(٢)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي لا إله إلا هو، والصلاة والسلام على نبيّه ورسوله محمدٍ وآله وصحبه.
وبعدُ، فإنَّ هذا الزمانَ لا يخفى فيه ضياعُ حقوق الله تعالى بين الناس، وفُشوُّ السوء والفحشاء ما بينهم، ومن ذلك ما شاع من بيع الأحرار، وإكراهِهم على الإقرار، أو ترغيبهم بعضهم ببعضِ الثمن وإطماعِه بالهربِ، وبعضهم رغَّبه في تحمُّل مُؤْنتِه ومعيشته واستراحتِه من الطلب والتعب، وربّما حضر إلى بعض الحكام ذلك المقِرُّ فادَّعى الحريّة، أو جاءت شهادةُ حِسبةٍ، فلم يسمعها اعتمادًا على ظاهر كلام أهل المذهب.
وأنا أنقلُ هنا بعضَ ما يلوحُ بالمسألةِ من كلام "المنهاج" و"التُحفة" و"الحاشية" للشِّرواني.
في الإقرار (^١):
(يصحُّ) الإقرار (من مطلق التصرّف) أي: المكلّف الرشيد إلخ.
وفي باب اللقيط (^٢):
(إذا لم يُقرّ اللقيطُ برِقٍّ فهو حرٌّ، إلا أنْ يقيم أحدٌ بينةً لرقّه، وإنْ أقرَّ به) أي: الرقّ، وهو مكلَّفٌ، وعن ابن عبد السلام ما يقتضي اعتبارَ رشده أيضًا،
_________________
(١) "منهاج الطالبين" (٢/ ١٧٧)، "تحفة المحتاج" مع الحواشي (٥/ ٣٥٤).
(٢) "المنهاج" (٢/ ٣١٣، ٣١٤)، "تحفة المحتاج" (٦/ ٣٥٦).
[ ١٧ / ٨٥٣ ]
وظاهر كلامهم خلافُه. (لشخصٍ فصدَّقه قُبِل إن لم يسبق إقراره) أي: اللقيط (بحريّةٍ) كسائر الأقارير، بخلافِ ما إذا أكذبه، وإنْ صدَّقه بعدُ أو سبق إقراره وهو مكلَّفٌ؛ لأنّه به التزمَ أحكام الإقرار المتعلّقة بحقوق الله تعالى والعبادِ، فلم يقدر على إسقاطها.
وفي الحاشية (^١): "اعتمده المغني والسيد عمر، ومال إليه ابن قاسم".
عبارةُ المغني: تنبيهٌ: سكتوا عن اعتبار الرشد في المقر ههنا، وينبغي ــ كما قال الزركشي ــ اعتباره كغيره من الأقارير، فلا يقبل اعتراف الجواري بالرقّ كما حكي عن ابن عبد السلام؛ لأنَّ الغالب عليهنَّ السفه وعدم المعرفة، قال الأذرعيُّ: "وهذه العلّة موجودة في غالب العبيد، لا سيما من قرُب عهده بالبلوغ".
وعبارة السيد عمر: "قوله: فظاهر كلامهم خلافه، قد يقالُ: إنَّما سكتوا عن هذا اكتفاءً بذكره في نظائره، إذِ الغالبُ استيعاب الشروط إنما يكون في الباب المعقود أصالةً لبيان ذلك الحكم كباب الإقرار هنا، ثم رأيتُ المحشي قال: قوله: "اعتبار رشده" قد يؤيّده أنه إقرار بمالٍ، وشرطه الرشدُ، اللهم إلا أن يمنع أن الإقرار بالرقِّ ليس من الإقرار بالمال، وإن ترتّبَ عليه المال، انتهى.
وهو إشارةٌ إلى ما نبَّهنا عليه، وأمَّا قوله: "اللهم إلّا إلخ" فلا يخفى ما فيه من البعد بل المكابرة، إذْ لا معنى لقوله: أنا عبده أو نحوه إلا أنا مملوكٌ له، وهو نصٌّ في المالية. هـ.
_________________
(١) "حاشية الشرواني" المطبوعة مع "تحفة المحتاج" (٦/ ٣٥٦ - ٣٥٧).
[ ١٧ / ٨٥٤ ]
وفي الشرح (^١) بعد: ولو أقرَّ بالرقِّ لمعيَّنٍ ثم بحريّةِ الأصل لم تسمع، لكن إن كان حالَ الإقرار الأول رشيدًا، على ما مرَّ.
