- خامسا: مما يشهد أن المرد بهذه الآية (إلا ما ظهر منها) من يباح لهم الدخول والنظر دون حجاب؛ تصريح بعض المفسرين بأن هذه الآيات نزلت لتنظيم مخالطة من أُحل لهم الدخول على النساء في البيوت: كما قال أبو السعود العمادي في تفسيره (٦/ ١٦٨) والألوسيفي روح المعاني (١٨/ ١٣٣): إنه ﷿ إثر ما فصل الزواجر عن الزنا وعن رمي العفائف شرع في تفصيل الزواجر عما عسى يؤدي إلى أحدهما من مخالطة الرجال والنساء ودخولهم عليهن في أوقات الخلوات.
يشهد لذلك سبب نزول الآية التي قبلها الذي أورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧١) قال: أخرج الفريابي وابن جرير من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال: قالت امرأة لرسول الله - ﷺ - (إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد ولد ولا والد فيأتيني الآتي فيدخل علي فكيف أصنع) ولفظ ابن جرير (وأنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال) قال فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ اهـ
وقد ذكر في الإتقان أن دخول سبب النزول في الحكم قطعي.
كما يشهد لذلك أيضا الآية التي جاءت بعدها آمرة بإنكاح وإحصان من يحل لهم الدخول دون حجاب من العبيد: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ
[ ٢٥٦ ]
زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
- سادسا: من القرائن في الآية ما شرع من الاستئناس قبل الدخول في البيوت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ النور: ٢٧ واختصاص هذا الحكم في هذه الآية بمن يحل لهم الدخول في البيت دون حجاب؛ يشهد له أمور:
(١) أن الاستئذان في هذه الآية جاء بلفظ الاستئناس ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ والاستئناس كما صح عن مجاهد - ﵁ - في قوله ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قال: تنحنحوا وتنخموا. (^١) وقال جابر بن زيد الاستئناس: التنحنح والتجرس حتى يعرفوا أن قد جاءهم أحد. (^٢) وصح عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه. (^٣) وفي رواية عن أبي عبيدة قال كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس سلم ورفع صوته. (^٤)
_________________
(١) تفسير الطبري (٨/ ١١١) من عدة طرق، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٦ (١٤٣٤٦)
(٢) تفسير الطبري ١٨/ ١١٢.
(٣) تفسير الطبري (١٨/ ١١٢) وصحح إسناده ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٨١).
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٦ (١٤٣٤٣).
[ ٢٥٧ ]
قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٥/ ١٦٧): ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ يقتضي جواز الدخول بعد الاستئذان وإن لم يكن من صاحب البيت إذن، ولذلك قال مجاهد الاستئناس التنحنح فكأنه إنما أراد أن يعلمهم بدخوله، وهذا الحكم ثابت فيمن جرت عادته بالدخول بغير إذن.
- وقال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢١٣): ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ تستعلموا أي تستعلموا من في البيت قال مجاهد (بالتنحنح) أو بأي وجه أمكن ويتأنى قدر ما يعلم أنه قد شعر به ويدخل إثر ذلك وهذا نص في أن الاستئناس غير الاستئذان كما قال مجاهد ومن وافقه.
- وقول الألوسي في روح المعاني (١٨/ ١٣٥): وظاهر الآية مشروعية الاستئذان إذا أريد الدخول على المحارم.
- سابعا: ثم جاءت قرينة أخرى في الآية التي تليها وهي قوله ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ النور: ٢٨ فالخطاب موجه لمن يحل له دخول البيت ممن اعتاد دخوله من مماليك وتابعين ونحوهم؛ فنهوا عن دخولها إذا لم يكن أهلها فيها إلا بإذن ممن يملك الإذن ﴿وَإِنْ
[ ٢٥٨ ]
قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ عن سعيد بن جبير: "يعني الرجوع خير لكم من القيام والقعود على أبوابهم" (^١).
