- رابعا: أن إبداء الزينة لمن سمى الله في الآية يكون بوضع هذه الثياب (الأردية) لا بوضع الخمار؛ يشهد لذلك الآتي:
١) الآثار الواردة في تفسير هذه الآية:
- أخرج الطبري عن ابن عباس - ﵁ - في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ قال: والزينة التي تبديها لهؤلاء الناس قرطاها وقلادتها وسواراها فأما خلخالها ومعضدتها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها. (^١) قال البيهقي في سننه الكبرى (٧/ ٩٤): وهذا هو الأفضل ألا تبدي من زينتها الباطنة شيئا لغير زوجها إلا ما يظهر منها في مهنتها.
- وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة لأن الله تعالى يقول ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فليست من نسائهن. (^٢)
- عن سعيد بن جبير في قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يعني عبد المرأة، لا يحل لها أن تضع جلبابها عند عبد زوجها. (^٣) وقال مجاهد: تضع المرأة الجلباب عند المملوك. (^٤)
_________________
(١) تفسير الطبري ١٨/ ١٢٠، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٦ (١٤٤١٠)، البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٩٤ (١٣٣١٥) وإسناده حسن كما أسلفنا.
(٢) من تفسير ابن كثير ٣/ ٢٨٥.
(٣) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٧ (١٤٤١٩).
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٧ (١٤٤٢٠).
[ ٢٤٩ ]
- عن الزهري في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ قال: يرى الشيء من دون الخمار فأما أن تسلخه فلا. (^١)
فخلاصة هذه الآثار أن المستثنين في الآية إنما يوضع عندهم الرداء دون الخمار؛ إذ لو كان المقصود وضع الخمار وإظهار الشعر لجاء مصرحا به ولو في بعض الروايات!! قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٨٤): ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية؛ كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير تبرج.
٢) الآثار التي تدل على كون الخمار من عامة لباسهن في البيوت أمام من يحل له الدخول عليهن:
- كما ثبت عن عائشة ﵂ أنها نذرت على نفسها ألا تكلم عبد الله بن الزبير أبدًا، ثم استشفع ابن الزبير بمن يكلمها حتى كلمته وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها. (^٢)
وذلك يقتضي ملازمة الخمار لها، كما يقال في الرجل كان يذكر الشيء فيبكي حتى تبل دموعه لحيته!!
_________________
(١) تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٣/ ٥٦.
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ٢٢٥٥ (٥٧٢٥).
[ ٢٥٠ ]
-كما ورد عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ما زلت أضع خماري وأتفضل في ثيابي في بيتي حتى دفن عمر بن الخطاب فيه، فلم أزل متحفظة في ثيابي حتى بنيت بيني وبين القبور جدارًا فتفضلت بعد). (^١)
- وورد عن عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله - ﷺ - عن الحمَّام فقال: إنه سيكون بعدي حمامات ولا خير في الحمامات للنساء، فقالت: يا رسول الله فإنها تدخله بإزار، فقال: "لا وإن دخلته بإزار ودرع وخمار وما من امرأة تنزع خمارها في غير بيت زوجها إلا كشفت الستر فيما بينها وبين ربها". (^٢)
قال الشيخ الألباني الحديث صحيح بلفظ: "ثيابها" (^٣) مكان "خمارها" فضعّف الحديث بهذا اللفظ وقال أنه مخالف للروايات الأخرى التي جاءت بلفظ "ثيابها":
فيجاب عليه بالآتي:
_________________
(١) الطبقات لابن سعد ٣/ ٣٦٤ واللفظ له، مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٢٠٢ (٢٥٧٠١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٦: رجال أحمد رجال الصحيح. وصحح إسناده يحيى بن معين في الجزء الثاني من حديثه (الفوائد) ١/ ١٧٦. والشاهد منه أنه لو لم يكن دأبها لبس الخمار قبل أن يدفن عمر - ﵁ - لقالت إنه عندما دفن لبست الخمار وتحفظت، ولو لم تكن تلبسه لما أشارت إلى كثرة وضعها له، وذلك يحمل على ما كان وقت النوم أو الامتشاط ونحوه من أوقات وضع الثياب في العورات الثلاث.
