ــ:: مناقشة الخاتمة:: ــ
(١) بعدما تبين خطأ الشيخ الألباني فيما ذهب إليه من جواز كشف وجه المرأة الحرة وكفيها للرجال الأحرار الأجانب، وثبت أن تغطية الوجه فرض افترضه الله عليها؛ تبين الخطأ في تسمية ذلك غلوا وتشددا!! فإن التشدد المنهي عنه هو أن يجهد العبد نفسه في الطاعات حتى يعجز وينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة (^١)، فكيف إذا كان العمل بما هو فرض وواجب؟! بل إن الشيخ الألباني مع قوله بجواز الكشف؛ قال بأن تغطية الوجه هي الأفضل كقوله في الرد المفحم (ص: ١٠٩): (قد قررنا مرارا أن تغطية المرأة وجهها هو الأفضل) فكيف يوصف التمسك بالأفضل بأنه غلو وتشدد!!
(٢) أما قوله: (الأدلة القاطعة بجريان العمل بكشف الوجه في القرون المشهود لها بالخيرية، وشهادة فضلاء الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين بجواز ذلك)
فقد بيّنا أن ما جرى من كشف من النساء بعد نزول الحجاب كان بسبب كونهن من الإماء المملوكات اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب، أوكشف النساء الحرائر للعبيد المملوكين الذين لم يفرض عليهن الشرع الاحتجاب منهم، إذ لم يرد في حديث صحيح ولا ضعيف أن امرأة من النساء الحرائر كشفت وجهها للرجال الأحرار الأجانب منذ أن نزل الحجاب، بل إن الذي جرى عليه العمل
_________________
(١) كما قال ابن حجر في الفتح ١/ ٩٤.
[ ٢٨٤ ]
وظاهر القرآن والسنة والإجماع يدل على وجوب تغطية وجه المرأة الحرة لوجهها من الرجال الأحرار الأجانب.
(٣) أما قوله إن الحجاب فيه تعسير ومشقة، وأنه عائق دون قيام المرأة بواجباتها!! فيقال أليس من أمر المرأة بالقيام بواجباتها هو من أمرها بالحجاب؟! وجعل دائرة واجباتها تنحصر في بيتها؛ من رعاية شؤون بيتها وتربية أبنائها والقيام بحق زوجها (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها) وهذا كله لم يكن الحجاب حائلا دون شيء منه، بل إن من فرض عليها الحجاب أمرها بالقرار في بيتها ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فأعفاها من الجمع والجماعات وأوجب نفقتها على وليّها قطعا لأسباب الخروج. قال القرطبي في تفسيره (١٤/ ١٧٩): والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة.
ومنذ أن فرض الله الحجاب؛ والمرأة المتحجبة تقوم بدورها في بيتها وأسرتها بل ومجتمعها أحسن القيام، فلم تتعطل حركة السير ولم تتوقف دفة القيادة! بل إن الحياة الأسرية أفضل ما تكون في الأسر المحافظة، بخلاف الأسر التي سارعت نساؤها إلى هتك الحجاب وأهملن بيوتهن وخرجن يطالبن مساواتهن بالرجال!!!
وأما قوله بأن غطاء الوجه عائق دون القيام بما قد تضطر إليه المرأة من خدمة الضيوف وإطعامهم فإن الذي يحول دون المرأة وخدمة الرجال والاختلاط بهم ليس غطاء الوجه، وإنما الوقوف عند قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ثم هل غاية التيسير على المرأة والسماحة والرفق
[ ٢٨٥ ]
بها؛ أن تكشف وجهها لتعمل خادمة للضيفان وتزاول الشاق من الأعمال؟!! فليست القضية قضية هل تستطيع المرأة مباشرة تلك الأعمال وهي منتقبة! فقد رأينا في زماننا هذا البارعات في الطب وهن من المنتقبات، بل إن أدق الأعمال وأصعبها لا يزاولها الرجال إلا باللثام (^١)، ولكن القضية هل من الضرورة خروج المرأة واختلاطها بالرجال لمزاولة تلك الأعمال؟!!
(٤) استشهد ببعض الأمثلة كشاهد لما كان عليه النساء في عهد النبي - ﷺ -؛ ولكن استشهاده ليس فيه حجة على جواز الكشف للنساء الحرائر؛ وذلك لكون النساء الكاشفات من الإماء اللاتي لم يفرض عليهن الحجاب، أو لكون ما استشهد به كان قبل نزول الحجاب، ولذلك لم يستشهد بهذه الأمثلة ضمن أدلته التي استشهد بها مسبقا!! وإليك هذه الأمثلة والجواب عليها:
١ - عن سهل بن سعد قال: "لما عرَّس أبو أسيد الساعدي دعا النبي - ﷺ - وأصحابه، فما صنع لهم طعامًا ولا قدمه إليهم إلا امرأته أم أسيد فكانت امرأته يومئذ خادمهم، وهي العروس" رواه البخاري ومسلم
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٣/ ١٧٧): هذا محمول على أنه كان قبل الحجاب. اهـ
كما أن امرأته هذه قد تكون من الإماء ولذلك كانت يومئذ خادمهم.