- ثامنا: ومن القرائن في الآية أن الأمر بغض البصر جاء فيها مبعضا بـ "من" التبعيضية أي الغض من البصر لا غض البصر كلّه، مما يدل أيضا على أن الأمر في هذه الآية متعلق بمن يحل لهم النظر، لأن الرجال الأحرار الأجانب أنزل الله في سورة الأحزاب منعهم من النظر بالكلّية إلى النساء الأجنبيات الحرائر بضرب الحجاب بينهم ومنعهم من الدخول عليهن في البيوت، ولحرص الشارع الحكيم على قطع أسباب الزنا أمر من أُبيح لهم الدخول والنظر الغضّ من البصر، سواء كان النظر للمحارم، أو للإماء اللاتي لم يُفرض عليهن الحجاب، أو نظر العبيد ونحوهم للوجه والكفين من النساء الحرائر:
قال الطبري في تفسيره جامع البيان (١٨/ ١١٦): قال يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له إذا رأى ما لا يحل له غض من بصره لا ينظر إليه ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله إنما قال الله (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم).
قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٢٢): ولم يذكر الله تعالى ما يغض البصر عنه ويحفظ الفرج غير أن ذلك معلوم بالعادة وأن المراد منه المحرم دون المحلل وفي البخاري وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك، يقول الله تعالى
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٨.
[ ٢٥٩ ]
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وقال قتادة (عما لا يحل لهم) ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته وزمانه خير من زماننا هذا وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمة نظر شهوة يرددها.
- تاسعا: بعد أن شُرع الاستئناس وأمر بغض البصر عما يحرم عليه رؤيته، وكانت الفروج من أعظم ذلك؛ جاء الأمر بحفظها بسترها عمن لا يحل له النظر إليها، وهذه قرينة أيضًا وهي أن المراد بحفظ الفروج في هذه الآية؛ حفظها عن النظر - وإن كان حفظها عن النظر بسترها؛ يستلزم حفظها عن الزنا - يشهد لهذا ما ورد في تأويلها عن السلف:
- قال أبو العالية كل فرج ذكر حفظه في القرآن فهو من الزنا إلا هذه ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ فإنه يعني الستر. (^١)
- وقال جابر بن زيد كل ما في القرآن من حفظ للفرج فهو عن الزنا إلا هذا فإنه أراد به الاستتار. (^٢)
قال الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٦): يحفظوا فروجهم أن يراها من لا يحل له رؤيتها بلبس ما يسترها عن أبصارهم.
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧١ (١٤٣٧٩)، وابن جرير في تفسيره ١٨/ ١١٦.
(٢) من الكشاف للزمخشري ٣/ ٢٣٤، تفسير الثعالبي ٧/ ٨٦، وذكره الشنقيطي في أضواء البيان ٦/ ١٨٨.
[ ٢٦٠ ]
وهذا يؤكد أن هذه الآية تعني من يحل لهم الدخول دون حجاب من المحارم أو المملوكين لأنهم وإن استأنسوا قبل الدخول إلا أنه يحتمل أن يصادف دخولهم انكشاف العورة إن لم يحصل تحفظ من أهل البيت، فجاء الأمر بالحرص على الاستتار حفظا للفروج.
ولما كانت النساء هن مكمن الفتنة؛ لم يقتصر الأمر لهن بالغض من البصر وحفظ الفروج فقط كما جاء في حق الرجال، بل تعداه إلى منع كل ما من شأنه أن يكون سببًا للافتتان بهن ممن يدخل عليهن أو من قد يخلو بهن ممن أُذن له الدخول عليهن، وذلك بأمرهن بالتستر وعدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها بقوله
تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ والمراد هو النهي عن إبداء زينتهن الباطنة لمن يحل له الدخول عليهن في البيوت - من الرقيق ونحوهم - والاكتفاء بإبداء الزينة الظاهرة لهم وذلك بلبس الرداء وضرب الخمار على الجيب كما أسلفنا.
