قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢/ ٣٨٩): وحملنا على قبول رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وإن كان لم يلقه لأنها في الحقيقة عنه عن مجاهد وعكرمة عن ابن عباس.
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ١١٠): "وعلي يقال لم يسمع من ابن عباس لكنه إنما أخذ التفسير عن ثقات أصحابه مجاهد وغيره وقد اعتمده البخاري وأبو حاتم وغيرهما في التفسير". وقال في الأمالي المطلقة (١/ ٦٢): " قالوا لم يسمع علي بن أبي طلحة من ابن عباس وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وسعيد بن جبير عنه. قلت بعد أن عرفت الواسطة وهي معروفة بالثقة حصل الوثوق به".اهـ.
فهذه شهادة باتصال تفسيره إلى ابن عباس.
أما قول الشيخ الألباني أن علي بن أبي طلحة " قد تكلم فيه" فهذه إشارة إلى أنه ليس بالضعيف الذي يرد حديثه؛ فقد روى عنه الثقات وخرج له مسلم، ووثقه العجلي وذكره ابن حبان في ثقاته، وعدّه الدارقطني في كتابه (ذكر أسماء التابعين ومن بعدهم ممن صحت روايته عن الثقات عند البخاري ومسلم). وقال الحافظ ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٥٤١): علي بن أبي طلحة ثقة. وقال الحافظ ابن حجر في الأمالي المطلقة (١/ ٦٢): وقد اعتمد البخاري في أكثر ما يجزم به معلقا عن ابن عباس في التفسير على نسخة معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة هذا.
[ ١٧٦ ]
قال السيوطي في الإتقان (٢/ ٣ - ٥): عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. اهـ
العلّة الثانية: وهي قوله عن عبد الله بن صالح "فيه ضعف" وهذه إشارة إلى أنه ليس بالضعيف الذي يرد حديثه، إذ أن حديثه لا ينزل عن رتبة الحسن:
- قال عمر الوادياشي الأندلسي في تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج (٢/ ٢٥٣) منكرا على ابن حزم تضعيفه له فقال: وقد روى عنه ابن معين والبخاري وقال أبو زرعة حسن الحديث.
- قال الحافظ ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٤/ ٦٧٨): والحديث من أجله حسن (^١)، والرجل من أهل الصدق، ولم يثبت عليه ما يسقط له حديثه، لكنه مختلف فيه.
قال النووي في التقريب (ص/ ٣٠): إذا كان راوي الحديث متأخرًا عن درجة الحافظ الضابط، مشهورًا بالصدق والستر فروي حديثه من غير وجه قوي وارتفع من الحسن إلى الصحيح. اهـ
_________________
(١) الحسن كما في فتح المغيث (١/ ٩٢): الحسن لذاته: هو الحديث المتصل الإسناد برواة معروفين بالصدق، في ضبطهم قصور عن ضبط رواة الصحيح، ولا يكون معلولا ولا شاذا، ومحصله أنه هو والصحيح سواء، إلا في تفاوت الضبط.
[ ١٧٧ ]
وحديث ابن عباس هذا له من الشواهد الصحيحة ما يتقوى بها، ولذلك فإن هذه الرواية تعد من الروايات الثابتة والمعتبرة عند المفسرين والمحدثين:
- قال الإمام جلال الدين السيوطي في الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٥): وأولى ما يرجع إليه في ذلك ما ثبت عن ابن عباس وأصحابه الآخذين عنه فإنه ورد عنهم ما يستوعب تفسير غريب القرآن بالأسانيد الثابتة الصحيحة. وها أنا أسوق هنا ما ورد من ذلك عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه.
