(الحديث الخامس) الذي استشهد به الشيخ الألباني:
* حديث فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك) وفي رواية: فقال: (انتقلي إلى أم شريك)، وأم شريك امرأة غنية، من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضيفان، فقلت: سأفعل، فقال: (لا تفعلي، إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان، فإني أكره أن يسقط عنك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم ) (^١)
قال الشيخ الألباني: أمره - ﷺ - إياها بالانتقال إلى ابن أم مكتوم الأعمى وقال لها: " فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك" وجه دلالة الحديث أن النبي - ﷺ - أذن لها في أن تظهر أمام الضيفان بخمارها الذي لا يغطي الوجه لولا خشية سقوطه عنها فيرون رأسها ولذلك أمرها بالانتقال إلى ابن أم مكتوم وعلل - ﷺ - ذلك بقوله: "فإنك إذا وضعت خمارك لم يركِ" والخمار غطاء الرأس عند جماهير العلماء كما تقدم تحقيقه.
_________________
(١) صحيح مسلم ٢/ ١١١٤ (١٤٨٠)، ٤/ ٢٢٦١ (٢٩٤٢).
[ ١٣٧ ]
والجواب عليه بالآتي:
أولا: من العجيب استشهاد الشيخ الألباني بهذا الحديث على جواز كشف الوجه مع أن رسول الله - ﷺ - لم يأذن لفاطمة بالاعتداد عند رجل يبصرها! ولذلك لم يستشهد أحد من أهل العلم بهذا الحديث على جواز النظر إلى المرأة فضلا عن أن يستشهدوا به على جواز كشف وجهها!
- فهذا النووي يقول في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٩٩): قوله - ﷺ - (تضعين ثيابك عنده) وفي الرواية الأخرى (فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك) هذه الرواية مفسرة للأولى ومعناه لا تخافين من رؤية رجل إليك.
- وقال ابن العربي في أحكام القرآن (٣/ ٣٨١): إن انتقالها من بيت أم شريك إلى بيت ابن أم مكتوم كان أولى بها من بقائها في بيت أم شريك إذ كانت في بيت أم شريك يكثر الداخل فيه والرائي لها وفي بيت ابن أم مكتوم كان لا يراها أحد.
- وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٥٢ - ١٥٦): وفي هذا الحديث وجوب استتار المرأة إذا كانت ممن للعين فيها حظ عن عيون الرجال، وفي ذلك تحريم للنظر إليهن. . . أمرت فاطمة بأن تصير إلى ابن أم مكتوم الأعمى حيث لا يراها هو ولا غيره في بيته ذلك.
ثانيا: أن ما بناه الشيخ الألباني على قولها (فأني أكره أن يسقط عنك خمارك) أنه أذن لها أن تخرج بخمار يستر شعرها دون وجهها؛ فعليه ينبني على قولها (أو ينكشف الثوب عن ساقيك) أنه أذن لها تخرج لهم بثوب يستر ساقيها دون
[ ١٣٨ ]
قدميها أيضا!! وهذا مما لم يقل الشيخ الألباني بجواز إظهاره من المرأة الحرة للرجال الأجانب!! وهذا يكشف أن إباحة كشف وجهها وقدميها للرجال الأجانب؛ لكونها من الإماء المملوكات، يشهد لذلك الآتي:
١ - ما صح عن شعبة قال أخبرني أبو بكر بن أبي الجهم قال دخلت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف على فاطمة بنت قيس في ملك آل الزبير فسألناها عن المطلقة ثلاثا (^١).
٢ - لم يصرح أحد ممن ترجم لها أنها كانت زوجة لأبي عمرو وإنما اتفقت أقوالهم عند ترجمتها (كانت عند أبي عمرو ) وهذا يدل على أنها كانت أمة مملوكة فتزوجها.
٣ - أنها حينما خرجت من بيت زوجها لم تعتد في بيت من أهلها وإنما حولت إلى بيت رجل غريب عنها وهو الأعمى، وما جاء في بعض الروايات أنها ابنة عم للأعمى وأنها من البطن الذي هو منه قد نفاه القاضي كما نقله عنه النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ١٠٣): قال القاضي والمشهور خلاف هذا وليس هما من بطن واحد هي من بنى محارب بن فهر (^٢) وهو من بنى عامر بن لؤي (^٣). اهـ
_________________
(١) مسند الطيالسي ١/ ٢٢٨ (١٦٤٥) سنن البيهقي الكبرى ٧/ ١٨١ (١٣٨١٧) وبنحوه في التمهيد لابن عبد البر ١٩/ ١٣٩.
(٢) هي فاطمة بنت قيس بن خالد بن وهب بن ثعلبة بن وائل بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر الفهرية، كما في الثقات (٣/ ٣٣٦).
(٣) هو عبد الله بن عمرو بن شريح بن قيس بن زائدة بن الأصم من بنى عامر بن لؤي، كما في الثقات (٣/ ٢١٤).
[ ١٣٩ ]
٤ - أن رسول الله - ﷺ - هو الذي تولى تزويجها دون إرجاع الأمر إلى وليها.
٥ - أن الرجل الذي زوجها إياه رسول الله - ﷺ - من الموالي وهو أسامة بن زيد.
ثالثا: قال بعض أهل العلم أن هذا الحديث معلل الإسناد والمتن:
قال الزيلعي الحنفي (ت ٧٤٣ هـ) في تبيين الحقائق (٣/ ٦٠): وحديث فاطمة لا يجوز الاحتجاج به لوجوه: أحدها: أن كبار الصحابة أنكروا عليها كعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأسامة بن زيد وعائشة حتى قالت لفاطمة فيما رواه البخاري "ألا تتقي الله" (^١) وروي أنها قالت لها
"لا خير لك فيه" (^٢) ومثل هذا الكلام لا يقال إلا لمن ارتكب بدعة محرمة، وفي صحيح مسلم لما حدث الشعبي عنها بهذا الحديث أخذ الأسود بن يزيد كفا من حصى وحصب به الشعبي فقال له "ويلك أتحدث بمثل هذا الحديث" (^٣)، وقال أبو سلمة أنكر الناس عليها فصار منكرا فلا يجوز الاحتجاج به، والثاني: لاضطرابه؛ فإنه جاء طلقها ألبتة وجاء طلقها ثلاثا، وجاء أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها وجاء طلقها ألبتة وهو غائب، وجاء مات عنها وجاء حين قتل زوجها، وجاء طلقها أبو عمرو بن حفص وجاء طلقها أبو حفص بن المغيرة، فلما اضطرب سقط الاحتجاج به،
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٣٩ (٥٠١٦)
(٢) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٤٠ (٥٠١٧)
(٣) صحيح مسلم ٢/ ١١١٨ (١٤٨٠)
[ ١٤٠ ]