وسنذكر من الشواهد والقرائن في الآية ومما أُثر عن الصحابة والتابعين ومن أقوال المفسرين وغيرهم من أهل العلم ما يؤكد ما ذكرنا؛ من أن هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ تُبين ما يجوز للمرأة إظهاره لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممّن لم يستثن في الآية؛ وليس المراد ما تظهره المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم:
- أولا: ما أثر عن الصحابة والتابعين في تفسير هذه الآية يؤكد هذا المعنى ويشهد له:
وقد أشار الشيخ الألباني إلى من فسّر الزينة الظاهرة بالوجه والكفين؛ مكتفيا بسرد أسمائهم ومخرجي أقوالهم! وبالرجوع إلى أقوالهم في المواضع المشار إليها يتبين أنهم لم يقتصروا في تفسير الزينة الظاهرة على (الوجه والكفين) فقط بل زاد بعضهم (الخاتم والسوار) مما يشهد لما ذكرنا لأنه لم يقل أحد من أهل العلم بجواز إبدائها للرجال الأجانب ولا الشيخ الألباني نفسه! وهذه أقوالهم في تفسير قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾:
١ - عائشة ﵂:
[ ٢٣١ ]
- عند الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٩): قالت: (القلب والفتخة) والقلب: هو السوار، والفتخة: وهي خواتيم كبار. (^١) إسناده صحيح.
- عند ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي؛ قالت: (القلب والفتخة). (^٢) إسناده صحيح.
- عند البيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٢٦) قالت: (الوجه والكفان) إسناده ضعيف. (^٣)
٢ - عبد الله بن عباس - ﵁ -
- عند ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤٦): قال (الكف ورقعة الوجه) وفي إسناده مقال.
- عند الطحاوي قال: (الكحل والخاتم) (^٤) اسناده صحيح
- عند البيهقي من عدة طرق قال (الكحل والخاتم) (^٥) اسناده صحيح
_________________
(١) النهاية في غريب الأثر (٤/ ٩٨) (٣/ ٤٠٨).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤٦) تفسير ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٧٥) سنن البيهقي الكبرى (٧/ ٨٦).
(٣) ضعفه الشيخ الألباني في الرد المفحم/ ١٢٩.
(٤) شرح معاني الآثار (٤/ ٣٣٢).
(٥) سنن البيهقي الكبرى (٧/ ٨٥) (٢/ ٢٢٥).
[ ٢٣٢ ]
- عند ابن جرير الطبري (١٨/ ١١٨) قال (الوجه وكحل العين وخضاب الكف والخاتم فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها). اسناده حسن.
- عند ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٧٤) قال (وجهها وكفاها والخاتم) (^١).اسناده صحيح
- عند ابن جرير الطبري (١٨/ ١١٩) قال (الخاتم والمسكة). المسكة: السوار. اسناده صحيح
- عند ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤٧) قال: (وجهها وكفها) وعند البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٢٢٥): قال (ما في الكف والوجه) وإسنادهما ضعيف. (^٢)
٣ - عبد الله بن عمر - ﵁ -:
- عند ابن أبي شيبة (٣/ ٥٤٦) قال: (الوجه والكفان). (^٣) وما أشبه إسناده بإسناد أثر ابن عباس في تفسير آية الإدناء الذي رماه الشيخ بالضعف!! ولذلك عزا تصحيحه لابن حزم!!
_________________
(١) صحح إسناده يحيى بن معين في الجزء الثاني (الفوائد) ١/ ٨٨.
(٢) ضعفه الشيخ الألباني في الرد المفحم /١٣٣.
(٣) في إسناده هشام بن الغاز: قال المزي في تهذيب الكمال (٣٠/ ٢٥٩): قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، قال عبد الرحمن بن إبراهيم: مستقيم الحديث. وفيه شبابة بن سوار: قال المزي في تهذيب الكمال (١٢/ ٣٤٧): قال علي بن المديني: شيخ صدوق إلا أنه كان يقول بالإرجاء، وقال محمد بن سعد: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به، قال ابن عدي: لا بأس به.
[ ٢٣٣ ]
٤ - أنس بن مالك - ﵁ -:
- عند ابن المنذر كما في الدر المنثور (٦/ ١٧٩) والبيهقي في سننه الكبرى (٢/ ٢٢٥) قال: (الكحل والخاتم) إسناده صحيح
٥ - أبو هريرة - ﵁ -:
- عند ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٣٦٨) قال: (القلب والفتخة) إسناده صحيح.
٦ - المسور بن مخرمة - ﵁ -:
- عند ابن جرير الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٩) قال (القلبين والخاتم والكحل).
وبعد أن عرضنا هذه الأقوال التي أشار إليها الشيخ الألباني دون أن ينقلها؛ ننقل أيضا ما أشار إليه من تصحيح ابن حزم لبعض هذه الأقوال دون أن ينقل قول ابن حزم أو يشير إلى الموضع الذي صححها فيه!!
