_________________
(١) :: مناقشة البحث العاشر::
(٢) الإمام السرخسي ممن يقول بالفرق بين الحرائر والإماء في الحجاب: فقد قال في كتابه المبسوط في الصفحة السابقة للصفحة للتي أشار إليها الشيخ الألباني (١٠/ ١٥١): وأما النظر إلى إماء الغير والمدبرات وأمهات الأولاد والمكاتبات فهو كنظر الرجل إلى ذوات محارمه لقوله تعالى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الآية فأمر الله تعالى الحرائر باتخاذ الجلباب ليعرفن به من الإماء.
(٣) ننقل قول الإمام السرخسي بتمامه ليتبين مراده؛ قال الإمام السرخسي في المبسوط (١٠/ ١٥٢): (ولكنا نأخذ بقول علي وبن عباس رضي الله تعالى عنهما فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى وجهها وكفها وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يباح النظر إلى قدمها أيضا وهكذا ذكر الطحاوي لأنها كما تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال وبإبداء كفها في الأخذ والإعطاء تبتلى بإبداء قدميها إذا مشت حافية أو منتعلة وربما لا تجد الخف في كل وقت، وذكر في جامع البرامكة عن أبي يوسف أنه يباح النظر إلى ذراعيها أيضا لأنها في الخبز وغسل الثياب تبتلى بإبداء ذراعيها أيضا).اهـ فقد ذكر الشيخ الألباني اجتهاد السرخسي في إباحته للنظر إلى الوجه والكفين؛ ولم يذكر اجتهاده في إباحته للنظر إلى القدمين والذراعين!! وهذا يكشف أن مراد الإمام السرخسي هو ما يباح إبداؤه لمن يحل له الدخول على المرأة والنظر إليها دون حجاب من العبيد والأتباع، وليس مراده جواز كشف ذلك
[ ٢٧٩ ]
لمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب، ومما يبعد أن يكون مراده فيما سبق إطلاق جواز النظر إلى الوجه والكفين من المرأة الحرة للرجال الأحرار الأجانب: قول السرخسي في المبسوط (٢/ ٤١):
(قال) -الإمام أبو حنيفة - (وليس على النساء خروج في العيدين وقد كان يرخص لهن في ذلك فأما اليوم فإني أكره ذلك) يعني للشواب منهن فقد أمرن بالقرار في البيوت ونهين عن الخروج لما فيه من الفتنة، فأما العجائز فيرخص لهن في الخروج إلى الجماعة لصلاةالمغرب والعشاء والفجر والعيدين، ولا يرخص لهن في الخروج لصلاة الظهر والعصر والجُمَع في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى يرخص للعجائز في حضور الصلوات لأنه ليس في خروج العجائز فتنة والناس قل ما يرغبون فيهن وقد كن يخرجن إلى الجهاد مع رسول الله يداوين المرضى ويسقين الماء ويطبخن. وأبو حنيفة قال في صلوات الليل: تخرج العجوز مستترة، وظلمة الليل تحول بينها وبين نظر الرجال إليها بخلاف صلوات النهار.
(٣) أما قول الشيخ الألباني (هل يجب على النساء أن يسترن وجوههن لفساد الزمان وسدًا للذريعة؟) فإن من قال بذلك من الفقهاء الأعلام على اختلاف مذاهبهم وجلالة قدرهم؛ فمرادهم ستر ذلك حال جواز الكشف والنظر؛ أي ستر الإماء لوجوههن، وستر وجوه الحرائر عمن يحل له النظر إليهن من العبيد المملوكين ونحوهم خشية الفتنة وسدًا للذريعة؛ أما ستر وجه المرأة الحرة عمن يجب عليها الاحتجاب منهم من الرجال الأحرار الأجانب عنها؛ فهو
[ ٢٨٠ ]
واجب وفرض افترضه الله عليها بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ وليس الذي أوجبه عليها فساد الزمان وسد الذريعة.
* فقهاء المذهب الحنبلي
- المرداوي في الإنصاف (ت ٨٨٥ هـ) (٨/ ٢٦): قلت الصواب أن - الأمة- الجميلة تنتقب وأنه يحرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الحرة الأجنبية. اهـ
* فقهاء المذهب الشافعي
- غاية البيان للرملي (ت ١٠٠٤ هـ) (١/ ٢٤٧): وقضية كلام الناظم حرمة نظر الرجل الفحل - من العبيد - إلى وجه المرأة الأجنبية وكفيها عند أمن الفتنة وهو كذلك كما في المنهاج، لاتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه. (^١)
- حاشية قليوبي على شرح منهاج الطالبين (ت ١٠٦٩ هـ) (٣/ ٢٠٩): قوله (لأن النظر إلخ) فيحرم عليهن الخروج سافرات الوجوه لأنه سبب للحرام.
_________________
(١) قال الرملي الشهير بالشافعي الصغير في نهاية المحتاج (٦/ ١٨٧): وما نقله الإمام من الاتفاق على منع النساء، أي منع الولاة لهن. اهـ والمراد به كما أسلفنا منع من لم يفرض عليهن الحجاب وهن الإماء لخوف الفتنة بهن فاتفقوا على منعهن من الخروج سافرات.
[ ٢٨١ ]
* فقهاء المذهب الحنفي
- البحر الرائق لابن نجيم (ت ٩٧٠ هـ) (٢/ ٣٨١) والدر المختار (١/ ٤٠٥): تمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين الرجال في زماننا للفتنة. وفي فتاوي قاضيخان: ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة.
- مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لعبد الرحمن الكليبولي المدعو شيخي زادة (ت ١٠٧٨ هـ) (١/ ١٢٢): وفي المنتقى تمنع الشابة عن
كشف وجهها لئلا يؤدي إلى الفتنة، وفي زماننا المنع واجب بل فرض لغلبة الفساد.
* فقهاء المذهب المالكي
- مواهب الجليل للخطاب (ت ٩٥٤ هـ) (١/ ٤٩٩): واعلم أنه إن خشي من المرأة الفتنة يجب عليها ستر الوجه والكفين قاله القاضي عبد الوهاب ونقله عنه الشيخ أحمد زروق في شرح الرسالة وهو ظاهر التوضيح فهذا ما يجب عليها.
- الفواكه الدواني للنفراوي (ت ١١٢٥ هـ) (٢/ ٢٧٧): اعلم أن المرأة إذا كان يخشى من رؤيتها الفتنة وجب عليها ستر جميع جسدها حتى وجهها وكفيها وأقول الذي يقتضيه الشرع وجوب سترها وجهها في هذا الزمان.
[ ٢٨٢ ]