ولكن!!! هل حُملت هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على ما أراد الله - ﷿ -؛ أم حيد عن مراد الله منها وحُملت أقوال المفسرين لها من الصحابة والتابعين وأئمة المفسرين على غير محملها؟ وهل المراد من قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هو ما يجوز للمرأة الحرة إظهاره أمام الرجال الأحرار الأجانب؛ حتى يكون فيه حجة على جواز كشف وجه المرأة الحرة لهم؟!! فإنه كما قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١/ ٢٤٦): والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ودلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله. فقد حمل المتأخرين هذه الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على أنها تبين ما يجوز للمرأة الحرة إبداؤه أمام الرجال الأحرار الأجانب الذين يجب عليها الاحتجاب منهم، فحملوا ما نقل عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهم في تأويلها على ذلك، ولذلك انقسموا إلى فريقين؛ الفريق الذي يرى وجوب ستر وجه المرأة أخذ بقول ابن مسعود وتجاهل قول ابن عباس!! والفريق الذي يرى جواز كشفه أخذ بقول ابن عباس ولم يلتفت إلى قول ابن مسعود!! ولو حُملت هذه الآية ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على أنها تبين ما يجوز للمرأة إظهاره لمن يحل لهم الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممّن لم يستثنَ في الآية؛ وأن هذا مراد ابن مسعود وابن عباس في تأويلهما لزال ما يعد خلافا بين ابن مسعود وابن عباس في تفسير هذه الآية.
[ ٢٢٩ ]
فإن هناك فئات من الناس يحل لهم الدخول على المرأة ورؤيتها دون حجاب لم يستثنوا في الآية وهم: العم والخال، والمحرم بالمصاهرة (زوج البنت، وزوج الأم، وابن الزوج، وأبو الزوج) (^١) والمحرم بالرضاع، والعبيد المملوكون للغير، والعبد المملوك إذا كان من أولي الإربة، والصبية المميزون الذين لم يبلغوا الحلم، والنساء غير المسلمات؛ فهؤلاء هم المعنيون بنهي المرأة الحرة عن إبداء زينتها لهم ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فإن الذي تحقق؛ أنه بعد أن ضُرب الحجاب في البيوت ومُنع الرجال الأحرار الأجانب من الدخول على النساء الأجنبيات الحرائر، وبقي الأِذن بالدخول عليهن ورؤيتهن للمحارم وللعبيد المملوكين من الأجانب؛ نزلت هذه الآيات من سورة النور لتبين حدود ما تظهره المرأة من الزينة أمامهم: فأمرت بالتحرز والتحفظ باتخاذ الثياب الظاهرة (من رداء أو ملحفة وهو ما يسميه العامة الآن الجلال) وبضرب الخمار على الجيب فلا تبدي إلا الوجه والكفين بما فيهما من الزينة؛ وهذا تظهره المرأة الحرة لمن يحل له الدخول عليها والنظر إليها دون حجاب ممن لم يستثن في الآية، وهو أيضا ما يحل أن تظهره الأمة المملوكة لجميع الرجال الأجانب، أما من استثناهم الله في الآية ممن أبيح لهم النظر للمرأة بقوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ﴾ النور ٣١٠ فقد أباح الله - ﷿ - لها أن تضع الرداء ولا تضرب الخمار على جيبها أمامهم.
_________________
(١) كما سيأتي لاحقا أنهم ليسوا المعنيون بقوله (أو آباء بعولتهن. .. أو أبناء بعولتهن)
[ ٢٣٠ ]