- عاشرا: ومن القرائن كذلك قوله تعالى في آخر الآية ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ النور: ٣١ وهي النهي عن الضرب بالأرجل، فلما كان الخلخال من الزينة الباطنة التي لايجوز إبداؤها إلا للزوج كما قال ابن عباس: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ قال: الزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها، فأما خلخالها
[ ٢٦١ ]
ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها. (^١) نهى الله المرأة عن تعمد إسماع صوت هذه الزينة لمن يدخل عليها - وإن كان النهي عن ذلك عند خروجها من باب أولى - لأن تعمد إسماع صوت الخلاخل أعظم فتنة من إظهارها؛
- قال ابن عباس في قوله ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ هو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال، أو يكون في رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال، فنهى الله عن ذلك لأنه من عمل الشيطان. (^٢)
- قال سعيد بن جبير: أن المرأة كانت يكون في رجلها الخلخال فيه الجلاجل فإذا دخل عليها غريب (^٣) تحرك رجلها عمدا ليسمع صوت الخلخال. (^٤)
- الحادي عشر: الخلاف القائم حول بعض متعلقات الآية؛ كالخلاف فيمن لم يذكر في الآية وهو ممن تحل له رؤية المرأة:
(١) كالعم والخال؛ فقال بعضهم إنهما يجريان مجرى الوالدين، وقال الآخرون بل تحتجب منهما المرأة فليسوا من المحارم وقد ينعتانها لأبنائهما، مستشهدين بما
_________________
(١) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٠، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٦ (١٤٤١٠) حسن إسناده أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣).
(٢) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٤، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٩ (١٤٤٣٣).
(٣) وهذا شامل لكل من لم يستثن في الآية من الرجال في حق الإماء، ولكل من يحل له الدخول على المرأة الحرة دون حجاب من الرقيق والأتباع.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٨٠ (١٤٤٣٤).
[ ٢٦٢ ]
صح عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية؛ قالا لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان لأبنائهما، وقالا: " لا تضع خمارها عند العم والخال". (^١)
ولكن إذا حُمل أن العم والخال ممن يحل لهم الدخول على المرأة ورؤيتها دون حجاب ولكن لا تبدي لهم إلا ما ظهر من الزينة (الوجه والكفين) بعدم وضع الخمار عندهما كما ذكر الشعبي وعكرمة؛ لكان ذلك أجمع للرأيين.
قال ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) في أحكام القرآن (٣/ ٦١٩): قال حكم الرجل مع النساء ينقسم على ثلاثة أقسام:
الأول: من يجوز له نكاحها؛ لم يحل له رؤية شيء منها.
والثاني: من لا يحل له نكاحها (ولا) لابنه كالأخ والجد والحفيد؛ جاز الوضع لجلبابها ورؤية زينتها.
والثالث: من لا يحل له نكاحها ويجوز لولده كالعم والخال؛ جاز رؤية وجهها وكفيها خاصة ولم يحل له رؤية زينتها. اهـ وهذا كله موافق تماما لما ذكرنا.
(٢) المحارم بالرضاع والمصاهرة: فإنه لم يرد ذكرهم في الآية! ولو كان حكمهم في هذا الأمر كحكم المحارم بالنسب لورد ذكرهم فيها كما ورد ذكرهم في آية المحرمات في سورة النساء وهو القائل - ﷿ - (ما فرطنا في الكتاب من شيء) الأنعام ٣٨
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٣ (١٧٢٩٣)، الطبري في تفسيره ٢٢/ ٤٢ بإسناد صحيح.
[ ٢٦٣ ]
- يشهد لذلك ما ورد عن أيوب السختياني بإسناد صحيح إليه قال: قلت لسعيد بن جبير أيرى الرجل رأس (ختنته) (^١) فتلا عليه ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية؛ قال: لا أراها فيهم. (^٢)
ولذلك فرق بينهم بعض أهل العلم في حدود ما يباح لهم النظر إليه من المرأة:
- قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٢): تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها وتختلف مراتب ما يبدي لهم فيبدي للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج.
- قال ابن القطان في أحكام النظر /١٤٠: من ذوات المحارم من في نظر ذي محرمها إليها خلاف، كأم الزوجة والذي لا شك في جوازه؛ النظر منها إلى وجهها وكفيها والزيادة على ذلك عندي موضع توقف مسألة: جوز مالك أن يرى شعر امرأة ابنه، والقول بها عندي كالقول في أم امرأته.
