وقال كمال الدين ابن الهمام (ت ٨٦١ هـ) في فتح القدير (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٧): شرط قبول خبر الواحد عدم طعن السلف فيه وعدم الاضطراب وعدم معارض يجب تقديمه والمتحقق في هذا الحديث ضد كل من هذه الأمور.
فإحدى هذه العلل كافية لإسقاط الاحتجاج بهذا الحديث؛ فكيف بها مجتمعة!!
(الحديث السادس) الذي استشهد به الشيخ الألباني:
* حديث ابن عباس ﵁: عن ابن عباس قيل له أشهدت العيد مع النبي - ﷺ - قال نعم ولولا مكاني من الصغر ما شهدته .. فصلّى ثم خطب ثم أتى النساء ومعه بلال (فقال يا أيّها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك الآية ثم قال حين فرغ منها أنتن على ذلك قالت امرأة واحدة منهن لم يُجبه غيرها نعم) فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة (قال فبسط بِلال ثوبه ثم قال هلُم لكن فداء أبي وأمي) فرأيتهن يهوين بِأيديهنّ يقذفنه (فيلقين الفتخ (^١) والخواتيم) في ثوب بلال ثم انطلق هو وبلال إلى بيته. (^٢) قال الشيخ الألباني: قال ابن حزم: "فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله - ﷺ - رأى أيديهن، فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا بعورة، وما عداهما ففرض ستره".اهـ
والجواب عليه بالآتي؛ أولا؛ أن رؤية ابن عباس لهن ليس فيها حجة على جواز نظر الرجال الأجانب للنساء الأجنبيات فضلا عن أن يكون فيها حجة على جواز
_________________
(١) الفتخ: جمع فتخة وهي خواتيم تلبس في الأَيدي، وربما وضعت في أَصابع الأَرجل (لسان العرب ٣/ ٤٠).
(٢) صحيح البخاري ١/ ٣٣١ - ٣٣٢ (٩٣٤) (٩٣٦).
[ ١٤١ ]
الكشف وذلك لأنه ثبت في الحديث تصريح ابن عباس بصغر سِنِّه (ولولا مكاني من الصغر ما شهدته) وأما بلال فكان عبدا مملوكا لا تحتجب منه النساء، وعلى فرض أنه كان حينها حرا فليس في الحديث ما يدل على أنه رأى وجوههن ولا أنهن كن كاشفات عن وجوههن.
قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٤٤): والحجة منه هنا مشاهدة ابن عباس ما وقع من النساء حينئذ وكان صغيرا فلم يحتجبن منه وأما بلال فكان من ملك اليمين كذا أجاب بعض الشراح وفيه نظر لأنه كان حينئذ حرا والجواب أنه يجوز ألا يكون في تلك الحالة يشاهدهن مسفرات.
ثانيا؛ أن مراد ابن حزم قصر ما يجوز إظهاره من الأمة، وما يجوز إظهاره من الحرة أمام من يحل له النظر إليها من الرقيق؛ على الوجه والكفين فقط، كما إن استشهاد ابن حزم بهذا الحديث كان على نظر بلال لأكفهن وليس لوجوههن حيث قال (فلولا ظهور أكفهن ما أمكنهن إلقاء الفتخ) (^١) فلا حجة فيه على كشف الوجه!
كما أن قول ابن حزم (فلولا ظهور أكفهن ما أمكنهن إلقاء الفتخ) ضعيف؛ فإنه بإمكانهن إلقاء الخواتم مع ستر أيديهن! وسياق الحديث يشهد لذلك (فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه) وفي الرواية الأخرى (فرأيتهن يهوين إلى آذانهن وحلوقهن
_________________
(١) المحلى ١٠/ ٣١.
[ ١٤٢ ]
يدفعن إلى بلال) (^١) فهل يؤخذ منه أنهن كن كاشفات عن حلوقهن وآذانهن!! وهذا يشهد لكونهن لم يكن كاشفات عن أكفهن وأن ابن عباس إنما رأى حركة أيديهن من تحت الجلابيب، وهذا ما جاء مصرحا به في رواية أخرى عند البخاري قال فيها ابن عباس (ثم أمر بالصدقة، فجعل النساء يشرن إلى آذانهن وحلوقهن، فأمر بلالا فأتاهن). (^٢)
ثالثا: أن في الحديث ما يشهد أن النساء كن مغطيات وجوههن وذلك فيما أسقط من الحديث وهو قوله (قالت امرأة واحدة منهن لم يُجبه غيرها "نعم" [لا يدري حسن من هي]) (^٣) وحسن هو راوي الحديث. وفي رواية مسلم (فقالت امرأة واحدة لم يُجبه غيرها منهنَّ نعم يا نبي الله [لا يُدْرَى حينئذ من هي]) (^٤) وهذا تصريح من الراوي أن المرأة المتحدثة لا يُدرى من هي لأنها كانت مغطية وجهها فلم تُعرف.
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٦/ ١٧٢): (لا يدري حينئذ من هي) لكثرة النساء واشتمالهن ثيابهن لا يدري من هي.
وبذلك يبطل الاحتجاج بهذا الحديث، ويضم إلى أدلة وجوب تغطية الوجه.
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠١٠ (٤٩٥١)، قال ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٣٣١): ومعنى الإهواء الإيماء باليد إلى الشيء ليؤخذ. وفي لسان العرب (١/ ٢٠١): أشار مثل أومأ.
(٢) صحيح البخاري ٦/ ٢٦٧١ (٦٨٩٤).
(٣) صحيح البخاري ١/ ٣٣٢ (٩٣٦).
(٤) صحيح مسلم ٢/ ٦٠٢ (٨٨٤).
[ ١٤٣ ]