وقال في بابِ الحجر (^٢):
(حجر الصبيِّ يرتفع ببلوغه رشيدًا) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] إلى (والرشدُ صلاح الدين والمال) معًا، كما فسَّر به ابن عباسٍ وغيره الآيةَ السابقة، ووجه العموم فيه مع أنه نكرةٌ مثبتةٌ وقوعُه في سياق الشرط.
[وفي الدعاوي] (^٣):
(ولو ادُّعيَ رقُّ بالغٍ) عاقلٍ مجهول النسب ولو سكرانَ (فقال: أنا حرٌّ) في الأصلِ، ولم يكن قد أقرَّ له بالملك، قيل: وهو رشيدٌ على ما مرَّ قبيل الجعالة (فالقولُ قولُه).
وفي الشهادات (^٤):
(وتُقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى وفيما له فيه حقٌّ مؤكَّدٌ) وهو ما لا يتأثَّر برضا الآدمي إلى أنْ قال: وإنما تُسمَع عند الحاجة إليها حالًا، كأخيها رضاعًا وهو يريدُ أنْ ينكحها، أو أعتقه وهو يريدُ أن يسترِقَّه (كطلاقٍ وعتقٍ وعفْوٍ عن قصاصٍ، وبقاء عدّةٍ وانقضائها، وحدٍّ له تعالى).
_________________
(١) "تحفة المحتاج" (٦/ ٣٥٧).
(٢) المصدر نفسه (٥/ ١٦٢ - ١٦٦).
(٣) المصدر نفسه (١٠/ ٣٠١ - ٣٠٢).
(٤) المصدر نفسه (١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٩).
[ ١٧ / ٨٥٥ ]
وفي الحاشية على (كطلاقٍ) أي: لأنَّ المكلَّف فيه حقّ الله تعالى، بدليل أنه لا يرتفع بتراضي الزوجين أسنى. هـ
نعم في "بغية المسترشدين" (^١) في الحجر عن الأشخر: مذهب الشافعيّ أن الرشد صلاح المال والدين، بأن لا يرتكبَ محرمًا مبطلًا للعدالة، ومنه أن تغلب طاعاتُه صغائره، إلى أن ذكر وجهًا آخر حكاه عن البعض وتجوّز فيه المتأخرون تيسيرًا، قال: وهو شاذٌّ.
وفي باب الخلع (^٢) عن الأشخر أيضًا: هذا إذا قلنا بمذهب الشافعي أن الرشد صلاح الدين والمال، أمَّا إذا قلنا بالوجه الشاذّ أنه صلاح المال إلخ
وفيه (^٣) عن بافقيه: ومعلومٌ أن الرشد على المذهبِ أن تبلغ مصلحة لدينها ودنياها إلخ.
وفي فتاوي ابن زياد (^٤):
مسألةٌ: عبد مسلمٌ بالغٌ رشيدٌ تحت يد مالكٍ مقرٍّ له بالملك مستخدم مستفاض بين الناس أنه عبدُه، ثم أعتقه السيد بحضرة بعض العلماء عتقًا صحيحًا، فانتقل العتيق إلى بلدٍ أخرى وأقرَّ أنَّه مِلْكٌ لشخصٍ آخر، لم يُقْبل إقراره بعد ثبوت العتق، إلخ.
_________________
(١) (ص ١٣٩).
(٢) (ص ٢١٧).
(٣) (ص ٢١٨).
(٤) "غاية تلخيص المراد من فتاوى ابن زياد" (ص ١٤٤).
[ ١٧ / ٨٥٦ ]
وفي الحجر (^١):
مسألةٌ: الرشدُ صلاح الدين والمال، هذا مذهب إمامنا الشافعيِّ ﵀، وفي وجهٍ حكاه المتولّي إلخ.
إذا تقرر ما نقلناه وعرفتَ أحوال الناس اليوم في بيع الجواري اتَّجه الجزمُ بسماع البيّنةِ على الحريّةِ؛ لأنَّ حقوق الله المتعلّقةِ بها عظيمةٌ، وكم مفاسد تترتب على الرقِّ.
وتبيَّن مما نقل عن "المغني" والسيد عمر وابن قاسم عن الزركشي والشيخ عزّ الدين بن عبد السلام سلطان العلماء وغيرهم أن الرشد هنا معتبرٌ كسائر الأقارير.
