سادسا: لم يجد الشيخ الألباني ما يستشهد به من أقوال الأئمة الأربعة مسندة إليهم ليحتج بها على إباحتهم كشف المرأة وجهها للرجال الأجانب؛ ولينفي أن أقوالهم المنسوبة إليهم هي عن عورة المرأة في الصلاة؛ إلا أقوالهم عن كيفية ستر المرأة لوجهها حال إحرامها لما هو معلوم من نهي المحرمة من تغطية وجهها بالشّد عليه بالبرقع والنقاب، ولا يصح الاحتجاج بهذا النهي على جواز كشف المرأة لوجهها حال إحرامها فضلا أن يحتج به على جواز كشفه حال حلِّها؛ لأنه لم يرد النهي عن تغطيتها لوجهها مطلقا، بل هي مأمورة بتغطية وجهها بسدل الثوب عليه من فوق رأسها، وإنما نُهيت عن عطف الثوب على أنفها وشدّه على وجهها للتلثم
والتبرقع، فالمنهي عنه هو طريقة التغطية وليس التغطية نفسها، ومما يشهد لذلك الآثار الآتية:
١ - صح عن عائشة ﵂ أنها قالت " تسدل المحرمة جلبابها من فوق رأسها على وجهها" (^١). وهذه الرواية مما لم يتطرق لها الشيخ الألباني بذكر!
وصح عنها أنها قالت "كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه". (^٢) وفي رواية: "سدلنا الثوب على وجوهنا من خلفنا ولم يجئ من ها هنا يعني من قبل
_________________
(١) سنن سعيد بن منصور، مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (٧٣١) صحح إسناده ابن حجر في فتح الباري ٣/ ٤٠٦.
(٢) مسند أحمد (٢٤٠٢١)، سنن أبي داود (١٨٣٣) صححه علي القاري في مرقاة المفاتيح ٥/ ١٨٥٢، وصححه الألباني في حجاب المرأة /٣٣ وفي مشكاة المصابيح ٢/ ٨٢٣.
[ ١٠٦ ]
خديها فإذا جاوزنا نزعناه " (^١)، وفي رواية قالت " ولا تتبرقع ولا تَلَثَّم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت". (^٢)
٢ - صح عن ابن عباس - ﵁ - قال (تدلي عليها من جلبابها ولا تضرب به) قلت وما لا تضرب به؟ فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب فقال (لا تعطفه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها، ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا، ولا تقلبه، ولا تضرب به، ولا تعطفه) (^٣).
٣ - صح عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت" كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نتمشط قبل ذلك في الإحرام" (^٤)
٤ - صح عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق. (^٥)
٥ - صح عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال" تلبس المحرمة السراويل والقفازين وتخمر وجهها كله". (^٦)
_________________
(١) المنتقى لابن الجارود (٤١٨)، مسند إسحاق بن راهويه (١١٨٩) واللفظ له.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨٨٣٢) صححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.
(٣) أبو داود في مسائله / ١١٠، الشافعي في الأم ٢/ ١٤٩ واللفظ له، وصححه الألباني في الرد المفحم /١٠.
(٤) صحيح ابن خزيمة ٤/ ٢٠٣ (٢٦٩٠) صححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.
(٥) موطأ مالك ١/ ٣٢٨ (٧١٨) وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢١٢.
(٦) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٤٣٤ (١٥٧٢٤) بإسناد متصل ورجاله ثقات، والقاسم هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة.
[ ١٠٧ ]
فهذه الروايات تؤكد أن المنهي عنه حال الإحرام هو الشد على الوجه بالنقاب والبرقع واللثام وليس المنهي عنه ستر الوجه مطلقا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٢/ ١٤٩ - ١٥٠): وأما المرأة فإنها لم تنه عن شيء من اللباس لأنها مأمورة بالاستتار والاحتجاب فلا يشرع لها ضد ذلك، لكن منعت أن تنتقب وقد تنازع الفقهاء هل وجهها كرأس الرجل أو كيديه على قولين في مذهب أحمد وغيره فمن جعل وجهها كرأسه أمرها إذا سدلت الثوب من فوق رأسها أن تجافيه عن الوجه كما يجافى عن الرأس ما يظلل به. ومن جعله كاليدين وهو الصحيح قال هي لم تنه عن ستر الوجه وإنما نهيت عن الانتقاب.
قال ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) في المحلى (٧/ ٩٢): وما نهيت المرأة عن تغطية وجهها بل هو مباح لها في الإحرام وإن نهيت عن النقاب فقط.
قال ابن عبدالبر في التمهيد (ت ٤٦٣ هـ) (١٥/ ١٠٨): وأجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها وأنها تخمر رأسها وتستر شعرها وهي محرمة، وأجمعوا أن لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلا خفيفا تستتر به عن نظر الرجال إليها.
