- والنووي حيث قال في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ٩٦): وهذا الحديث حديث حسن رواه أبو داود والترمذي وغيرهما قال الترمذي هو حديث حسن، ولا يلتفت إلى قدح من قدح فيه بغير حجة معتمدة.
- والحافظ ابن حجر حيث قال فتح الباري (٩/ ٣٣٧): حديث أم سلمة الحديث المشهور أفعمياوان أنتما وإسناده قوي وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان وليست بعلة قادحة فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد لا ترد روايته.
- والشوكاني حيث قال في نيل الأوطار (٦/ ٢٤٧): حديث أم سلمة أخرجه أيضا النسائي وابن حبان وفي إسناده نبهان مولى أم سلمة شيخ الزهري وقد وثق، وفي الباب عن عائشة عند مالك في الموطأ أنها احتجبت من أعمى فقيل لها إنه لا ينظر إليك قالت لكني أنظر إليه. اهـ وهذا الأثر عن عائشة يعد شاهد لحديث نبهان يتقوى به، وقد ذكره ابن حجر في التلخيص الحبير أيضا كما سيأتي، ولعله مما خفي على الشيخ الألباني!
ولذلك اعتمد أهل العلم على حديث نبهان في القول بمنع نظر النساء للرجال الأجانب:
قال الشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٢٤٨): وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة وهو أحد قول الشافعي وأحمد قال النووي وهو الأصح،
[ ١٩٩ ]
وقال ابن عبد البر المالكي في التمهيد (١٩/ ١٥٤) والاستذكار (٦/ ١٦٩): ففي هذا الحديث دليل على أنه واجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى ويشهد له ظاهر قول الله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ كما قال ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ويشهد لذلك من طريق الغيرة أن نظرها إليه كنظره إليها.
وقال الجاوي الحنفي في نهاية الزين (١/ ٤٧): الرجل له ثلاث عورات ثالثتها جميع بدنه وشعره حتى قلامة ظفره وهي عورته عند النساء الأجانب فيحرم على المرأة الأجنبية النظر إلى شيء من ذلك فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط فإن لم تكن فتنة فلا إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن متنقبات ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقيب أو منعوا من الخروج إلا لضرورة.
ثالثا: أما ما استشهد به عن فقهاء الحنابلة؛ فإن القول بأنه لا يباح نظر المرأة للرجل؛ هو أحد قولي الإمام أحمد:
كما جاء في عون المعبود (١١/ ١١٤): وقد استدل بحديث أم سلمة هذا من قال إنه يحرم على المرأة نظر الرجل كما يحرم على الرجل نظر المرأة وهو أحد قول الشافعي وأحمد، قال النووي وهو الأصح.
[ ٢٠٠ ]
قال ابن قدامة الحنبلي في المغني (٧/ ٨١): فأما نظر المرأة إلى الرجل ففيه روايتان إحداهما لها النظر إلى ما ليس بعورة؛ والأخرى لا يجوز لها النظر من الرجل إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها، اختاره أبو بكر وهذا أحد قولي الشافعي لما روى الزهري عن نبهان عن أم سلمة، ولقوله تعالى (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن).
وفي المبدع لابن مفلح الحنبلي (٧/ ١١): ويباح للمرأة النظر من الرجل إلى غير العورة نصره في الشرح وغيره لقول النبي - ﷺ - لفاطمة اعتدي في بيت أم مكتوم ولأنه لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجاب لئلا ينظرن إليهم كما تؤمر النساء به، وعنه لا يباح لها النظر إلا إلى مثل ما ينظر إليه منها قدمه السامري وابن حمدان واختاره أبو بكر لحديث نبهان.
رابعا: أما ما ذكره الشيخ الألباني من رد بعضهم لحديث نبهان لمخالفته لحديث فاطمة بنت قيس؛ حيث أذن لها رسول الله - ﷺ - أن تعتد عند ابن أم مكتوم الأعمى فالجواب عنه من عدة وجوه:
١) ليس فيه أن النبي - ﷺ - أذن لفاطمة أن تنظر للرجل الأعمى كما نص على ذلك بعض أهل العلم كالنووي في شرح صحيح مسلم (١٠/ ٩٧): وأما حديث فاطمة بنت قيس مع ابن أم مكتوم فليس فيه إذن لها في النظر إليه بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيرها وهي مأمورة بغض بصرها فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة.
[ ٢٠١ ]
٢) أن من احتج بمخالفة حديث نبهان لحديث فاطمة بنت قيس؛ قد غفل عن موافقة حديث نبهان لكتاب الله في موضعين:
الأول: قوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ فإذا كانت النساء مأمورات في هذه الآية بأن يغضضن من أبصارهن عمن يحل لهم الدخول عليهن في البيوت دون حجاب عنهم - وسيأتي بيان ذلك في مناقشة البحث التاسع - فكيف يقال بإطلاق جواز نظرهن لمن لا يحل له رؤيتهن إلا وهن محتجبات!
