ثانيًا: جاء في متن حديث عائشة ﵂ إشكال يحتاج إلى توضيح؛ كدخول أسماء بنت أبي بكر ﵂ على النبي - ﷺ - دون حجاب! ودخولها عليه بثياب رقاق!
(١) أما دخول أسماء على النبي - ﷺ - دون حجاب؛ فهو يستوجب أن يكون هذا الحديث قبل نزول الحجاب، إذ لو كان بعد الحجاب لسترها الجلباب الذي ستلبسه وجوبا للآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ والذي صورت أم سلمة ﵂ امتثال النساء لهذا الأمر بقولها (لما نزلت هذه الآية خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها) (^١) وأكدت ذلك أسماء بنت أبي بكر ﵂ فقالت " كنا نغطي وجوهنا من الرجال " (^٢) وقالت (خسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - فخرجت متلفعة (^٣) بقطيفة للزبير حتى دخلت على عائشة). (^٤)
_________________
(١) سنن أبي داود (٤١٠١) وصححه الألباني في جلباب المرأة /٨٣.
(٢) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٠٣ (٢٦٩٠) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.
(٣) سبق أن بينا في مناقشة البحث السادس أن التلفع يعني تغطية الوجه.
(٤) صحيح البخاري ١/ ٣٥٨ (١٠٠٥) مسند أحمد ٦/ ٣٥٤ والسياق له، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٥: رجاله ثقات.
[ ٢١٩ ]
ولهذا حمل بعض أهل العلم هذا الحديث على فرض صحته على ما قبل الحجاب؛ كابن قدامة (ت ٦٢٠ هـ) في المغني (٧/ ١٠٢) حيث قال" وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب، فنحمله عليه".
ولكن هذا يشكل عليه أن قول الرسول - ﷺ - في هذا الحديث يوافق ما أمرت به النساء بعد أمرهن بإدناء الجلابيب لتغطية وجوههن من الرجال الأجانب؛ وهو أمرن بضرب الخُمر على جيوبهن في البيوت وألّا يبدين من زينتهن إلا ما في الوجه والكفين من الزينة أمام من يحل له الدخول عليهن والنظر إليهن دون حجاب من الرقيق ونحوهم، فدل ذلك على أن هناك خطأ أو وهم من رواة هذا الحديث بأن أسماء بنت أبي بكر هي التي دخلت على عائشة بهذه الثياب الرقاق؛ والصحيح: أن عائشة هي التي كانت لابسة لهذه الثياب الرقاق - كما سيأتي في رواية ابن جريج - يؤيد ذلك أن النبي - ﷺ - قيد حديثه بمن بلغت سن المحيض كما في رواية ابن دريك (إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها) وفي رواية ابن جريج كما سيأتي (إذا عركت لم يحل لها) فدل ذلك على أن اللابسة للثياب الرقاق كانت قريبة من سن بدء المحيض، وهذا يبعد أن تكون أسماء؛ لأن أسماء ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، وعائشة كان لها عند الهجرة تسع سنوات تقريبا؛ فهي الأقرب لسن المحيض، وهي الأقرب أن يقع منها ذلك لصغر سنّها.
(٢) الأمر الثاني المشكل في الحديث هو لبس الثياب الرقاق؛ فإما أن يكون وهم من الرواة فقد جاء في رواية أسماء بنت عميس (وعليها ثياب واسعة الأكمام)، أو
[ ٢٢٠ ]
يكون صحيحا وعليه فإنه من المستبعد أن يكون المراد بالثياب الرقاق في هذا الحديث؛ الثياب الباطنة التي تشف عن البدن؛ للأمور الآتية:
١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - (صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات) (^١) قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٤/ ١١٠): "وقيل معناه تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها". اهـ وهذا يدل على أن الرقة في الثياب (الباطنة) الملاصقة للبدن لم تلبسها النساء على عهده - ﷺ -.
٢ - أن إطلاق لفظ (الثياب) في القرآن والحديث؛ قد يراد به الثياب الظاهرة من الخمار أو الجلباب: ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ قال ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١٦٥): (فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن؛ يعني جلابيبهن).اهـ فسمى الله تعالى الجلابيب في هذه الآية؛ ثياب.
- ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله - ﷺ - (أُريتك في المنام يجئ بك الملك في سرقة من حرير فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت). (^٢) فعبر رسول الله - ﷺ - بالثوب عمّا يغطى به الوجه من خمار أوجلباب.
_________________
(١) صحيح مسلم ٣/ ١٦٨٠ (٢١٢٨)
(٢) صحيح البخاري ٥/ ١٩٦٩ (٤٨٣٢)
[ ٢٢١ ]
- وورد أن النبي - ﷺ - أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها. (^١)
- وورد أن رسول الله - ﷺ - لما اختلط رجال بالنساء في الطريق قال (استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق) فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. (^٢)
- وورد عن عائشة ﵂ أنها قالت "المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مسه ورس أو زعفران، ولا تتبرقع ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها". (^٣)
٣ - لو كان المراد بالثياب الرقاق الثوب الملاصق للبدن؛ لجاء التعبير عنه بقوله (وعليها درع رقيق) لأن المتعارف عليه في زمن النبي - ﷺ - تسمية الثوب الذي تلبسه المرأة (درع) كما هو ثابت في بعض الأحاديث والآثار:
- كما ثبت عن عطاء قال: وكنت آتي عائشة ﵂ قال ورأيت عليها درعا مورَّدا. (^٤)
- وثبت عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه أنه قال: "دخلت على عائشة ﵂ وعليها درع قطر ثمنه خمسة دراهم". (^٥)
_________________
(١) أبو داود (٤١٠٦) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٤/ ٦٢.
(٢) أبو داود (٥٢٧٢) صححه الألباني في مشكاة المصابيح (٢/ ٩٣٥)
(٣) سنن البيهقي الكبرى ٥/ ٤٧ (٨٨٣٢) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.
(٤) صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥ (١٥٣٩).
(٥) صحيح البخاري ٢/ ٩٢٦ (٢٤٨٥).
[ ٢٢٢ ]
- ورد عن شميسة أنها قالت (دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد الصفاق (^١) ودرع وخمار) (^٢)
- ورد عن عبيد الله الخولاني وكان في حجر ميمونة زوج النبي - ﷺ - أن ميمونة " كانت تصلي في الدرع والخمار ليس عليها إزار". (^٣)
- وورد عن أم الحسن قالت: "رأيت أم سلمة تصلي في درع وخمار". (^٤)
وعلى ذلك قد يكون المراد بالثياب الرقاق في هذا الحديث؛ هي الخمار، ولم نقل الجلباب لأن الجلباب لا يشف عن شيء من البدن لكونه يلبس فوق الثياب. ومما يشهد أن الرقيق الذي وقعت النساء في لبسه هو الخمار؛
ماورد " أن حفصة بنت عبد الرحمن دخلت على عائشة أم المؤمنين وعلى حفصة خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خمارا كثيفا". (^٥)
_________________
(١) ثوب صفيق: متين. والمراد به هنا الرداء.
(٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٧٠ وصحح إسناده الألباني في جلباب المرأة /١٢٩.
(٣) ابن أبي شيبة في مصنفه (٦١٧١) وصححه الألباني في تمام المنة / ١٦٢.
(٤) مصنف عبد الرزاق (٥٠٢٧) وصححه الألباني في تمام المنة /١٦٢.
(٥) موطأ مالك (٢/ ٩١٣)، سنن البيهقي الكبرى (٣٠٨٢). قال عبد القادر الأرنؤوط في جامع الأصول (١٠/ ٦٤٧) حديث حسن.
[ ٢٢٣ ]