أمَّا حُجَّةُ من لم يشترطه فإنَّما هو مجرد إطلاقهم أنَّ الأصحاب ، وقد تبيّن أن إطلاقهم إنّما هو اكتفاء بذكره في أصل المسألة ونظَائرها، وذلك باب الإقرار. وكون الإقرار هنا إقرارًا بمالٍ لا يُمْتَرى فيه.
وأمَّا كون الرشد مُعتبرًا في الدين فهو المذهبُ، وإنَّما تجوَّز فيه بعضُ المتأخرين تيسيرًا، وينبغي أنْ يعتبر التيسير قبل ادِّعاء المبيع الحريَّةَ، أو ورود شهادة الحسبة، وأمَّا عندهما ففيه تفويتٌ لحقوق الله تعالى، وخوضٌ في الأوحال، على أنَّ الحسبةَ الظاهرُ سماعُها هنا؛ لكون الغالب فيه حقّ الله تعالى، إذْ لا ترتفع الحرية بالتراضي كما لا يرتفع الطلاق.
وأمَّا الرشدُ في الجواري والعبيد اليوم فمفقود؛ إذْ لا تُعرف منهم صلاة ولا صيام بل ولا ذِكرُ الله تعالى إلا نادرًا، مع جهلهم بما يترتب على
_________________
(١) المصدر نفسه (ص ١٣٨).
[ ١٧ / ٨٥٧ ]
استرقاقهم من المفاسد، وإنما عامَّة قصدهم أن يستريحوا من طلب المعاش، وهذا مع استخفاف الناس بالمسألة وجرأتهم عليها، فطالما باعوا الأحرار وأكرهوهم على الإقرار، أو رغَّبوهم بمالٍ وأطمعوهم بالفرار، أو رغَّبوا في استراحتهم من الكدِّ والتَّعبِ في طلبِ المعاش بحمل المشتري لِمُؤنتهم، ولاسيَّما إذا كان من الأغنياء.
وقد قيل في الأعجمي الذي يرى وجوبَ طاعةِ أميره: إنَّ حكمه مأمورًا كحُكْمه مُكْرهًا، ولا يبعد قياس هؤلاء عليه.
وللإمام
_________________
(١) أيَّده الله تعالى النظرُ والجزمُ بما تبرأ به الذمَّةُ؛ إذِ الدينُ قِلادةٌ في عُنُقه، وهو بحمد الله من العلم والتحقيق بمرتبةِ الاجتهاد، والحقُّ أحقُّ أنْ يُتَّبع، ولا يرفع الحقَّ كلامُ أحد إلا الله ورسوله. واللهُ أعلمُ.
[ ١٧ / ٨٥٨ ]
(٣)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وبعد، فقد حملني ما طرأ على الناس من أحكام الأرِقّاء، وجرأة كثيرٍ من الناس على بيعِ الأحرار، مع إكراههم على الإقرار أو ترغيبهم به، ورغبتهم في المعرفة والمعيشة، ومع ذلك فإنَّ بعض الحكام يقضي بمجرد الإقرار بالرقِّ، لم يَعُدْ يقبل دعواه الحرية، ولا يسمع شهادة الحسبة.
وهذا ما اطلعتُ عليه من عبارات "المنهاج" مع "التحفة" وحاشية الشِّرواني.
متنٌ وشرحٌ:
(يصحُّ) الإقرار (من مطلق التصرُّف) أي: المكلّف الرشيد إلخ. هـ من الإقرار (^١).
وفي باب اللقيط (^٢):
(إذا لم يُقِرّ اللقيط برقٍّ فهو حرٌّ، إلا أنْ يُقيمَ أحدٌ بيِّنةً برقّه، وإنْ أقرَّ به) أي: الرقِّ وهو مكلَّفٌ، وعن ابن عبد السلام ما يقتضي اعتبارَ رشده أيضًا، وظاهر كلامهم خلافُه. (لشخصٍ فصدَّقَه قُبِل إنْ لم يسبق إقراره) أي: اللقيط
_________________
(١) "تحفة المحتاج بشرح المنهاج" (٥/ ٣٥٤).
(٢) المصدر نفسه (٦/ ٣٥٦).