الثاني: قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ الأحزاب: ٥٣ ففرض وجود الحجاب (الساتر) بين الرجل والمرأة عند المحادثة من قرب في البيوت ونحوها؛ يدل على عدم إطلاق جواز نظر المرأة للرجل، بقرينة في الآية وهي قوله ﴿وَقُلُوبِهِنَّ﴾ فالحجاب المضروب بينهما؛ هو لمنع كلا الجنسين من النظر للآخر، فزوال هذا الساتر ينفي كمال الطهارة لقلب العين الناظرة - كمن تنظر للرجال وتخالطهم بنقابها - ولذلك ينبغي أن تحذر النساء من التهاون بهتك الستار والاختلاط المباشر بالرجال في البيوت وأماكن العمل لأنه يعد تجاوزا لما حدّه الشرع ومخالفة صريحة لكتاب الله.
قال إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري في تفسيره جامع البيان (٢٢/ ٣٩): ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقول من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا
[ ٢٠٢ ]
عليهن بيوتهن ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يقول تعالى ذكره سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء وفي صدور النساء من أمر الرجال وأحرى من ألا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل.
خامسا: أما من احتج بمخالفة حديث نبهان لحديث عائشة ﵂ قالت (رأيت رسول الله - ﷺ - يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون) (^١)
فالجواب عليه بعد أن يقال أن هذا الحديث يعد من أدلة وجوب تغطية الوجه، أن الاحتجاج به على إطلاق جواز نظر المرأة للرجال الأجانب لا يصح لما يأتي:
١) أن من أذن رسول الله - ﷺ - لعائشة أن تنظر إليهم كانوا من العبيد الذين لا يحتجب منهم، يشهد لذلك قول الرسول - ﷺ - لهم "يا بني أرفدة" قال ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٤٤): (قيل هو لقب للحبشة. . . وقيل المعنى يا بني الإماء) وبوّب البخاري لهذا الحديث بقوله (باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة) فقيّد جواز النظر بالحبشة ومن نحوهم من العبيد ولم يطلق بناء عليه جواز نظرها للرجال الأحرار الأجانب.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٥٧): وأما الفرق بين ميمونة وأم سلمة، وبين عائشة إذ اباح لها النظر إلى الحبشة؛ فإن عائشة كانت ذلك الوقت والله أعلم غير بالغة مع ما في النظر إلى السودان مما تقتحمه العيون.
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٦ (٤٩٣٨) صحيح مسلم ٢/ ٦٠٩ (٨٩٢).
[ ٢٠٣ ]
كما قال العيني في عمدة القاري (٢٠/ ٢١٧): وأما المعارضة فلا نقول بها؛ بل نقول إن عائشة إذ ذاك كانت صغيرة فلا حرج عليها في النظر إليهم أو نقول إن الحبشة كانوا صبيانا ليسوا بالغين.
٢) أن هناك فرق بين النظر لرجل من قرب وتأمله، وبين النظر من بُعد لسودان يلعبون بحرابهم كما في الحديث (وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب) (^١) ولذلك بوّب النسائي للحديث في سننه الكبرى (١/ ٥٥٣) بقوله (نظر النساء إلى اللعب) ولم يقل إلى الرجال!
- وقال القاضي عياض: وفيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجال، مثل هذا، لأنه إنما يكره لهن من النظر إلى الرجال ما يكره للرجال فيهن من تحديق النظر لتأمل المحاسن، والالتذاذ بذلك، والتمتع به (^٢).
- قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٦/ ١٨٤): وفيه جواز نظر النساء إلى لعب الرجال من غير نظر إلى نفس البدن وأما نظر المرأة إلى وجه الرجل الأجنبي فإن كان بشهوة فحرام بالاتفاق وان كان بغير شهوة ولا مخافة فتنة ففي جوازه وجهان لأصحابنا أصحهما تحريمه لقوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ ولقوله - ﷺ - لأم سلمة وأم حبيبة احتجبا عنه أي عن ابن أم مكتوم.
_________________
(١) صحيح البخاري ١/ ٣٢٣ (٩٠٧).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم ٣/ ٣٠٩.
[ ٢٠٤ ]
- قال الشوكاني في السيل الجرار (٤/ ١٣١): وقد استدل لجواز نظر النساء إلى الرجال بما ثبت في الصحيح من أنه - ﷺ - أذن لعائشة أن تنظر إلى لعب الحبشة في المسجد ويجاب عنه بأنه لا تلازم بين النظر إلى وجوههم والنظر إلى لعبهم فإن اللعب هو الحركات الصادرة منهم من تقليب حرابهم بأيديهم وحركة أبدانهم.
فالذي يتحقق من مجموع الأدلة أن نظر المرأة للرجل الأجنبي على قسمين:
١) النظر العابر أو من بُعد، كرؤية المرأة للرجال في الطريق، ومنه حديث عائشة ونظرها إلى الحبش وهم يلعبون، وهذا هو الذي يظهر فيه الفرق بين الرجال والنساء في جواز النظر.
٢) إدامة النظر للرجل من قُرب وتأمله فهذا الذي يمنع منه لأنه مظنة الفتنة، وهو الذي جاء النهي عنه في صريح القرآن ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ومنع منه النبي - ﷺ - كما في حديث نبهان، وهو المراد من قول من منع المرأة من النظر للرجل من الفقهاء.
[ ٢٠٥ ]