- قال ابن قدامة في المغني (٧/ ٧٥): وتوقف أحمد عن النظر إلى شعر أم امرأته وبنتها لأنهما غير مذكورتين في الآية.
_________________
(١) الختنة: أُمُّ الزوجة كما في النهاية (٢/ ١٠) والفائق في غريب الحديث (١/ ٣٥٤).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم (١٤٤١٢).
[ ٢٦٤ ]
(٣) وكذلك حمْل المراد من قوله ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ في هذه الآية على أنه الزوج، لأنه من المعلوم أن الزوج يحل له النظر إلى جميع بدن الزوجة؛ وهذا يضعف أن يكون هو المراد في هذا الموضع الذي ذُكر فيه من يحل لهم النظر إلى بعض المواضع من جسدها دون بعض، ولما كان البعل هو الزوج والسيد في كلام العرب؛ فالصواب والله أعلم أن المراد بالبعل في هذه الآية؛ السيّد بالنسبة للأمة التي لها زوج، فإن الأمة غير المتزوجة يحل لسيدها منها ما يحل له من زوجته،
وهذا جاء بيانه في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] ولكن لما كانت الأمة قد تكون ذات زوج فلا يحل لسيدها منها إلا ما يحل له من ذات المحرم؛ اندرج حكم سيدها في هذه الآية فيمن لا يحل له إلا رؤية الزينة من المرأة. (^١) ولذلك لم يؤثر عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه قال بأن المراد بالبعولة في هذه الآية الأزواج، بل جاء ما ينفي ذلك وهو قول ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ قال " الزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها؛ فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها" فهذا القول من ابن عباس شاهد على أن الزوج لم يدخل في هذه الآية. ومما يشهد لذلك أيضا أن الله تعالى لم يذكر البعولة في آية الحجاب في سورة الأحزاب ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا
_________________
(١) قال البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٩٤): والسيد معها إذا زوجها كذوي محارمها.
[ ٢٦٥ ]
مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ الأحزاب: ٥٥ لأن الخطاب فيها موجه للحرائر دون الإماء، ومما يشهد لذلك أيضا أن "الحسن والحسين كانا لا يريان أمهات المؤمنين وكان ابن عباس يرى أن رؤيتهن لهما حل" (^١) فإنهن لهما بمنزلة زوجات الأب، ولكن لما كان أبناء الأزواج ممن لم يستثن في الآية؛ فلا يحل لزوجات أبيهم (أمهات المؤمنين) أن يبدين لهم من زينتهن إلا ما ظهر منها؛ كرهوا الدخول عليهن، والله تعالى أعلم.
وفيه كذلك الجواب على من أنكر على من قال إن العم والخال ينعتان لأبنائهم بأن الله قد أباح لأبي الزوج الزينة الباطنة وهو قد ينعت لأبنائه (إخوة الزوج) فإذا حُمل أن المراد هو أبو السيد بالنسبة للأمة، وأن آباء الأزواج لا يبدى لهم إلا ما ظهر من الزينة؛ كانوا كالأعمام في الحكم.
(٤) وكذلك النساء المشركات: حيث فُسر قوله تعالى ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ بالنساء المسلمات كما قال سعيد بن جبير: " نسائهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تَكَشّف بين يدي المشركة". (^٢)
وقال مجاهد: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة ولا تقبلها؛ لأن الله تعالى يقول ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فليست من نسائهن. (^٣)
_________________
(١) سنن سعيد بن منصور ١/ ٢٧٦ (٩٦٥) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ١٢ (١٧٢٩١).
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٧ (١٤٤١٥) (١٤٤١٦).
(٣) سنن سعيد بن منصور، البيهقي في معرفة السنن والآثار (١٠/ ٢٤).
[ ٢٦٦ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١١٢): وقوله (أو نسائهن) احتراز عن النساء المشركات فلا تكون المشركة قابلة للمسلمة ولا تدخل معهن الحمام، لكن قد كن النسوة اليهوديات يدخلن على عائشة وغيرها فيرين وجهها ويديها بخلاف الرجال، فيكون هذا في الزينة الظاهرة في حق النساء الذميات وليس للذميات أن يطلعن على الزينة الباطنة.
