والقسم الثاني: من لم يستثن في الآية ممن يحل له الدخول والنظر دون حجاب ومنهم (عبد المرأة إذا كان من أولي الأربة، العبيد المملوكون للغير، الذي لم يبلغ الحلم من الأحرار- أي الصبية المميزين-) وهؤلاء وإن كان يحل لهم الدخول والنظر إلا أن المرأة لا تبدي لهم إلا الزينة الظاهرة (الوجه والكفين)
والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ النور: ٣١
_________________
(١) وسيأتي بيان ذلك مستوفيا أيضا في مناقشة البحث التاسع إن شاء الله وهؤلاء هم من وقع الخلاف بين الفقهاء في حكم نظرهم للمرأة، فمنهم من أطلق جواز نظره للوجه والكفين من المرأة للآية، ومنهم من قيد الجواز بالحاجة وأمن الفتنة، ومنهم من منع من النظر لغير حاجة لأنه مظنة الفتنة. وهذا هو مدار الخلاف بين الفقهاء في مسألة النظر؛ وهو الذي بنى عليه الشيخ الألباني رأيه في مسألة تغطية الوجه كما سترى استشهاده ببعض أقوالهم في هذه البحوث، أما تغطية وجه المرأة الحرة عن الرجل الحر الأجنبي فلا خلاف فيه بين الأئمة الأربعة ومن تقدم من الفقهاء وإنما نشأ الخلاف بين من تأخر من فقهاء المذاهب بناء على ما ذكرنا. - خامسا: مما استشهد به الشيخ الألباني من هذه الخلافات: ١) استشهد الشيخ الألباني بقول ابن حزم في مراتب الإجماع" (ص ٢٩) " واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة واختلفوا في الوجه
[ ٧٣ ]
واليدين حتى أظفارهما عورة هي أم لا؟ " وأقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى. اهـ
وهذا القول من ابن حزم؛ كان عن عورة المرأة في الصلاة وليس عن عورة المرأة بالنسبة للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم؛ ولذلك أقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه عليه، ولم يتعقبه كما فعل في بعض المواضع الأخرى!! وهذا قول ابن حزم في مراتب الإجماع (١/ ٢٩): "كتاب الصلاة" واتفقوا أن ستر العورة فيها لمن قدر على ثوب مباح لباسه له فرض، واتفقوا على أن من لبس ثوبا طاهرا كثيفا واحدا فغطى سرته وركبته وما بينهما وطرح منه على عاتقه أن صلاته فيه تجزئه، (واتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة، واختلفوا في الوجه واليدين حتى أظفارهما أعورة هي أم لا) واتفقوا أن الأمة إن سترت في صلاتها شعرها وجميع جسدها فقد أدت صلاتها. اهـ
٢) استشهد الشيخ الألباني بقول ابن هبيرة؛ وليس كما أشار إليه الشيخ الألباني أنه من كتابه " الإفصاح " الذي يعد من كتب شروح الحديث، وإنما هو من كتابه في الفقه: "اختلاف الأئمة العلماء" وفي معرض كلامه عن عورة المرأة في الصلاة، وإليك الموضع الذي نقل منه الشيخ الألباني قول ابن هبيرة من كتابه "اختلاف الأئمة العلماء" (١/ ١٠١): باب شروط صحة الصلاة واختلفوا في عورة المرأة الحرة وحدها. وقال أبو حنيفة: كلها عورة إلا الوجه والكفين والقدمين. وقد روي عنه أن قدميها عورة. وقال مالك والشافعي: كلها عورة إلا
[ ٧٤ ]
وجهها وكفيها. وقال أحمد في إحدى روايتيه: كلها عورة إلا وجهها وكفيها كمذهبهما، وهي اختيار الخرقي. واختلفوا في عورة الأمة اهـ
