن رؤيته لهن كان بدخوله عليهن، كما أن دخوله عليهن ورؤيته لهن كان بسبب
_________________
(١) صحيح البخاري (١/ ١٧٣) صحيح مسلم (١/ ٤٤٥) واللفظ له.
(٢) ضعّفه علي بن المديني كما في جامع التحصيل (١/ ١٤١) قال: إبراهيم النخعي لم يلق أحدا من أصحاب النبي - ﷺ -، قيل له فعائشة، قال هذا لم يروه غير سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم وهو ضعيف. اهـ
[ ٢٤٥ ]
صغر سنه كما في جامع التحصيل (١/ ١٤١): (قال يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم؛ إبراهيم النخعي دخل على عائشة ﵂ وهو صغير، زاد الرازيان؛ ولم يسمع منها شيئا)، وفي التاريخ الكبير (١/ ٣٣٣) والثقات لابن حبان (٤/ ٩): عن أبي معشر أن النخعي حدثهم أنه دخل على عائشة فرأى عليها ثوبا أحمر، فقال له أيوب وكيف دخل عليها، قال كان يحج مع عمه وخاله فدخل عليها وهو غلام. اهـ
فسؤاله عن كيفية دخوله عليها يؤكد أنه لم يكن لأحد أن يدخل عليهن ويكلمهن إلا من وراء حجاب (^١)؛ فكان دخول إبراهيم مع علقمة والأسود للسماع من عائشة ﵂ من وراء الحجاب، وإبراهيم اخترق الحجاب لصغر سنه ونظر إليها.
٢ - عن ابن أبي مليكة قال: (رأيت على أم سلمة درعا وملحفة مصبغتين بالعصفر). أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ١٥٩) وفي إسناده علّه فإن ابن أبي مليكة لم يدرك أم سلمة كما قال القاري في مرقاة المفاتيح (٥/ ٨٤) وعلى فرض أنه أدركها؛ فسيكون دخوله عليها في صغره. ومع ذلك فليس فيه حجة،
_________________
(١) قال ابن عبد البر في الاستذكار ٦/ ١٧٠: إن نساء النبي - ﷺ - لا يكلمن إلا من وراء حجاب. وقال النووي في المجموع (١٦/ ٣٥١): وقد ثبت أن كثيرا من راويات الحديث وحافظاته يسمعهن الأجانب عنهن من وراء حجاب، وقد كان أبو الشعثاء جابر بن زيد يسأل عائشة من وراء حجاب.
[ ٢٤٦ ]
لأن رؤيته لدرعها - ثوبها- المعصفر يؤكد أن ذلك كان بدخوله عليها لأنها لو كانت خارجة لما استطاع رؤية درعها لأن الجلباب سيستره.
٣ - عن القاسم (أن عائشة كانت تلبس الثياب المعصفرة وهي محرمة) وهذا ليس فيه حجة أيضا إذ ليس في الأثر ما يثبت خروج عائشة بهذه الثياب المعصفرة، والقاسم هو ابن أخيها محمد بن أبي بكر، فهو ممن يدخل عليها ويراها دون حجاب فلا حجة في رؤيته لثيابها.
٤ - عن فاطمة بنت المنذر (أن أسماء كانت تلبس المعصفر وهي محرمة). وهذا أيضا ليس فيه حجة، فإن الذي رأى هذه الثياب المعصفرة هي امرأة.
٥ - عن سعيد بن جبير: (أنه رأى بعض أزواج النبي - ﷺ - تطوف بالبيت وعليها ثياب معصفرة). وإسناده لا يصح (^١)، ولعل الشيخ الألباني وهل عن أن أزواج النبي - ﷺ - لم يكن يخرجن بالنهار ينظر إليهن الرجال حتى وإن كن مستترات بالجلابيب، بل وحتى في الحج أو العمرة لم يكن يخالطن الرجال ومن ذلك ما استشهد به في كتابه الجلباب ص ١٠٩: (أن عمر بن الخطاب أذن لأزواج النبي - ﷺ - في الحج في آخر حجة حجها وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف قال كان عثمان ينادي ألا لا يدنو إليهن أحد ولا ينظر إليهن أحد وهن في الهوادج على الإبل فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب وكان عثمان وعبد الرحمن
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ١٦٠) والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٤٠) عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن سعيد بن جبير؛ وهو كالأول آفته سعيد بن أبي عروبة ضعفه ابن معين كما أنه مدلس وقد عنعن.
[ ٢٤٧ ]
بذنب الشعب فلم يصعد إليهن أحد) (^١) بل ولم يكنَّ يخاطن الرجال حتى في الطواف؛ فإما أن يطفن وهن راكبات في الهوادج من وراء الناس كما صح عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله - ﷺ - أني أشتكي فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة "وفي رواية" فقال لها رسول الله - ﷺ - إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون" (^٢)
وإما أن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن معتزلات عن الرجال كما صح عن عطاء قال (كانت عائشة ﵂ تطوف حجرة (^٣) من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت عنك وأبت، وكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال). (^٤)
وبذلك فلا يصح قول الشيخ الألباني (ليس من الزينة في شيء أن يكون ثوب المرأة الذي تلتحف به ملونا بلون غير السواد) إذ ليس لقوله هذا مستند شرعي يصح الاستناد عليه، بل هو مخالف لما جاء مصرحا به في صحيح السنة من لبس النساء للجلابيب السود امتثالا لآية إدناء الجلابيب، فهذا هو الأصل والمعمول به في هذه المسألة.
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٢١٠ حسن الألباني إسناده في جلباب المرأة /١٠٩.
(٢) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٤٠)، ٢/ ٥٨٧ (١٥٤٦).
(٣) حجرة: أي ناحية من الناس معتزلة وقيل بمعنى محجورا بينها وبين الرجال بثوب ونحوه.
(٤) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٣٩).
[ ٢٤٨ ]