- قال الحافظ ابن حجر في كتابه العجاب في بيان الأسباب (١/ ٢٠٣) بعد أن عدَّ الذين اعتنوا بجمع التفسير: والذين اشتهر عنهم القول في ذلك من التابعين أصحاب ابن عباس وفيهم ثقات وضعفاء؛ فمن الثقات:
١ - مجاهد بن جبر ٢ - عكرمة ٣ - ومن طريق معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعلي صدوق لم يلق ابن عباس لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه، فلذلك كان البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة. اهـ
- قال إدريس الصمدي في تحقيقه لأحكام النظر (ص/١٧٦): ورجال هذه الرواية كلهم ثقات وقد احتج برواية علي بن أبي طلحة هذه عن ابن عباس البخاري في "الجامع الصحيح" وجمال الدين القاسمي في تفسيره، والإمام
[ ١٧٨ ]
القرطبي في تفسيره، وكذلك ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة، فكانت هذه الرواية قوية عندهم. اهـ
ثالثا: استشهد الشيخ الألباني بأثر ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشدُّ على جبينها) مع تصريحه بضعفه؛ على أنه يناقض أثر العين الواحدة لابن عباس، وأنكر على مخالفيه استشهادهم لتقوية أثر العين الواحدة بما صح عن قتادة أنه قال" أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب" (^١)؛ لأنه يرى أنه يناقضه!! والصحيح أن أثر ابن عباس (وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشد على جبينها) وأثر قتادة (أن الله أخذ عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب) كلها توافق أثر ابن عباس (يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة)؛ ولا تناقضه، فكلها تحمل معنى تغطية الوجه وإن اختلفت كيفية التغطية، ومما يشهد لصحة ذلك ما يأتي:
١) أن هذا ما حملها عليه أهل التفسير: كالقرطبي والشوكاني وغيرهما فقد حملوا قول ابن عباس وقتادة على تغطية الوجه برد طرف الجلباب وعطفه على الأنف بعد شدّه على الجبين - وهذا هوالتقنع - ولم يقل أحد منهم أن المراد أن تقنع الشعر وتشد الجلباب على الجبين دون تغطية للوجه!!
_________________
(١) الطبري في تفسيره ٢٢/ ٤٦ صحح الألباني إسناده في الرد المفحم /٥٢.
[ ١٧٩ ]
- قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣) والثعالبي في تفسيره (٣/ ٢٣٦): والجلباب هو الثوب الذي يستر جميع البدن، واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة، وقال ابن عباس أيضًا وقتادة ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.
- قال العلامة محمد بن جزي الكلبي في التسهيل لعلوم التنزيل (٣/ ١٤٤): والجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أكبر من الخمار، وقيل: هو الرداء، وصورة إدنائه عند ابن عباس أن تلويه على وجهها حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقيل: أن تلويه حتى لا يظهر إلا عيناها.
- قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط (٧/ ٢٤٠) والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٣٠٤): وقال ابن عباس وقتادة وذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.
- قال الألوسي في روح المعاني (٢٢/ ٨٩): قال ابن عباس وقتادة تلوى الجلباب فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكن تستر الصدر ومعظم الوجه وفي رواية أخرى عن الحبر رواها ابن جرير؛ تغطى وجهها من فوق رأسها بالجلباب وتبدي عينا واحدة.
[ ١٨٠ ]
- قال الزمخشري في تفسيره الكشاف (٣/ ٥٦٠): "ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة ".
- وقال الألوسي في تفسيره (روح المعاني) (٢٢/ ٨٩): وإدناء ذلك عليهن أن يتقنعن فيسترن الرأس والوجه بجزء من الجلباب مع إرخاء الباقي على بقية البدن.
- وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٧٤) والعيني في عمدة القاري (٢١/ ٣٠٨) والعظيم آبادي في عون المعبود (١١/ ٩٢) كلهم اتفقت عبارتهم في تعريف التقنع بقولهم: التقنع؛ هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.
وبذلك تبين أن أثر ابن عباس وأثر قتادة؛ توافق أثر العين الواحدة لابن عباس وتعد من الشواهد التي يتقوى بها.
