* وبذلك تبين إجماع المفسرين ومنهم أئمة التفسير كالطبري والبغوي والقرطبي والبيضاوي والنسفي وابن كثير والشوكاني ومنهم أئمة في اللغة كالفراء والنحاس والزمخشري وأبي حيان ومنهم أئمة في الفقه كعماد الدين الطبري والجصاص والبيضاوي والشوكاني وغيرهم على اختلاف مذاهبهم؛ على تفسير هذا الأمر الرباني الموجه لنساء المؤمنين بتغطية الوجه.
ثانيًا: استشهد الشيخ الألباني بقول عبد الله بن عباس - ﵁ - " تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به" على أنه تفسير من ابن عباس لآية إدناء الجلابيب فقال: (وقد صح عن ابن عباس أنه قال في تفسير آية الجلابيب" تدني الجلباب إلى وجهها، ولا تضرب به")!! والصحيح أن قول ابن عباس هذا لم يكن تفسيرا لآية إدناء الجلابيب كما ذكر الشيخ الألباني، ولم يستشهد به مطلقا أي أحد من المفسرين في تفسير هذه الآية! بل لم يرد له ذكر في كتب التفسير البتة!! لأن هذا القول من ابن عباس إنما كان لبيان كيفية تغطية وجه المرأة حال إحرامها،
كما أن الشيخ الألباني لم يذكر رواية هذا الأثر بتمامها كما هي عند أبي داوود: قال أبو داود في مسائله للإمام أحمد في باب: ماتلبس المرأة في إحرامها: عن ابن عباس ﵄ قال: (تدني الجلباب إلى وجهها ولا تضرب به، قال روح في حديثه: قلت وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال لا تعطفه فتضرب به على وجهها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه) (^١) وهذا
_________________
(١) أبو داود في (مسائله) ص /١١٠، مسند الشافعي (١/ ١١٨)، الأم (٢/ ١٤٩).
[ ٣١ ]
يبين مراد ابن عباس؛ وهو أن تغطية المرأة لوجهها حال إحرامها تكون بسدل الجلباب من فوق رأسها على وجهها، وليس لها رفع الثوب من أسفل وضربه على الوجه (^١) للتلثم به والتبرقع، فالنهي في الإحرام متعلق بصفة التغطية وليس بالتغطية نفسها.
ثالثا: (١) استشهد الشيخ الألباني بما جاء في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (١/ ٤٥٢) قال "الصحيح من المذهب أن الوجه ليس من العورة" على أن مراده عورة النظر! والصحيح أن مراد المرداوي عورة المرأة في الصلاة. وهو من شرحه لمتن المقنع في فقه الإمام أحمد لابن قدامة المقدسي (ص: ٤٤): (كتاب الصلاة، باب ستر العورة: الشرط الثالث. وسترها عن النظر بما لا يصف البشرة واجب. وعورة الرجل والحرة كلها عورة إلا الوجه وفي الكفين روايتان ويستحب للرجل أن يصلي في ثوبين ) فقال المرداوي في الإنصاف (١/ ٤٥٢ - ٤٥٣) شارحا قوله"والحرة كلها عورة إلا الوجه" الصحيح من المذهب أن الوجه ليس بعورة وعليه الأصحاب وحكاه القاضي إجماعا وعنه الوجه عورة أيضا وقال بعضهم الوجه عورة وإنما كشف في الصلاة للحاجة قال الشيخ تقي
الدين والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذا لم يجز النظر إليه) اهـ.
_________________
(١) الضرب هو الشد والإلصاق، قال ابن عبدالبر في الكافي (١/ ١٥٣): قال سعيد بن جبير (وليضربن) يعني وليشددن. وفي فتح القدير (٤/ ٢٣): مبالغة في الإلقاء الذي هو الإلصاق.
[ ٣٢ ]
أما رأيه في عورة المرأة في النظر؛ فيتبين بما ذكره في كتابه "الإنصاف" عن حكم النظر للأمة التي لم يُفرض عليها الحجاب (٨/ ٢٧) حيث قال: الصواب أن الجميلة تنتقب، وأنه يحرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الحرة الأجنبية فلا يجوز له النظر إلى الأجنبية قصدا وهو صحيح وهو المذهب. اهـ
(٢) ومثل ذلك ما نقله الشيخ الألباني عن ابن قدامة فهو عن عورة المرأة في الصلاة، وهذا نص ما قال ابن قدامة في المغني (١/ ٦٣٧): (جميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها وما سوى ذلك يجب ستره في الصلاة لأن ابن عباس قال في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ النور: ٣١ قال الوجه والكفين). وكذلك ما قاله ابن قدامة في كتابه (العمدة): (باب شروط الصلاة) وهي ستة: (أحدها) الطهارة (الشرط الثاني) الوقت .. (الشرط الثالث) ستر العورة بما لا يصف البشرة، وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة. ومن صلى في ثوب مغصوب اهـ
وبذلك يتبين أن ما استشهد به الشيخ الألباني عن ابن قدامة من كتابيه المغني والعمدة فهو عن عورة المرأة في الصلاة، أما رأي ابن قدامة في عورة المرأة بالنسبة للنظر إليها فهو قوله في المغني (٧/ ٧٨): فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد.
[ ٣٣ ]