قال ابن حزم في المحلى (٣/ ٢٢١): وقد روينا عن ابن عباس في ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال (الكف والخاتم والوجه)، وعن ابن عمر (الوجه والكفان)، وعن أنس (الكف والخاتم) وكل هذا عنهم في غاية الصحة، وكذلك أيضا عن عائشة وغيرها من التابعين. اهـ
[ ٢٣٤ ]
فالأثر الذي صححه ابن حزم عن ابن عباس وأنس؛ فيه أن الخاتم من الزينة الظاهرة، كما أن ابن حزم أشار إلى صحة ما أثر عن عائشة؛ ولم يصح عنها إلا قولها (القلب والفتخة) وغيرها من التابعين من تلامذة ابن عباس:
- قتادة عند الطبري (١٨/ ١١٨) قال (المسكتان والخاتم والكحل).
- سعيد بن جبير عند الطبري (١٨/ ١١٧) قال: (الكحل والخاتم).
- مجاهد عند الطبري (١٨/ ١١٧) قال: (الكحل والخضاب والخاتم).
فخلاصة ما صح عن الصحابة؛ عائشة، وابن عباس، وأبي هريرة، والمسور بن مخرمة والتابعين؛ سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة؛ أن الزينة الظاهرة هي: الكحل والخاتم والسوار. فإذا ثبت عن كبار الصحابة والتابعين أن الخاتم والسوار من الزينة الظاهرة؛ دل ذلك على أن الذين تبدى لهم الزينة الظاهرة هم ممن يباح لهم الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب، لأنه من الثابت شرعا النهى عن إبداء هذه الزينة للرجال الأجانب. (^١)
_________________
(١) قال الشيخ الألباني في جلباب المرأة /٨٩: فثبت أن الوجه ليس بعورة يجب ستره لكن ينبغي تقييد هذا بما إذا لم يكن على الوجه وكذا الكفين شيء من الزينة لعموم قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن) وإلا وجب ستر ذلك ولا سيما في هذا العصر الذي تفنن فيه النساء بتزيين وجوههن وأيديهن بأنواع من الزينة والأصبغة مما لا يشك مسلم في تحريمه.
[ ٢٣٥ ]
قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره (١٩/ ١٥٨):
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: قول من قال: عنى بذلك: الوجه والكفان، يدخل في ذلك: الكحل، والخاتم، والسوار، والخضاب. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل؛ لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلا ما روي عن النبي - ﷺ - أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف. اهـ
وقال ابن عطية (ت ٥٤٢ هـ) في المحرر الوجيز (٤/ ١٧٨) والقرطبي (ت ٦٧١ هـ) في الجامع لأحكام القرآن (١٢/ ٢٢٨) والشوكاني في فتح القدير (٤/ ٢٧): أمر الله ﷾ النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارا من الافتتان، ثم استثنى ما يظهر من الزينة، واختلف الناس في قدر ذلك وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ، ونحو هذا فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. قال القرطبي: فهذا أقوى من جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها. اهـ
فلما ثبت أن المراد بالزينة الظاهرة؛ ما تبديه المرأة لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب؛ ثبت بذلك براءة ابن عباس مما نسب إليه من القول بجواز كشف الوجه.
[ ٢٣٦ ]
قال أ. د. حكمت بن بشير بن ياسين في الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (٣/ ٤٦٣): أخرج الطبري بسنده الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال: " والزينة الظاهرة: الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم فهذه تظهر في بيتها لمن دخل من الناس عليها" هكذا تمام كلام ابن عباس ولكن كثيرًا من العلماء ينقلون عنه الشق الأول! فما نسب إلى ابن عباس بأن المراد من قوله تعالى (إلا ما ظهر منها) الوجه والكفان، ليس مطلقًا وإنما هو مقيد في بيتها لمن دخل من الناس عليها. ومما يؤكد هذا تفسيره لقوله تعالى (يدنين عليهن من جلابيبهن) فقد أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن عباس قال: " أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينًا واحدة" فقد صح مثله عن عبيدة السلماني. وانظر الرواية التالية لابن عباس: أخرج الطبري بسنده الحسن عن ابن عباس، قال ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ إلى قوله: ﴿عورات النساء﴾ قال: الزينة التي يبدينها لهؤلاء: قرطاها وقلادتها وسوارها، فأما خلخالاها ومعضداها، ونحرها، وشعرها فإنه لا تبديه إلا لزوجها " وفيها أن الزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها وقلادتها وسواراها، وأما الخلخال والنحر والشعر فلا تبديه إلا لزوجها. ومع الأسف الشديد أن مسألة جواز كشف الوجه واليدين ينسبه العلماء لابن عباس على إطلاقه، فليحرر.
[ ٢٣٧ ]