[ص ٤] سيدي العلّامة الهُمام ضياء الإسلام السيد صالح بن المحسن الصَّيلمي، حفظه الله تعالى، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
قال الجلال المحلّي في "شرح جمع الجوامع" عند ذكر قياس العكس ما لفظُه: "وهو إثباتُ عكس حكم شيءٍ لمثله، لتعاكُسِهما في العلة" ثم [قال:] (^١) ومن أدلته قوله - ﷺ - لأصحابه عندما قال لهم في تَعداد وجوه البرّ: "وفي بُضْع أحدكم صدقة". فقالوا: أيأتي أحدُنا شهوتَه وله فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وِزْرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".
قال البَنَّاني في حاشيته: قوله: "وهو إثبات عكس حكم إلخ"، الحكم في الحديث المذكور هو ثبوت الوزر، وعكسه ثبوت الأجر، والشيء الوضع في الحرام، ومثل ذلك الشيء هو الوضع في الحلال الثابتِ له العكسُ المذكور، وجعل الوضع في الحرام والوضع في الحلال مِثْلَين من حيث إن كلًّا منهما وضعٌ، وإلَّا فهما ضدّانِ في الحقيقة. وقوله: "لتعاكسهما" أي: الحكمين. وقوله: "في العلة" وهي الوضع في الحرام الذي هو علة ثبوت الوزر، والوضع في الحلال الذي هو علة ثبوت الأجر، فكلٌّ من ثبوت الأجر وثبوت الوزر عكسٌ للآخر؛ لأن كلًّا من الوضع في الحرام والوضع في الحلال عكسٌ للآخر فتعاكُسُ العلتين المذكورتين مقتضٍ لكون الحكم المترتب على إحداهما عكسَ الحكم المترتب على الأخرى".
وقولكم: "ما مذهب الشافعية في الاعتكاف؟ " فالاعتكاف عندهم ليس من شرطه الصيامُ إلا إن نَذَرَه، كأن يقول: لله عليَّ أن أعتكفَ صائمًا، بخلاف
_________________
(١) بياض في الأصل.
[ ١٦ / ٤٣١ ]
الصلاة، فلو قال: أن أعتكفَ مصلِّيًا فله إفراد الاعتكاف عنها.
وقولكم: "إنه يلزمهم القول باشتراط الصيام في الاعتكاف بقياس العكس" لم يظهر وجهُه، ففضلًا انقلُوا تحت هذا لفظ "الغاية" مع شرحها.
واستشهادكم على الحقير ببضاعته (ولكنما أعمى القلوبَ التعصُّبُ) ليس في محله، فإنما يتعصب من لم يجد مَحِيصًا عن اللزوم، فأما نحن معشرَ الشافعية فلنا عن التعصب ــ لو فُرِض ــ مندوحةٌ بأن اشتراط الصيام هو القول القديم لإمامنا، مع أن لنا على القول الجديد نصوصًا صحيحة، منها: اعتكافه - ﷺ - الليلَ والنهارَ في العشر الأواخر من رمضان ونحوها، كما في حديث الصحيحين. ومنها: ما في الصحيحين (^١) أيضًا عن ابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ سأل النبي صلى الله وسلم عليه وعلى آله قال: كنتُ نذرتُ في الجاهلية أن أعتكفَ ليلةً في المسجد الحرام قال: "فأَوْفِ بنذرك". ومنها: ما نقله ابن حجر في "التحفة" (^٢) عند قول "المنهاج": "بل يصحُّ اعتكافُ الليل وحده" قال: للخبر الصحيح: "ليس على المعتكفِ صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه" (^٣).
* * * *
أخانا في الله سبحانَه، الوجيه في الأولى والآخرة، العلامة الشيظَمِي (^٤)
_________________
(١) سبق تخريج الحديثين.
(٢) "تحفة المحتاج" (٣/ ٤٦٩).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) هو بمعنى الطويل الجسيم الفتيّ من الناس أو الإبل أو الخيل، فهو صفة وليس نسبة إلى عَلم أو قبيلة.
[ ١٦ / ٤٣٢ ]
عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونحمد الله إليكم حمدًا كثيرًا مؤبَّدةً أوقاتُه، والصلاة والسلام على خِيَرَة الخلق وآلِه، حَمَلةِ الشرع وهُداتِه، وأيَّده من نعش الهدى نهوضَه المبارك وغاراته.
أما بعدُ، فنقول: (مسألة) العترةُ جميعًا وابن عباس وعبد الله بن عمر ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة وأبو ثور: الصوم شرط في الاعتكاف، لقوله - ﵌ -: "لا اعتكافَ إلا بالصيام". ولو لم يكن الصيام شرطًا في الاعتكاف لما وجب في نذره كالصلاة. عبد الله بن مسعود والحسن البصري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: لا، لقوله - ﵌ -: "ليس على المعتكف صيامٌ إلا أن يجعله على نفسه"، أراد: الصوم لا يجبُ بنية الاعتكاف إلا حيث يجب الاعتكاف، جمعًا بين الأدلة وصيانةً لمنطقه عن اللغو، ولأنه مهما أمكن الجمع بالتأويل وجب. قالوا: قال لعمر: "أوف بنذرك"، وقد نذر اعتكافَ ليلةٍ. قلنا: "بيومها"، بدليل أن إحدى الروايتين أنه نذرَ اعتكافَ يومٍ، فثبتَ اشتراطُ الصيام في صحة الاعتكاف بالدليل وقياس العكس استظهارًا. وقياس العكس إثبات خلاف حكم الأصل في الفرع، فالأصل الصلاة، والفرع الصيام، والعلة عدم وجوب الصلاة بالنذر، أعني: بنذر الاعتكاف مصلِّيًا، وعكس العلة وجوب الصيام بالنذر، والحكم في الأصل عدم اشتراط الصلاة في صحة الاعتكاف، والحكم في الفرع خلافه، وهو اشتراط الصيام في صحة الاعتكاف، وبهذا يستوي قياسُ العكس على سُوقِه.
[ ١٦ / ٤٣٣ ]