(٥) وكذلك الصبي المميز فلأنه لم يذكر في الآية جعله بعضهم كالبالغ وقال بعضهم إنه كذي المحرم كما جاء في الكافي في فقه ابن حنبل (٣/ ٦): ومن لا تمييز له من الأطفال لا يجب التستر منه في شيء لقوله تعالى ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ وفي المميز روايتان إحداهما هو كالبالغ لهذه الآية والثانية هو كذي المحرم لقوله تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ النور: ٥٩ ففرق بينه وبين البالغ. (^١)
فإذا قيل إنه يحل له الدخول على النساء ورؤيتهن ولكن لا يبدين له إلا ما ظهر من الزينة (الوجه والكفين) كان ذلك أجمع للرأيين، فلا يُلحق بالمحرم والله لم يلحقه به في الآية، ولا يُلحق بالبالغ الذي فرق الله بينهما في الحكم في الآية الأخرى.
يؤيد ذلك قول الإمام أحمد كما في المغني (٧/ ٧٧): قيل لأبي عبدالله متى تغطي المرأة رأسها من الغلام قال إذا بلغ عشر سنين.
_________________
(١) وانظر كشاف القناع ٥/ ١٢ والمبدع ٧/ ١٠ ومختصر الإنصاف والشرح الكبير ١/ ٦٣٩
[ ٢٦٧ ]
(٦) وكذلك المراد من قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ فقد ثبت أن سائر العبيد لا يُحتجب منهم كما ثبت ذلك عن عائشة وأم سلمة ﵄ كما قال مجاهد: (كان العبيد يدخلون على أزواج النبي - ﷺ -) (^١) قال البيهقي (٧/ ٩٥): وروينا عن القاسم بن محمد أنه قال (إن كانت أمهات المؤمنين يكون لبعضهن المكاتب فتكشف له الحجاب ما بقي عليه درهم فإذا قضى أرخته دونه). وقال ابن حجر في فتح الباري (٥/ ٢٦٥): وفيه دليل على أن عائشة كانت ترى ترك الاحتجاب من العبد سواء كان في ملكها أو في ملك غيرها لأنه كان مكاتب ميمونة. اهـ
فلما كان قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يدل على أن من أبيح له النظر إلى الزينة الباطنة من المرأة من العبيد؛ هو من كان في ملك المرأة من غير أولي الإربة الذين لم يظهروا على عورات النساء (^٢)؛ دل ذلك على أن غيره من العبيد لا يبدى لهم من الزينة إلا ما ظهر منها (الوجه والكفين).
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق ٨/ ٤١٢ (١٥٧٤٢).
(٢) بعد أن ذكر من يحل لهم الدخول على المرأة من محارمها؛ ذكر النساء (أو نسائهن) ليكون فاصلا بين المحارم وبين من يشترط فيهم أن يكونوا من غير أولي الأربة فقال تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ قال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٢٣٧): "وقد قيل إن التقدير: أو ما ملكت أيمانهن من غير أولي الإربة، أو التابعين غير أولي الإربة () ".اهـ يؤكد ذلك قرينة في الآية وهي قوله تعالى ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ فلو لم تكن الصفة ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ عائدة على كلا النوعين (ملك اليمين والتابعين) لما كان لقوله ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ فائدة، وكذلك قوله ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ عائدة على ملك اليمين يؤيد ذلك قوله ﴿الَّذِينَ﴾ للجمع بعد قوله ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ بصفة الإفراد وذلك لبيان عطف ما بعدها على ما قبلها من الرجال، فلا بد أن تعود ﴿الَّذِينَ﴾ على آخرين مع الطفل ولا يكون إلا أقرب مذكور وهم ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ فيكون التقدير والله أعلم: (أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة من الرجال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء، أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء، أو الأطفال؛ الذين لم يظهروا على عورات النساء) إذ إنه لو لم يكن كذلك لجاء نعت الطفل مفردا (أو الطفل الذي) أو جاء المنعوت بالجمع (أو الأطفال) كما جاءت في قوله تعالى ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾.
[ ٢٦٨ ]