أما في عورة المرأة في النظر؛ فإن ابن هبيرة يرى أن المشهور من كلام أحمد أن المرأة كلها عورة حتى ظفرها، قال إبراهيم بن محمد بن مفلح في المبدع (١/ ٣٦٢): الحرة البالغة كلها عورة حتى ظفرها، ذكر ابن هبيرة أنه المشهور، وقال القاضي وهو ظاهر كلام أحمد لقول النبي - ﷺ - المرأة عورة. اهـ
٣) من العجيب استشهاد بعض فقهاء المذاهب الأخرى بقول الإمام أحمد:
(ظفر المرأة عورة فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفها فإن الخف يصف القدم وأحب إلي أن تجعل لكمها زرا عند يدها لا يبين منها شيء) (^١) على عورة المرأة في الصلاة! رغم أن قوله صريح بأنه عند الخروج من البيت، بقرينة قوله" فإذاخرجت"، وكما ذكر القاضي في المبدع أن مستند الإمام أحمد في ذلك قول الرسول - ﷺ - "
المرأة عورة" (^٢)، كما أُثر هذا القول عن التابعي الجليل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أحد الفقهاء السبعة بإسناد صحيح إليه أنه قال (كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها). (^٣)
_________________
(١) انظر الفروع ٥/ ١١٠، كشاف القناع ١/ ٤٦٩
(٢) الترمذي (١١٧٣) صحيح ابن خزيمة ٣/ ٩٣ (١٦٨٥) صحيح ابن حبان ١٢/ ٤١٣ (٥٥٩٩) وصححه الألباني في صحيح جامع الترمذي ٣/ ٤٧٦.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٥٣ (١٧٧١٢).
[ ٧٥ ]
ومن ذلك ما استشهد به الشيخ الألباني من قول ابن عبد البر في التمهيد عن عورة المرأة في الصلاة (٦/ ٣٦٣ - ٣٦٧): (وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه، وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه لأنها كلها عورة إلا الوجه والكفين .. وقال أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها قول أبي بكر هذا خارج عن أقاويل أهل العلم لإجماع العلماء على أن للمرأة أن تصلي المكتوبة ويداها ووجهها مكشوف وقد روي نحو قول أبي بكر عن أحمد بن حنبل)!! وهذا كما هو ظاهر لأن ابن عبد البر حمل كلام أبي بكر على أنه يعني عورتها في الصلاة ولذلك أنكر عليه هذا القول. أما قول ابن عبد البر عقبه (وأجمعوا على أنها لا تصلى متنقبة ولا عليها أن تلبس قفازين في الصلاة وفي هذا أوضح الدلائل على أن ذلك منها غير عورة، وجائز أن ينظر إلى ذلك منها كل من نظر إليها بغير ريبة ولا مكروه، وأما النظر للشهوة فحرام تأملها من فوق ثيابها لشهوة فكيف بالنظر إلى وجهها مسفرة)
فيتبين من قوله (كل من نظر إليها) أن مراده كل من جاز له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب؛ من محارم، أو أجانب مملوكين أو أتباع، أما الرجال الأحرار الأجانب فمن المعلوم منعهم من النظر إليها، ومما يشهد لذلك؛ أن ابن عبدالبر صرّح في موضع آخر بأن الحجاب حال دون النظر للنساء لتغطيتهن لوجوههن إثر نزول آيات الحجاب: فقال في التمهيد (٨/ ٢٣٥): احتجاب النساء من الرجال لم يكن في أول الإسلام وأنهم كانوا يرون النساء ولا يستتر نساؤهم عن رجالهم حتى نزلت آيات الحجاب فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ
[ ٧٦ ]
حِجَابٍ﴾ الأحزاب: ٥٣ ثم نزلت ﴿يَاأَيُّهَا قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٩ فأمر النساء بالحجاب ثم أمرن عند الخروج أن يدنين عليهن من جلابيبهن وهو القناع.
