ثانيًا: قال الشيخ الألباني إن مفاد آية الحجاب ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾
لا يقتضي تغطية الوجه وأن كل ما تعنيه (أن المرأة في دارها لا تكون متجلببة ولا مختمرة فلا تبرز للسائل)! وهذا مخالف لما فسر به أئمة التفسير هذه الآية، بل ومخالف قبل ذلك لمراد الله منها! فإن الله تعالى أراد بهذا الأمر الحد من دخول الرجال الأجانب على النساء، ومنع النساء عندها من البروز لهم حتى وإن كن مستترات بالجلابيب:
* قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) في تفسيره جامع البيان (٢٢/ ٣٩): يقول وإذا سألتم أزواج رسول الله ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعا ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن بيوتهن
* قال الإمام الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) في تفسيره (٢/ ٨٧٢): فخاطبوهن من وراء حجاب وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال فلما نزلت هذه الآية ضرب عليهن الحجاب فكانت هذه آية الحجاب بينهن وبين الرجال.
* قال القاضي ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) في أحكام القرآن (٣/ ٦١٦): وهذا يدل على أن الله أذن في مساءلتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتى فيها والمرأة كلها عورة بدنها وصوتها فلا يجوز كشف ذلك.
[ ٣٩ ]
* قال الإمام الرازي الشافعي (ت ٦٠٤ هـ) في تفسيره مفاتح الغيب (٢٥/ ١٩٥): أمر بسدل الستر عليهن وذلك لا يكون إلا بكونهن مستورات محجوبات.
* قال الإمام النسفي الحنفي (ت ٧١٠ هـ) في تفسيره مدارك التنزيل (٣/ ٣١٣): وكانت النساء قبل نزول هذه الآية يبرزن للرجال.
* قال الإمام الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي (ت ٧٧٤ هـ) في تفسيره (٣/ ٥٠٦): أي وكما نهيتكم عن الدخول عليهن كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب.
* قال العلامة محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) في فتح القدير (٤/ ٢٩٨): وفي هذا أدب لكل مؤمن وتحذير له من أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له والمكالمة من دون حجاب لمن تحرم عليه. اهـ
وكما سبق من قول شيخ الإسلام (وآية الحجاب عند المخاطبة في المساكن) فلم يقيد شيخ الإسلام ولا أحد ممن سبقه؛ المخاطبة في المساكن من وراء حجاب بكونها إنما تشرع إذا كانت المرأة غير مختمرة ولا متجلببة كما قيدها الشيخ الألباني!! بل إن الثابت أن أزواج النبي - ﷺ - وغيرهن من النساء؛ كن إذا جاء من يسألهن من الرجال يكلمنه من وراء حجاب، ولم يرد أنهن كن يلبسن الجلباب ويبرزن بأشخاصهن للسائل في البيوت!! يشهد لذلك الآثار الآتية:
[ ٤٠ ]
١ - عن يوسف بن ماهك قال كان مروان على الحجاز. . . فقال عبد الرحمن بن أبي بكر - ﵁ - شيئا فقال خذوه فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا عليه فقال مروان إن هذا الذي فقالت عائشة ﵂ من وراء الحجاب ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري. (^١)
٢ - عن مسروق بن الأجدع أنه أتى عائشة فقال لها إن رجلًا يبعث بالهدي إلى الكعبة ويجلس في المصر فيوصي أن تقلد بدنته. . . قال فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب وقالت لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - ﷺ -. (^٢)
٣ - قال عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث: اجتمع ربِيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا والله لو بعثنا هذين الغلامين ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بِنت جحش حتى أردنا أن نكلمه قال وجعلت زينب تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه. (^٣)
٤ - عن أبي موسى - ﵁ - قال كنت عند النبي - ﷺ - وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال. . . ثم قال اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا فأخذا القدح ففعلا ما أمرهما به رسول الله - ﷺ - فنادتهما أم سلمة من وراء الستر أفضلا لأمكما مما في إنائكما. (^٤)
_________________
(١) صحيح البخاري ٤/ ١٨٢٧ (٤٥٥٠).
(٢) صحيح البخاري ٥/ ٢١١٥ (٥٢٤٦) صحيح مسلم ٢/ ٩٥٩ (١٣٢١).
(٣) صحيح مسلم ٢/ ٧٥٢ (١٠٧٢).
(٤) صحيح مسلم ٤/ ١٩٤٣ (٢٤٩٧).
[ ٤١ ]
٥ - عن يزيد بن بابنوس قال ذهبت أنا وصاحب لي إلى عائشة فاستأذنا عليها فألقت لنا وسادة وجذبت إليها الحجاب فقال صاحبي يا أمّ المؤمنين ما تقولين في العراك. (^١)
٦ - عن مسروق قال بكت عائشة ﵂ وبيني وبينها حجاب فقلت يا أم المؤمنين ما يبكيك (^٢)
٧ - عن شهر بن حوشب قال دخلت على أم سلمة بالمدينة وبيني وبينها حجاب فسمعتها تقول (كان أكثر دعاء النبي - ﷺ - يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (^٣).
- قال ابن عبد البر في الاستذكار ٦/ ١٧٠: إن نساء النبي - ﷺ - لا يكلمن إلا من وراء حجاب
- وقال النووي في المجموع (١٦/ ٣٥١): وقد ثبت أن كثيرا من راويات الحديث وحافظاته يسمعهن الأجانب عنهن من وراء حجاب، وقد كان أبو الشعثاء جابر بن زيد يسأل عائشة من وراء حجاب.
_________________
(١) مسند أحمد بن حنبل ٦/ ٢١٩ (٢٥٨٨٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٣) رجاله ثقات. وحسنه الألباني في جلباب المرأة /١٠٩.
(٢) تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار ٢/ ٦٩٦ (١٠٠٨)، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٣) جامع الترمذي (٣٥٢٢) المعجم الأوسط للطبراني ٣/ ٣٣ (٢٣٨١) واللفظ له، صححه الألباني في صحيح جامع الترمذي ٥/ ٥٣٨.
[ ٤٢ ]
ثالثًا: مما يؤكد أن آية إدناء الجلابيب تقتضي وجوب ستر الوجه من المرأة؛ إشراك أمهات المؤمنين مع غيرهن في هذا الأمر فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ ومن المجمع عليه أن الله تعالى أوجب على أزواج النبي التستر الكامل
بما في ذلك الوجه والكفين في آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ولم يستثن عضوًا من عضو، فلو كان المراد بإدناء الجلباب تغطية الرأس دون الوجه؛ لكان كلامه تعالى في آية الجلابيب عبثًا في حق أمهات المؤمنين! تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فإذا دل هذا الأمر على وجوب ستر الوجه والكفين في حق طائفة من إحدى الثلاث طوائف التي وجه لها الأمر في هذه الآية: أزواج النبي - ﷺ - وبناته ونساء المؤمنين؛ دل ذلك على وجوبه في حق الطائفتين الأخريين.
- قال العلامة الشنقيطي في أضواء البيان (٦/ ٢٤٤): والقرينة المذكورة هي قوله تعالى ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدلّ على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب.
رابعًا: أنكر الشيخ الألباني دلالة آية إدناء الجلابيب على تغطية الوجه بقوله: فلأن الجلباب هو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها وليس على وجهها وعلى هذا كتب اللغة قاطبة، ليس في شيء منها ذكر للوجه البتة.
[ ٤٣ ]