قال صدر الدين عليّ بن أبي العز الحنفي (ت ٧٩٢ هـ) في التنبيه على مشكلات الهداية (٣/ ١٠٠٦): فإن النبي لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره خصوصًا عند خوف الفتنة، وإنما جاء النص بالنهي عن
[ ١٠٨ ]
النقاب خاصًا، كما جاء النهي عن القفازين وقد تقدم أن القول بأن إحرام المرأة في وجهها إنما هو من كلام ابن عمر فالذي دلت عليه السنة أن وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب، والبرقع .. وأما ستره بالملحفة، والخمار ونحوهما فلم تنه عنه المرأة البتة.
قال الشوكاني في السيل الجرار (٢/ ١٨٠): وأما تغطية وجه المرأة فلما روي أن إحرام المرأة في وجهها ولكنه لم يثبت ذلك من وجه يصلح للاحتجاج فليس في المنع من تغطية وجه المرأة ما يتمسك به والأصل الجواز حتى يرد الدليل الدال على المنع. اهـ
وقد أطلق بعض أهل العلم جواز تغطية وجه المحرمة بالسدل عليه وإن لم تكن بحضرة رجال أجانب؛ وقيّده البعض الآخر فقال إن لم تكن بحضرة رجال أجانب فلا تسدل، أي لا يشرع لها إدامة تغطية وجهها إلا للستر من الرجال، وهذا خلاصة ما ذهب إليه الأئمة الأربعة في أقوالهم التي استشهد بها الشيخ الألباني وقال بأنهم يخيرون بها المرأة بين الكشف أو السدل!!
١) كما في مذهب الإمام أبي حنيفة نقل الشيخ الألباني قول محمد بن الحسن " ولا ينبغي للمرأة المحرمة أن تنتقب فإن أرادت أن تغطي وجهها فلتسدل الثوب سدلًا من فوق خمارها" فمراده أنها منهية عن الشد على الوجه بالنقاب، فإن أرادت تغطيته لبروزها أمام الرجال فلتغطيه بسدل الثوب عليه من فوق رأسها.
[ ١٠٩ ]
٢) وقول الإمام مالك كما في المدونة الكبرى (٢/ ٤٦١): قلت له أرأيت لو أن محرما غطى وجهه أو رأسه ما قول مالك فيه؟ قال: قال مالك إن نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن تركه لم ينزعه مكانه حتى انتفع به افتدى. قلت: وكذلك المرأة إذا غطت وجهها؟ قال: نعم إلا أن مالكا كان يُوسع للمرأة أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترا، فإن كانت لا تريد سترا فلا تسدل. اهـ
فالذي ينبغي أن يفهم من قوله؛ أنه لا ينبغي للمرأة أن تغطي وجهها حال إحرامها إلا للستر من الرجال الأجانب، فإن لم تكن على مرأى من رجال أجانب فلا ينبغي لها أن تغطي وجهها، وهذا ما فهمه الشرّاح عن الإمام مالك:
قال الباجي في المنتقى شرح الموطأ (٢/ ٢٠٠): وإنما يجوز أن يخمرن وجوههن على ما ذكرنا بأن تسدل ثوبا على وجهها تريد الستر، ولا يجوز أن تسدله لحر ولا لبرد.
قال الزرقاني في شرحه على موطأ الإمام مالك (٢/ ٣١٤): يجوز للمرأة المحرمة ستر وجهها بقصد الستر عن أعين الناس بل يجب إن علمت أو ظنت الفتنة بها أو ينظر لها بقصد لذة، قال ابن المنذر أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وإن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال.
[ ١١٠ ]
٣) استشهد الشيخ الألباني بقول الإمام الشافعي" المحرمة لا تخمِّر وجهها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي " اهـ
وقول الإمام الشافعي كما في الأم (٢/ ٢١٩): وتلبس المرأة السراويل والخفين والقميص والخمار وكل ما كانت تلبسه غير محرمة إلا ثوبا فيه طيب ولا تخمر وجهها وتخمر رأسها إلا أن تريد أن تستر وجهها فتجافي الخمار ثم تسدل الثّوب على وجهها. اهـ ومراده أن المحرمة منهية عن تخمير وجهها برفع الثوب عليه من أسفل، إلا أن تكون على مرأى من رجال أجانب فلها أن تستره بسدل الثوب عليه من فوق رأسها، ومما يشهد لذلك وأنها مأمورة بالستر عن الرجال وليست مخيّرة في ذلك:
قول الشافعي في مختصر المزني (١/ ٦٥): والمرأة في ذلك كالرجل إلا ما أمرت به من الستر وإحرامها في وجهها فلا تخمره، وتسدل عليه الثوب وتجافيه عنه.
وقال النووي في المجموع (٨/ ٧٥): قال الشافعي في الأم يستحب للمرأة أن تسعى في الليل لأنه أستر لها فان طافت نهارا جاز، وتسدل على وجهها ما يستره.
