١) لم يرد نص صحيح مرفوع إلى النبي - ﷺ - على أن إحرام المرأة في وجهها:
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٦/ ١١٢): ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي - ﷺ - أنه قال (إحرام المرأة في وجهها) (^١) وإنما هذا قول بعض السلف.
وقال ابن القيم في حاشية سنن أبي داود (٥/ ١٩٩): هذا الحديث لا أصل له ولم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمد عليها ولا يعرف له إسناد ولا تقوم به حجة ولا يترك له الحديث الصحيح الدال على أن وجهها كبدنها وأنه يحرم عليها فيه ما أعد للعضو كالنقاب والبرقع ونحوه لا مطلق الستر.
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى موقوفا على ابن عمر ٥/ ٤٧ (٨٨٣٠). وقال في معرفة السنن والآثار (٤/ ٧): وروي ذلك عنه مرفوعًا ورفعه ضعيف.
[ ١١٥ ]
٢) وكذلك ما روي في المنع من النقاب فإنه لم يثبت رفعه إلى النبي - ﷺ -:
كما في سنن البيهقي الكبرى (٥/ ٤٧): قال أبو داود ورواه عبيد الله بن عمر ومالك بن أنس وأيوب عن نافع موقوفا على ابن عمر (المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين) (٨٨٢٩) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قال أبو علي الحافظ: لا تنتقب المرأة من قول ابن عمر وقد أدرج في الحديث.
فنهي المحرمة عن النقاب والقفاز لم يصح رفعه إلى الرسول - ﷺ - والصحيح وقفه على ابن عمر.
ويؤكد ذلك عدة أمور:
١ - لو كان النهي عن الانتقاب من قول الرسول - ﷺ - لنصت عليه عائشة ﵂ ولكنها عبرت عنه بالبرقع فقالت فيما صح عنها مما رواه الأسود بن يزيد النخعي عن عائشة ﵂ قالت (تلبس المحرمة ما شاءت إلا البرقع والمتورد بالعصفر) (^١) وقالت في رواية البيهقي "ولا تتبرقع ولا تلثم".
ولذلك قال ابن المنذر (ت: ٣١٩ هـ) في الإشراف على مذاهب العلماء (٣/ ٢٢١):
أما البرقع والنقاب - للمحرمة- فمكروه، لأن كراهية ذلك ثابتة عن سعد وابن عمر وابن عباس وعائشة".اهـ
فلو كان النهي نهي رسول الله - ﷺ - لكان مرجع النهي والكراهة إليه.
_________________
(١) قال ابن تيمية في شرح العمدة ٣/ ١٠١ رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح.
[ ١١٦ ]
٢ - أنه لم يرد النص على تسمية ما تغطي به النساء وجوههن؛ نقاب على عهد النبي - ﷺ - في حديث صحيح. ويؤكد ذلك ما أُثر عن محمد بن سيرين أنه قال (النقاب محدث) كما في غريب الحديث لأبي عبيد بن سلام (٤/ ٤٦٣) قال: حديث محمد بن سيرين أنه قال (النقاب محدث)، النقاب عند العرب هو الذي يبدو منه المحجر، والذي أراد محمد أن يقول إن إبداءهن المحاجر محدث؛ وإنما كان النقاب لاحقا بالعين أو أن يبدوا إحدى العينين والأخرى مستورة، عرفنا ذلك بحديث يحدثه هو عن عبيدة أنه سأله عن قوله عز وعلا ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ قال فقنع رأسه وغطى وجهه وأخرج إحدى عينيه وقال هكذا. فإذا كان النقاب لا يبدو منه إلا العينان فقط فذلك الوصوصة واسم ذلك الشيء الوصواص وهو الثوب الذي يغطى به الوجه. قال وإنما قال هذا محمد لأن الوصاوص والبراقع كانت لباس النساء ثم أحدثن النقاب بعد ذلك (^١). اهـ
فالذي ينبغي أن تحمل عليه الآثار الواردة في نهي المرأة المحرمة عن البرقع والنقاب؛ أن المراد هو عدم تكشفها بالشد على وجهها وإبداء محاجرها أو شيء من وجهها، بل يجب عليها حال إحرامها أن تكون أكثر تسترا بإسدال الثوب من فوق رأسها على وجهها.
_________________
(١) جاء في فقه اللغة وسر العربية للثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) (ص/ ١٤٢): "عن الفراء" إذا أدنت المرأة نقابها إلى عينيها فتلك الوصوصة. فإذا أنزلته دون ذلك إلى المحجر فهو النقاب.
[ ١١٧ ]