(٢) المعجم الأوسط للطبراني ٣/ ٣٢١ (٣٢٨٦) وفي إسناده ابن لهيعة، قال الشيخ الألباني "حديثه في المتابعات والشواهد لاينزل عن رتبة الحسن". تشهد له الروايات التي صححها الشيخ الألباني بلفظ (ثيابها).
(٣) كما عند أحمد بن حنبل في مسنده ٦/ ١٧٣ (٢٥٤٤٦) سنن ابن ماجه ٢/ ١٢٣٤ (٣٧٥٠) صححه الألباني في صحيح الجامع (٢٧١٠). ورواية أخرى عند أحمد ٦/ ٣٦٢ (٢٧٠٨٦) وصححها الألباني في صحيح الترغيب حديث رقم (١٦٩).
[ ٢٥١ ]
أولا: قوله أنه مخالف للروايات الأخرى لا يصح؛ لأنه مقيّد لما أُطلق فيها وليس مخالفا لها، فإن الروايات الأخرى جاء فيها لفظ (ثيابها) مطلقا قد يراد به الثياب الظاهرة وهي الجلباب والخمار وقد يراد به الثياب الباطنة، فجاءت هذه الرواية مقيدة لها بأن المراد بها؛ الثياب الظاهرة من الجلباب والخمار، فما وجه النكارة في ذلك ونصوص الشرع شاهدة على صحة ذلك.
فإنه قد ورد في كثير من النصوص إطلاق لفظ الثياب والمراد هو الجلباب أو الخمار كما أسلفنا: ومن ذلك قوله تعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ النور: ٦٠ فقد صح عن ابن مسعود وابن عباس أن المراد بقوله (الثياب): الجلباب والرداء. (^١) فسمى الله تعالى الجلابيب في هذه الآية؛ ثياب.
- وما صح عن عائشة ﵂ أنها قالت قال رسول الله - ﷺ - (أُريتك في المنام يجئ بك الملك في سرقة من حرير فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت. . .) (^٢) فعبّر رسول الله - ﷺ - بالثوب عمّا يغطى به الوجه من خمار أو جلباب، فلا يستبعد أن يكون المراد بالثياب في هذا الحديث؛ هو الخمار.
ثانيا: أما السبب الثاني الذي لأجله ضعّف الشيخ الألباني الحديث بلفظ (خمارها)؛ فهو كما قال: مخالفته لقوله تعالى في آية النور ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ فيقال بأن الحديث بهذا اللفظ (خمارها) يوافق
_________________
(١) تفسير الصنعاني ٣/ ٦٣، تفسير الطبري ١٨/ ١٦٦، سنن البيهقي الكبرى ٧/ ٩٣.
(٢) صحيح البخاري ٥/ ١٩٦٩ (٤٨٣٢).
[ ٢٥٢ ]
آية النور هذه تمام الموافقة لأن هذه الآية جاءت آمرة المرأة بضرب خمارها على جيبها ناهية عن وضعه إلا لمن استثني في الآية، أما من لم يستثن في الآية ممن يحل لهم النظر فالمرأة منهية عن نزع الخمار أمامهم، ومنهم الرقيق والنساء غير المسلمات، وفي هذا الحديث جاء التحذير من دخول الحمامات التي يدخلها النساء غير المسلمات.
قال البيهقي في معرفة السنن والآثار (١٠/ ٢٤): وروينا عن عمر بن الخطاب، أنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: (أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات ومعهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك وحل دونه) قال أحمد: والذي يؤكده ما روي عن مجاهد أنه قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة ولا تقبلها؛ لأن الله يقول: (أو نسائهن).
٣) ما جاء في صفة مسح المرأة لرأسها عند الوضوء مما يدل على أن الخمار كان من عامة لباسهن في البيوت:
- ومن ذلك ما روته أم علقمة مولاه عائشة ﵂ أن عائشة كانت إذا توضأت تدخل يدها من تحت الرداء تمسح برأسها كله. (^١)
- وما جاء عن ابن المسيب وإبراهيم النخعي وعطاء أن على المرأة أن تنزع خمارها وتمسح برأسها. (^٢)
_________________
(١) مالك في المدونة الكبرى ١/ ١٦، البيهقي في سننه الكبرى (٢٨٦). إسناد مالك رجاله ثقات عدا أم علقمة وقد ذكرها ابن حبان في الثقات وقال ابن حجر عنها في التقريب" مقبولة" وروى البخاري لها تعليقا. وقال ابن سعد في الطبقات ٨/ ٤٩٠: أم علقمة روى عنها ابنها علقمة أحاديث صالحة.
