والجواب عليه بالآتي:
١) أنه سبق أن أقرَّ بهذا المعنى في كتابه جلباب المرأة المسلمة (ص: ١٥٢) في معرض كلامه عن تشبه النساء بالرجال وتشبه الرجال بالنساء حيث قال (الجلابيب التي تسدل من فوق الرؤوس حتى لا يظهر من لابسها إلا العينان).
٢) أن كون الجلباب؛ هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها؛ لا ينفي كون الوجه داخل فيما تستره الملاءة! لأن الالتحاف لا يشترط في معناه أن يخرج الوجه من جسد الملتحف!! كما أن تغطية الوجه فرضت بأمر زائد على لبس الجلباب ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وهو إدناءه عليها حتى يستر وجهها كما أجمع على ذلك جل أهل العلم من لغويين ومفسرين وفقهاء ومحدثين كما أسلفنا في مناقشة البحث الأول وكما سيأتي:
- قال العلامة الزمخشري في الكشاف (٣/ ٥٦٩): الجلباب: الرداء الذي يستر من فوق إلى أسفل. وقيل: الملحفة وكل ما يستتر به من كساء أو غيره. ومعنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههنّ وأعطافهنّ.
- قال الإمام الخازن في لباب التأويل (٥/ ٢٧٦): يدنين. أن يرخين ويغطين عليهن من جلابيبهن جمع جلباب وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقيل الملحفة وكل ما يستتر به من كساء وغيره، قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عينا واحدة.
[ ٤٤ ]
- وقال برهان الدين أبو الحسن البقاعي في نظم الدرر (٦/ ١٣٥): ثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة وإن كان ما يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين.
- وقال العلامة زين الدين أبو الفرج الشهير بابن رجب في فتح الباري (٢/ ١٣٨): (الجلباب): قال ابن مسعود ومجاهد وغيرهما: هو الرداء، يستر أعلاها، إلا أنه يقنعها فوق رأسها، وقد فسر عبيدة السلماني قول
الله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ بأنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها.
٣) إن عدم ذكر الوجه والكفين في كتب اللغة لا يلزم منه إخراجهما مما يستر؛ لأن كتب اللغة لم تصرح كذلك بستر القدمين ولا الشعر ولا الذراعين؛ فهل يخرج ذلك كله مما يستره الجلباب؟!! كما إن ما جاء في كتب اللغة أن الجلباب؛ (ما تتغطى به المرأة) و(تغطي به المرأة رأسها) فإن المراد به تغطية الرأس كله بما فيه الوجه كما ذكر صاحب نظم الدرر: (وإن كان ما يغطي الرأس فإدناؤه ستر وجهها وعنقها) كما إن التغطية إذا أطلقت على المرأة (امرأة متغطية) فالمراد أنها مغطية لوجهها ومن ذلك:
- تفسير غريب ما في الصحيحين للحميدي (١/ ٥٧٥): الجلباب: ما تتغطى به المرأة من ثوب أو غيره.
[ ٤٥ ]
- تاج العروس للزبيدي (٢/ ١٧٥): وخصه بعضهم بالمشتمل على البدن كله وقال تعالى (يُدنِينَ عَلَيهِنَّ من جلابِيبِهِنَّ) وقيل: هو ما تغطّي به المرأة.
- المصباح المنير للفيومي (١/ ١٠٤): (الجلباب) ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء وقال ابن فارس (الجلباب) ما يغطى به من ثوب وغيره.
كما إنه قد ثبت في كتب اللغة أن من معاني الجلباب؛ المقنعة:
- كما في مشارق الأنوار (١/ ١٤٩): الجلباب قال النضر هو ثوب أقصر وأعرض من الخمار وهي المقنعة تغطي به المرأة رأسها.
- وفي النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٢٨٣): والجلباب: الإزار والرداء. وقيل الملحفة. وقيل هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها.
- وفي تاج العروس (٢/ ١٧٥): الجلباب: ثوب أقصر من الخمار وأعرض منه، وهو المقنعة.
وقد جاء التصريح في كتب اللغة أن المقانع التي تغطي بها النساء رؤوسهن؛ شامل لوجوههن:
- كما في التكملة للصغاني (ت ٦٥٠) (٥/ ٥٢١) والقاموس المحيط (ص: ١٠٦٠) وتاج العروس للزبيدي (٣٠/ ٤٣٧): والمميلات؛ اللاتي يملن قلوب الرجال إليهن، أو يملن المقانع عن رؤوسهن لتظهر وجوههن وشعورهن.
[ ٤٦ ]