_________________
(١) كالخوذة في القتال، والكمامات للأطباء، والمهندسين في المصانع.
[ ٢٨٦ ]
٢ - عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "تزوجني الزبير وما له غير الأرض من مال ولا شيء غير فرسه فلقيت رسول الله - ﷺ - ومعه نفر من أصحابه، فدعاني، ثم قال: "إخ إخ". ليحميني خلفه، قالت: فاستحييت". أخرجه البخاري ومسلم
وهذا مع أن ليس فيه أنها كانت كاشفة إلا أنه محمول على ما كان قبل الحجاب ولذلك لم يستشهد به أحد من أهل العلم على جواز النظر أو الكشف، يؤكد ذلك ما أسلفنا مما روته أسماء (كنا نغطي وجوهنا من الرجال) (فخرجت متلفعة بقطيفة) ولذلك قال ابن حجر في فتح الباري (٩/ ٣٢٤): والذي يظهر أن القصة كانت قبل نزول الحجاب ومشروعيته ولم تزل عادة النساء قديما وحديثا يسترن وجوههن عن الأجانب.
٣ - عن جابر: " أن النبي - ﷺ - أتى امرأة من الأنصار، فبسطت له عند صور ورشت حوله وذبحت شاة، وصنعت له طعامًا فأكل وأكلنا معه".
وهذا أيضا مع أنه ليس فيه دلالة على أنها كانت كاشفة على مرأى منهم؛ إلا أنه محمول على ما قبل الحجاب، أو أنها كانت من الجواري المملوكات، ولذلك لم يستشهد به أحد من أهل العلم على جواز النظر أو الكشف.
٤ - عن أنس قال: " لما كان يوم أحد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سُليم، وإنهما لمشمِّرتان أرى خدم سوقهما (يعني: الخلاخيل) تنفران (أي: تحملان) القِرَب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم أخرجه الشيخان.
قال ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٧٨): وهذه كانت قبل الحجاب.
[ ٢٨٧ ]
فقد جاء التصريح فيه بأن هذا كان في غزوة أحد التي كانت قبل الحجاب!!
٥ - عن الرُّبيِّع بنت معوذ قالت: " كنا نغزو مع النبي - ﷺ -، فنسقي القوم، ونخدمهم، ونردُّ الجرحى والقتلى إلى المدينة". أخرجه البخاري
٦ - عن أم عطية قالت: " غزوت مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى" أخرجه مسلم.
مع أنه ليس في هذين الأثرين حجة على جواز الكشف إذ أن هذا يمكن القيام به مع تغطية الوجه بالبرقع واللثام؛ إلا أن اللاتي كن يشاركن معهم في الغزو للقيام على خدمتهم؛ العجائز والمتجالات من الإماء، كأم عطيّة، والربيّع بنت معوّذ، وأم سليم، وفي هذا شاهد أن لكل جنس وظائف تختص به، فكانت وظيفة النساء في الغزو إعداد الطعام، ومداواة الجرحى، وقد روى المروزي في السنة ١/ ٤٨ (١٥١): أن الربيّع قالت "كنا نغزو ولا نقاتل" وقال ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٧٨): ولم أر في شيء من ذلك التصريح بأنهن قاتلن. اهـ
قال الإمام السرخسي في المبسوط (٢/ ٤١): وقال أبو يوسف ومحمد يرخص للعجائز في حضور الصلوات كلها لأنه ليس في خروج العجائز فتنة، وقد كن يخرجن إلى الجهاد مع رسول الله يداوين المرضى ويسقين الماء ويطبخن.
٧ - عن أنس: " أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا، فرآها أبو طلحة. فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خنجر! فقال لها رسول الله: " ما هذا الخنجر؟ "
[ ٢٨٨ ]
قالت: اتخذته إن دنا أحد من المشركين بقرت به بطنه" وفي رواية: " كان يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فسيقين الماء ويداوين الجرحى".
أما اتخاذ أم سليم يوم حنين خنجرًا، فإن إخبار أبي طلحة لرسول الله - ﷺ - بذلك دال على أن حمل السلاح غير مستساغ للنساء، ولذلك سألها رسول الله - ﷺ - منكرا " ما هذا الخنجر؟ فبينت أنها لم تتخذه للمشاركة في القتال مع الرجال. وانظر إلى رأي السرخسي الحنفي الإمام المجتهد الذي احتج الشيخ الألباني بقوله آنفا؛ ماذا يقول في حج المرأة الذي قيل إنه جهادها:
قال الإمام السرخسي في المبسوط (٤/ ٣٣): ولا رمل عليها في الطواف بالبيت ولا بين الصفا والمروة لأن الرمل لإظهار التجلد والقوة والمرأة ليست من أهل القتال لتظهر الجلادة من نفسها ولا يؤمن أن يبدو شيء من عورتها في رملها وسعيها أو تسقط لضعف بنيتها فلهذا تمنع من ذلك وتؤمر بأن تمشي مشيا وكذلك لا تستلم الحجر إذا كان هناك جمع لأنها ممنوعة عن مماسة الرجال والزحمة معهم فلا تستلم الحجر إلا إذا وجدت ذلك الموضع خاليا عن الرجال.
