- عن سعيد بن جبير في قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ قال: يعني عبد المرأة، لا يحل لها أن تضع جلبابها عند عبد زوجها. (^١)
- الثاني عشر: ومما يؤيد أن المراد بمن يحل له رؤية الزينة الظاهرة (الوجه والكفين) في هذه الآية هم من يحل لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب من العبيد ونحوهم؛ إجماع أئمة المفسرين على تفسير آية إدناء الجلابيب بتغطية الوجه للنساء الحرائر دون ذكر للتعارض بين الآيتين، فلا يسوغ أن يُحمل تأويلهم لجواز إظهار الوجه والكفين في هذه الآية؛ ووجوب
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٧٧ (١٤٤١٩).
[ ٢٦٩ ]
تغطيتهما في آية الأحزاب على نفس الفئة من الرجال! إذ لو كان كذلك لبيّنوا وجه هذا التعارض!
وإليك بعض النماذج من أقوال المفسرين المتقدمين في تفسير هذه الآية، وأقوالهم في تفسير آية الأحزاب:
* ابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) ١٨/ ١١٧: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال عني بذلك الوجه والكفان يدخل في ذلك إذا كان كذلك الكحل والخاتم والسوار والخضاب.
ثم قال في تفسير آية الحجاب في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن فقال بعضهم هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا واحدة.
* أبو بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ) في أحكام القرآن ٥/ ١٧٢ - ١٧٣: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال أصحابنا المراد الوجه والكفان لأن الكحل زينة
[ ٢٧٠ ]
الوجه والخضاب والخاتم زينة الكف فإذ قد أباح النظر إلى زينة الوجه والكف فقد اقتضى ذلك لا محالة إباحة النظر إلى الوجه والكفين.
ثم قال في تفسير آية الحجاب في سورة الأحزاب: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين. (^١)
* الثعلبي (ت ٤٢٧ هـ) ٧/ ٨٧ - ٨٨: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الخفيّة التي أُمرن بتغطيتها ولم يبح لهنّ كشفها في الصلاة وللأجنبيين وهي ما عدا الوجه والكفّين وظهور القدمين.
ثم قال في تفسير آيتي الحجاب في سورة الأحزاب: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنّعن بها ويغطّين وجوههن ورؤوسهن. (^٢)
* الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) ٢/ ٧٦١: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يعني الخلخالين والقرطين والقلائد والدمالج ونحوها مما يخفى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وهو الثياب والكحل والخاتم والخضاب والسوار فلا يجوز للمرأة أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى نصف الذراع.
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٢٤٥
(٢) تفسير الثعلبي ٨/ ٦٤
[ ٢٧١ ]
ثم قال في تفسير آية الحجاب في سورة الأحزاب: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة، قال المفسرون: يغطين رءوسهن ووجوهن إلا عينا واحدة، فيعلم أنهن حرائر، فلا يعرض لهن بأذى. (^١)
ولذلك فإن من الخطأ أن نحمل أقوال المفسرين في تفسير الزينة الظاهرة على أن المراد بها ما تظهره المرأة الحرة لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب؛ وهم قد فسروا آية إدناء الجلابيب بأنها تفيد وجوب تغطية وجه المرأة الحرة عن الرجال الأحرار الأجانب، لأن في ذلك حمل الآيتين على معنيين وحكمين متعارضين!
وخلاصة هذا المبحث أن المراد بمن لا تُظهر المرأة الحرة زينتها لهم (إلا ما ظهر منها) المفسرة بـ (الوجه والكفين بما فيهما من الزينة كالخاتم والسوار) هم من يحل لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب ممن لم يستثن في الآية وهم: العبيد المملوكون للغير، والعبد المملوك والتابع إذا كان من أولي الإربة، والذين لم يبلغوا الحلم من الأحرار (الصبية المميزين) والنساء غير المسلمات، والمحارم بالمصاهرة والرضاع، والعم والخال، فهؤلاء تظهر لهم بثيابها الظاهرة (بردائها أو ملحفتها وخمارها ضاربة به على جيبها)، أما من استثني في الآية (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن ) فهؤلاء تضع عندهم الرداء فتبرز لهم
_________________
(١) التفسير الوسيط ٣/ ٤٨٢.
[ ٢٧٢ ]
بخمارها دون أن تضرب به على جيبها، فيرون منها الزينة الباطنة (كالقرط والقلادة والطوق في النحر) هذا كل ما تعنيه الآية، وبذلك يتبين بطلان الاستدلال بقوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ المفسر بالوجه والكفين؛ على جواز كشف وجه المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب.
- وقبل إنهاء هذا المبحث لابد من الإجابة على هذا التساؤل: