٤ - إشارة النبي - ﷺ - بيده لبيان حدود ما يباح كشفه من الوجه والكفين؛ يدل على أن ما أنكره كان للتوسع بكشف ما لا يباح كشفه في أحدهما:
١ - فإما أن يكون التوسع بإظهار ما لا يحل إظهاره مما جاور الوجه؛ كالنحر أو الشعر، بلبس خمار رقيق يشف عن ذلك، كما في رواية خالد بن دريك (وعليها ثياب شامية رقاق).
٢ - أو أن يكون التوسع بإظهار ما لا يحل إظهاره من الذراعين، بلبس ثياب واسعة الأكمام، كما في رواية أسماء بنت عميس (وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام).
(٣) ومما يشهد أن عائشة ﵂ هي التي كانت لابسة لهذه الثياب الرقاق؛ مارواه ابن جرير بإسناد صحيح إلى ابن جريج عن عائشة ﵂ قالت: (دخلت علي ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخل النبي - ﷺ - فأعرض، فقالت عائشة: يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية، فقال: "إذا عركت (^١) المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا" وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى). (^٢)
_________________
(١) العراك: المحيض (غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٩٠).
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ١٨/ ١١٩، وقال عقبه: وأشار به أبو علي.
[ ٢٢٤ ]
ففيه شاهد على أن التي دخلت على عائشة ليست أسماء بنت أبي بكر، وقد تكون ابنة أخيها عبد الله بن الطفيل اسمها أسماء مما أحدث اللبس عند الرواة، كما أن فيه أن عائشة هي التي كانت مظهرة من زينتها ما أنكره عليها النبي - ﷺ -، فقولها (دخلت علي ابنة أخي مزينة) أي دخلت علي حال كوني متزينة، فلما دخل النبي - ﷺ - أعرض منكرا عليها ما رأى من إظهارها لما لا يحل إظهاره، فقالت معللة ما أنكره عليها (إنها ابنة أخي وجارية).
ولما كان حديث ابن جريج هذا يوافق حديث خالد بن دريك وحديث أسماء بنت عميس في معناه وفيما كان من كلامه - ﷺ - فقال في حديث خالد بن دريك "لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى كفه ووجهه" وقال في حديث أسماء بنت عميس " ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا " وقال في حديث ابن جريج "لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها وإلا ما دون هذا " فكلها وإن اختلفت ألفاظها إلا أنها متوافقة في المعنى؛ فيصلح حينئذ أن يعتضد كل منها بالآخر، ورواية ابن جريج والتي فيها إباحة إظهار جزء من الذراع (وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى) هي الأرجح؛ لأنها أصح إسنادا.
ولها شاهد أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٨) بإسناد صحيح إلى قتادة أن النبي - ﷺ - قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج من يدها إلا ها هنا وقبض على نصف الذراع"
[ ٢٢٥ ]
ولأنها الموافقة للقرآن؛ فقد صح عن عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، والمسور بن مخرمة، وقتادة؛ في تأويل قوله ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أنها الخاتم والسوار كما سيأتي قريبا في البحث التاسع. فهذا يشهد لصحة حديث ابن جريج وأن موضع السوار من الذراع مما يلي الكف يعد من الزينة الظاهرة، وهذا مما لم يقل بجواز كشفه للرجال الأجانب الشيخ الألباني ولا غيره من أهل العلم! فهذا يؤكد أن المراد بالحديث بيان ما يحل للمرأة إظهاره لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم، وليس المراد جواز إظهار ذلك لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب.
قال دروزة محمد عزت (ت ١٤٠٤ هـ) في التفسير الحديث (٢/ ٣٨٨) بعد أن ساق أثر ابن جريج وقتادة: والحديثان لم يردا في كتب الأحاديث الخمسة ولكنهما متفقان مع ما ورد فيها، ومع ما ذكره المؤولون في تأويل جملة آية سورة النور.
فنخرج من هذا المبحث بأن حديث عائشة " إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا" وأشار إلى وجهه وكفيه" ليس فيه حجة على جواز كشف وجه المرأة؛ لأن المراد به هو ما يحل للمرأة إظهاره لمن يباح لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب؛ وليس ما تظهره للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها أن تحتجب منهم.
[ ٢٢٦ ]