أما ما استشهد به الشيخ الألباني على جريان الأمر على هذا المنوال بعد وفاته - ﷺ - فكلها آثار لا تصح ولا تقوم بها حجة.
الأول: عن مهاجر الأنصاري: " أن أسماء بنت يزيد الأنصارية شهدت اليرموك مع الناس، فقتلت سبعة من الروم بعمود فسطاط ظلتها".
[ ٢٨٩ ]
وليس في هذا ما يحتج به على جواز الكشف! علاوة على ضعف إسناده لأن مدار هذا الأثر على مهاجر الأنصاري وهو مولى (مملوك) لأسماء بنت يزيد قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب (١/ ٥٤٨): مقبول. وقال الشيخ الألباني عقب هذا الأثر إسناده حسن! وقد أنكر على من حسن إسناد حديث نبهان مولى أم سلمة!! ثم إنه على فرض صحة إسناد هذا الأثر؛ فإن أسماء بنت يزيد لم تحمل سلاحا ولم تشارك الرجال في القتال، وإنما دافعت عن نفسها بعمود خيمتها، ولا يمكن أن يقول أحد أن من لوازم الحجاب أن تبقى المرأة مكتوفة الأيدي لا تدافع عن نفسها عندما يحصل لها مثل ذلك!
الثاني: عن العوام بن مزاحم عن خالد بن سيحان قال: شهدت تُستر مع أبي موسى ومعنا أربع نسوة يداوين الجرحى، فأسهم لهن" أخرجه ابن أبي شيبة بسند يحتمل التحسين.
وهذا إسناد لا يصح ولا تقوم به حجة؛ فيه مجاهيل؛ وهم خالد بن سيحان؛ ليس له رواية عند أصحاب السنن ولا المسانيد، والعوام بن مزاحم؛ ليس ممن عرف بحمل العلم، وعلى فرض ثبوته فليس فيه حجة على جواز الكشف لأنه كما ذكرنا قد يداوين المرضى وهن منتقبات، كما يمكن أن تكون هؤلاء النسوة من العجائز المتجالات من الإماء كما أسلفنا.
الثالث: عن عبدالله بن قرط الأزدي قال: " غزوت الروم مع خالد بن الوليد، فرأيت نساء خالد بن الوليد ونساء أصحابه مشمرات يحملن الماء للمهاجرين يرتجزن". أخرجه سعيد بإسناد صحيح، وله عنده طريق آخر ضعيف معضل.
[ ٢٩٠ ]
وهذا أيضا ليس فيه حجة لأنه لم يذكر رؤيته لوجوههن وإنما رآهن يحملن الماء وهذا من وظيفتهن في الغزوات، علاوة على أن هؤلاء النسوة قد يكن من الإماء. هذا على فرض صحة إسناده وإلا فإنه لا يصح لأنه مرسل فيه شريح بن عبيد الحضرمي وهو كما قال عنه ابن حجر في التقريب ١/ ٢٦٥: "كان يرسل كثيرا" وفي التهذيب ٤/ ٢٨٨: "أنه لم يسمع من أحد من أصحاب النبي - ﷺ - " ولذلك قال الشيخ الألباني عقبه أن له طريق آخر ضعيف معضل ولكن هل يصح تقوية المرسل بضعيف معضل؟!
وبذلك فلا حجة فيما استشهد به الشيخ الألباني على خروج النساء الحرائر ومشاركتهن للرجال في الأعمال، فمن أشد الخطأ في حق المرأة أن ينادى بهذه المساواة؛ فهذه خديجة بنت خويلد قبل الحجاب وقبل الإسلام لم تكن تخرج بتجارتها وإنما كانت تبحث عمّن يخرج بها من الرجال، وهذه عائشة لما خرجت للكوفة كانت مستترة في الهودج على البعير يقوده الرجال
وبذلك تبين أن الشيخ الألباني ﵀ قال قولا شذ فيه وجانب الحق والصواب في هذه المسألة، وخالف الأدلة والبراهين، وخالف جماهير العلماء؛ فسقطت بذلك حجته وبطل ماذهب إليه من إباحة كشف الوجه للمرأة الحرة، وإني أختم بما ختم به الشيخ الألباني وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية: " والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة ثبوت لفظه ودلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله".
[ ٢٩١ ]