(٢) مصنف عبد الرزاق ١/ ١٧ (٥٠) مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣١ (٢٥١) بأسانيد متصله ورجالها رجال الصحيح.
[ ٢٥٣ ]
٤) ومما يشهد لذلك أيضا ما أثر عن بعض السلف من التابعين من كراهة النظر إلى الشعر من ذوات المحارم (^١):
- قال الزهري: لا بأس أن ينظر إلى قصة المرأة من تحت خمارها إذا كان ذا محرم فأما أن تسلخ خمارها فلا. (^٢)
- عن ابن طاووس عن أبيه قال: ما كان أكره إليه من أن يرى عورة من ذات محرم، وكان يكره أن تسلخ خمارها عنده. (^٣)
- عن عامر الشعبي أنه يكره أن ينظر إلى شعر كل ذات محرم. (^٤)
٥) يؤيد ذلك أيضا ما ذهب إليه بعض الفقهاء من أن المحرم لا ينظر إلا إلى الوجه والكفين من المرأة:
- كما في المحرر في الفقه لمجد الدين أبي البركات (٢/ ١٣): وقيل لا ينظر الخاطب والمحرم إلا الوجه والكفين.
_________________
(١) أما ما أخرج البخاري في صحيحه (٣٨٨٢) عن ابن عمر - ﵁ - قال: "دخلت على حفصة ونسواتها تنطف". أي ضفائرها تقطر ماء، فهذا يحمل على أنه قد يكون وافق خروجها من مغتسلها، أو قد يكون رأى مازاد عن الخمار من الضفائر. وكذلك ما روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يفلون أمهاتهم، فهذا محمول على الضرورة، كما تعقبه ابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ٢٣١) بقوله: إنه لا بأس أن ينظر الرجل إلى شعر أمه وكذلك شعور ذوات المحارم العجائز، دون الشواب ومن يخشى منه الفتنة.
(٢) مصنف عبد الرزاق ٧/ ٢١٢ إسناده متصل ورجاله ثقات.
(٣) مصنف عبد الرزاق ٧/ ٢١٢ إسناده متصل ورجاله ثقات.
(٤) مصنف بن أبي شيبة ٤/ ١١ إسناده متصل ورجاله رجال الصحيح.
[ ٢٥٤ ]
- وفي المبدع لإبراهيم بن مفلح (٧/ ٨): (وعنه لا ينظر من ذوات محارمه إلا إلى الوجه والكفين) لقول ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ .
- وفي الإنصاف للمرداوي (٨/ ٢٠): لا ينظر من ذوات محارمه إلى غير الوجه ذكرها في الرعاية وغيرها، وعنه لا ينظر منهن إلا إلى الوجه والكفين.
- وفي التمهيد لابن عبد البر (المالكي) (٨/ ٢٣٦): ذوي المحارم لا يحتجب منهم ولا يستتر عنهم إلا العورات والمرأة فيما عدا وجهها وكفيها عورة بدليل أنها لا يجوز لها كشفه في الصلاة.
- وفي القوانين الفقهية لابن جزي (المالكي) (١/ ٢٩): وإن كانت ذات محرم جاز له رؤية وجهها ويديها دون سائر جسدها على الأصح.
- وفي الفتاوى الهندية للشيخ نظام (الحنفي) (٥/ ٣٣٣): يرخص للمرأة كشف الرأس في منزلها وحدها فأولى أن يجوز لها لبس خمار رقيق يصف ما تحته عند محارمها كذا في الْقُنْية.
- قال أبو الأعلى المودودي الحنفي في كتابه الحجاب/٢٧٣: جسم المرأة كله إلا وجهها ويديها عورة يجب أن تسترها حتى عن أدنى أقاربها في البيت، فلا يجوز لها تكشف عورتها على أحد غير زوجها سواء كان أباها أو أخاها أو ابن أخيها.
[ ٢٥٥ ]