٤) استشهد الشيخ الألباني من كتاب الفقه على المذاهب الأربعة (١/ ١٩٨) ونسبه للجنة من العلماء؛ وهو لعبد الرحمن الجزيري (ت ١٣٦٠ هـ) فقط وليس للجنة من العلماء!! كما أن ما استشهد به منه؛ فهو عن عورة المرأة في بيتها وعند خدمتها أمام من يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم، قال عبد الرحمن الجزيري: ستر العورة خارج الصلاة: يجب على المكلف ستر عورته خارج الصلاة وحد العورة من المرأة الحرة خارج الصلاة هو ما بين السرة والركبة إذا كانت في خلوة، أو في حضرة محارمها أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي أو امرأة غير مسلمة فعورتها جميع بدنها، ما عدا الوجه والكفين، فإنهما ليسا بعورة، فيحل النظر لهما عند أمن الفتنة وكذلك ما يظهر من المرأة المسلمة عند الخدمة في بيتها كالعنق والذراعين، ومثل الكافرة كل امرأة فاسدة الأخلاق).اهـ
وممّا يشهد أن مراده من يجوز له الدخول على المرأة في بيتها والنظر إليها دون حجاب من الرقيق ونحوهم الآتي:
١ - قوله (إذا كانت بحضرة رجل أجنبي) أي بدخوله عليها، وهذا يبعد عموم الرجال الأجانب ويخص من أباح لهم الشرع الدخول من العبيد ونحوهم.
[ ٧٧ ]
٢ - قوله (أو امرأة غير مسلمة) بعد قوله (أما إذا كانت بحضرة رجل أجنبي) فقرن بين فئتين قرن الله بينهما في كتابه ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ وهذا يشهد أن مراده بالرجل الأجنبي العبد المملوك.
٣ - قوله (وكذلك ما يظهر من المرأة المسلمة عند الخدمة في بيتها كالعنق والذراعين).
٥) قال الشيخ الألباني: وقد كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة وعن النووي مثله، وأنه مذهب الأئمة الثلاثة ورواية عن أحمد، فبعض هذه الأقوال من هؤلاء العلماء الكبار كافية لإبطال دعوى الشيخ الإجماع فكيف بها مجتمعة؟! اهـ
والجواب عليه بالآتي:
١ - قوله " كنت نقلت عن ابن رشد: أن مذهب أكثر العلماء على وجه المرأة ليس بعورة" فهذا مثل ما نقله أيضا عن المرداوي وابن قدامه وابن هبيرة عن عورة المرأة في الصلاة! وهذا قول ابن رشد الذي نقل منه الشيخ الألباني موضع الشاهد من كتابه بداية المجتهد (١/ ٧٦ - ٩٥): كتاب الصلاة الصلاة تنقسم أولا وبالجملة إلى فرض، وندب الباب الرابع ينقسم إلى فصلين: أحدهما: في ستر العورة والثاني: فيما يجزئ من اللباس في الصلاة الفصل الاول اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا هل هو شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟ وكذلك اختلفوا في حد العورة من الرجل والمرأة وأما
[ ٧٨ ]
المسألة الثانية: وهو حد العورة من الرجل، وأما المسألة الثالثة: وهي حد العورة من المرأة، فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة، ما خلا الوجه، والكفين. وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة. اهـ
ومما يؤكد ذلك أن ابن رشد صرّح في موضع آخر بأن فرض الحجاب على النساء حال دون النظر إليهن: قال أبو الوليد ابن رشد القرطبي (ت ٥٩٥ هـ) في بداية المجتهد (١/ ١٨٣): وسبب الفرق أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال، بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن.
كما قال ابن رشد في البيان والتحصيل (١٧/ ٤٩١): وقد قيل إنه لا يصح للمرأة أن تنظر من الرجل إلا إلى ما يصح للرجل أن ينظر منها، على فعل عائشة في احتجابها من الرجل الأعمى. أهـ
٢ - قوله (وعن النووي مثله) صحيح أيضا مثله عن عورة المرأة في الصلاة؛ وهو قول النووي في كتابه المجموع (٣/ ١٦٧): (فرع) في مذاهب العلماء في ستر العورة في الصلاة. . . وعورة الرجل ما بين السرة والركبة. . . وأما الحرة فجميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين. اهـ
أما عورة النظر؛ فقال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٤/ ٣١): وأما نظر الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها. وقال في موضع آخر منه (١٧/ ١١٦): واعلم أن في حديث الإفك فوائد كثيرة التاسعة عشر: تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي سواء كان صالحا أو غيره. وقال في المجموع (٨/ ٧٥):
[ ٧٩ ]