رابعا: احتج الشيخ الألباني بإدراج الطبري لقول ابن عباس "وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها" تحت قوله: "وقال آخرون: بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن" مستشهدا بذلك على أن الطبري يريد أن الفريق الآخر يرى أن الإدناء يكون بوضع الجلباب على الرأس وشده على الجبين دون تغطية الوجه!! وهذا تأويل مخالف لمراد الطبري من تقسيمه؛
[ ١٨١ ]
قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ): يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ - يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فيكشفن شعورهن ووجوههن ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول. ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به فقال بعضهم هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا واحدة وقال آخرون بل أمرن أن يشددن جلابيبهن على جباههن ذكر من قال ذلك عن
ابن عباس قال "كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشد على جبينها"حدثنا ابن حميد عن أبي صالح " يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة". (^١) اهـ
ويتبين خطأ الشيخ الألباني في فهمه لمراد الطبري بالآتي:
١ - قول الطبري: (ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء) يدل على أنهم لم يختلفوا على ما ذكره قبل ذلك، وهو قوله: (قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن فكشفن شعورهن ووجوههن) أي أنهم متفقون على أن مراد الله من هذا الأمر هو أن تغطي نساء المؤمنين وجوههن بإدناء الجلابيب عليها، ولكن اختلفوا في صفة
_________________
(١) انظر: جامع البيان ٢٢/ ٤٥ - ٤٧.
[ ١٨٢ ]
الإدناء كيف تكون لتحقيق هذه التغطية، ولذلك نجد أن من نقل من أهل العلم عن الطبري تفسير هذه الآية لا يذكر هذا الخلاف:
كما في عون المعبود (١١/ ١٠٦): وقوله ﴿جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهن إلا عينا واحدة كذا في الجلالين، وقال الطبري في جامع البيان الجلباب رداء فوق الخمار تستر من فوق إلى أسفل يعني يرخينها عليهن ويغطين وجوههن وأبدانهن انتهى.
٢ - اسقط الشيخ الألباني من قول ابن عباس ما يبين الضابط في تقسيم الطبري وهو قوله (يغطين وجوههن "من فوق رؤوسهن بالجلابيب" ويبدين) فأسقط قوله (من فوق رؤوسهن بالجلابيب) ولذلك لم يتبين الضابط في تقسيم الطبري، وهو أن هناك فريقا قال إن تغطية الوجهتكون بسدل الجلباب على الوجه من فوق الرأس دون شدّ للجلباب حتى لا يظهر منها إلا عينا واحدة، واستشهد بقول ابن عباس وعبيدة، والفريق الآخر قال أن تغطية الوجه تكون من أسفل؛ بشد الجلباب على الجبين ثم رد طرفه من أسفل وعطفه على الأنف فيغطي بذلك الوجه عدا العينين وهو التقنع. واستشهد بقول ابن عباس " أن تقنع وتشد على جبينها" وبقول قتادة " يقنعن على الحواجب " وقول أبو صالح "يقنعن بالجلباب".
هذا مفاد تقسيم الطبري؛ وهو ما فهمه أهل التفسير من قول ابن عباس وقتادة؛ قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٤/ ٢٤٣) والمفسر النحوي أبو حيان في
[ ١٨٣ ]
البحر المحيط (٧/ ٢٤٠): "واختلف الناس في صورة إرخائه فقال ابن عباس وعبيدة السلماني ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها، وقال ابن عباس أيضًا وقتادة ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه".
وهو الموافق لمعنى التقنع كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٧٤): التقنع؛ هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره.
* وبذلك يتبين صحة الاحتجاج بأثر ابن عباس" أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن ويبدين عينًا واحدة" للأمور الآتية:
(١) أنه أصح إسنادا: كما أسلفنا عن السيوطي في الإتقان (٢/ ٣ - ٥) قال: عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة خاصة فإنها من أصح الطرق عنه وعليها اعتمد البخاري في صحيحه. اهـ
وكما قال إدريس الصمدي في تحقيقه لأحكام النظر (ص/١٧٦): ورجال هذه الرواية كلهم ثقات وقد احتج برواية علي بن أبي طلحة هذه عن ابن عباس البخاري في "الجامع الصحيح" وجمال الدين القاسمي في تفسيره، والإمام القرطبي في تفسيره، وكذلك ابن كثير في تفسيره في مواضع عديدة، فكانت هذه الرواية قوية عندهم. اهـ
[ ١٨٤ ]