٤) استشهد بقول الإمام أحمد" المحرمة لا تخمِّر وجهها ولا تتنقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها" قال الشيخ الألباني فقوله" ليس به بأس" يدل على جواز السدل. اهـ
وقول الإمام أحمد كان جوابا منه لبيان معنى قولهم (إحرام المرأة في وجهها) كما في مسائله رواية ابنه أبي الفضل (١/ ٣١٠) قال: وسألته عمن قال إحرام المرأة
[ ١١١ ]
في وجهها ما معناه كأنها لا تجتنب الزينة إلا في وجهها أو كيف؟ قال لا تخمر وجهها ولا تنتقب والسدل ليس به بأس تسدل على وجهها. اهـ
ومراده أن المحرمة منهية عن رفع الثوب من أسفل وشده على الوجه، أما سدل الثوب من فوق الرأس على الوجه فليس فيه شد على الوجه، وقد روي عن الإمام أحمد ما يبين أن هذا السدل واجب: كما جاء في مسائل ابن هانئ (١/ ١٥٧): سألت أبا عبد الله عن المرأة المحرمة تسدل ثوبها على وجهها؟ قال: تسدله على وجهها إذا لقيت الرفاق، فإذا جاوزت الرفاق كشفت عن وجهها. اهـ
وبذلك تبين خطأ الشيخ الألباني فيما نسبه للأئمة من تخيير المحرمة بين تغطية الوجه أو الكشف؟! إذ لم يحمل أحد ممن سبقه أقوال الأئمة عليه!
قال البغوي في شرح السُنَّة (٧/ ٢٤٠): فإن احتاجت إلى ستر الوجه لحر أو برد، أو منع أبصار الأجانب، سدلت ثوبا على وجهها. وممن قال: تسدل الثوب، عطاء، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
قال ابن قدامة في المغني (٣/ ١٥٤): فأما إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها روي ذلك عن عثمان وعائشة وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن الحسن ولا نعلم فيه خلافا. اهـ
ولهذا لم يقل أحد من فقهاء المذاهب بناء على أقوال أئمتهم بأن المحرمة مخيرة بين السدل أو الكشف إذا كانت على مرأى من رجال أجانب:
[ ١١٢ ]
* مذهب الإمام أحمد:
- شرح العمدة (٣/ ٢٦٨): فإن احتاجت إلى ستر الوجه مثل أن يمر بها الرجال وتخاف أن يروا وجهها فإنها ترسل من فوق رأسها على وجهها ثوبا.
- كشاف القناع (٢/ ٤٤٧): فإن غطته لغير حاجة فدت، والحاجة كمرور رجال قريبا منها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها.
- منار السبيل (١/ ٢٣٧): فإن احتاجت لتغطيته لمرور الرجال قريبا منها سدلت الثوب من فوق رأسها لا نعلم فيه خلافا.
* مذهب الإمام الشافعي:
- البيان في مذهب الإمام الشافعي (٤/ ١٥٤): وإذا أحرمت المرأة .. فإنه لا يجب عليها كشف رأسها، ولكن لا يجوز لها تغطية وجهها، ولسنا نريد بذلك أنها تبرزه للناس - أي ليس المراد أنها تظهره للرجال - فإن أرادت المرأة أن تستر وجهها عن الناس عقدت الثوب على رأسها، وسدلته على وجهها.
- الإقناع للماوردي (١/ ٨٩): الثالث تغطية رأس الرجل ووجه المرأة وهو حرام عليهما ولكن لا بأس أن يستظل الرجل سائرا أو نازلا، وتستر المرأة وجهها بما لا يماسه من برقع أو خمار.
[ ١١٣ ]
* مذهب الإمام أبو حنيفة:
- التنبيه على مشكلات الهداية (٣/ ١٠٠٦): فإن النبي - ﷺ - لم يشرع للمرأة كشف الوجه للرجال في الإحرام ولا غيره، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصًا.
- البحر الرائق (٢/ ٣٨١): وفي فتاوي قاضيخان ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة، وهو يدل على أن هذا الإِرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجب عليها.
- حاشية ابن عابدين على الدر المختار (٢/ ٥٢٧): ودلت المسألة على أن المرأة منهية عن إظهار وجهها للأجانب بلا ضرورة ووفق في البحر بما حاصله أن محمل الاستحباب عند عدم الأجانب، وأما عند وجودهم فالإرخاء واجب عليها.
* مذهب الإمام مالك:
- عارضة الأحوذي لابن العربي (٤/ ٥٦): قوله في حديث ابن عمر (ولا تنتقب المرأة) وذلك لأن ستر وجهها بالبرقع فرض، إلا في الحج؛ فإنها ترخي شيئًا من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتعرض عن الرجال، ويعرضون عنها.
- إرشاد المسترشد (٢/ ٦١) باب محظورات الإحرام: وكذلك المرأة لا تغطي وجهها ولا كفيها إلا عند ملاقاة الرجال الأجانب.
[ ١١٤ ]
وبذلك ثبت أنه لم ينقل عن الأئمة الأربعة قول ينص على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب، بل إن المنقول عنهم يدل على وجوبتغطية الوجه إذا كانت بحضرة رجال أجانب سواء كانت في الصلاة أو خارجها وسواء كانت محلّة أو محرمة، إلا أنها حال الإحرام تغطي وجهها بالسدل عليه من فوق رأسها، ولا تلثم ولا تتبرقع.