[ ١٧ / ٨٥٩ ]
(بحريّةٍ) كسائر الأقارير، بخلافِ ما إذا أكذَبَه، وإنْ صدَّقه بعدُ أو سبق إقراره بالحريّةِ وهو مكلَّف؛ لأنّه به التزمَ أحكام الإقرار المتعلّقة بحقوقِ الله والعباد، فلم يقدر على إسقاطها.
وفي الحاشية (^١) عند قوله: "ما يقتضي رشده": اعتمده المغني والسيد عمر، ومال إليه ابن قاسمٍ.
عبارةُ المغني: تنبيهٌ: سكتوا عن اعتبار الرشد في المُقِرِّ ههنا، وينبغي ــ كما قال الزركشيُّ ــ اعتباره كغيره من الأقارير، فلا يُقبل اعتراف الجواري بالرقِّ كما حُكِيَ عن ابن عبد السلام؛ لأنَّ الغالبَ عليهنَّ السفهُ وعدم المعرفة. قال الأذرعيُّ: وهذه العلّةُ موجودةٌ في العبيد، لاسيّما من قرُب عهده بالبلوغ.
وعبارة السيد عمر: قوله: "وظاهر كلامهم خلافه"، قد يقال: إنّما سكتوا عن هذا اكتفاءً بذكره في نظائره؛ إذِ الغالبُ أنَّ استيعاب الشروط إنّما يكون في الباب المعقود أصالةً لبيان ذلك الحكم، كباب الإقرار هنا، ثم رأيتُ المحشّي قال: قوله: "اعتبار رشده" قد يؤيده أنّه أقرَّ بمالٍ، وشرطه الرشد، اللهم إلا أن يمنع أنَّ الإقرار بالرقِّ ليس من الإقرار بالمال، وإنْ ترتّب عليه المال. هـ
وهو إشارة إلى ما نبهنا عليه.
وأمَّا قوله: "اللهم إلا " إلخ، فلا يخفى ما فيه من البعد بل المكابرة؛ إذْ لا معنى لقوله: أنا عبده أو نحوه إلّا أنا مملوكٌ له، وهو نصٌّ في المالية. هـ
_________________
(١) "حاشية الشرواني" المطبوعة مع "التحفة" (٦/ ٣٥٦ - ٣٥٧).
[ ١٧ / ٨٦٠ ]
وفي الشرح (^١) بعد: ولو أقرَّ بالرق لمعيَّن ثم بحرية الأصل لم تُسمع، لكن إنْ كان حالَ الإقرار الأول رشيدًا، على ما مرَّ.
وفي الحجر (^٢):
(وحجر الصبيّ ببلوغه رشيدًا) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ إلى أن قال: (والرشدُ صلاح الدين والمال) معًا، كما فسَّر به ابن عباس وغيره الآية السابقة، ووجه العموم فيه مع أنه نكرة مثبتة وقوعُه في سياق الشرط.
وفي الدعاوي (^٣):
(ولو ادُّعي رقُّ بالغٍ) عاقلٍ مجهولِ النسب ولو سكرانَ (فقال: أنا حرٌّ) فالقول قوله. هـ
وفي الشهادات (^٤):
(وتُقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى وفيما له فيه حقٌّ مؤكّد) وهو ما لا يتأثّر برضا الآدمي إلى أنْ قال: وإنّما تُسمع عند الحاجة إليها حالًا، كأخيها رضاعًا وهو يريد أن ينكحها، أو أعتقه وهو يريد أن يسترقَّه (كطلاقٍ وعتقٍ وعفوٍ عن قصاص، وبقاءِ عِدّةٍ وانقضائها، وحقٍّ له تعالى).
_________________
(١) "تحفة المحتاج" (٦/ ٣٥٧).
(٢) المصدر نفسه (٥/ ١٦٢ - ١٦٦).
(٣) المصدر نفسه (١٠/ ٣٠١ - ٣٠٢).
(٤) المصدر نفسه (١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٩).
[ ١٧ / ٨٦١ ]
وفي الحاشية على قوله "كطلاقٍ" أي: لأنَّ المكلّف فيه حقُّ الله تعالى، بدليل أنَّه لا يرتفع بتراضي الزوجين. أسنى هـ.
وفي "البغية" (^١) عن الأشخر: "مذهبُ الشافعيّ أن الرشد صلاح المال والدين، بأن لا يرتكبَ محرمًا مبطلًا للعدالة، ومنه أن تغلب طاعاتُه صغائره إلى أنْ ذكر وجهًا آخر حكاه عن البعضِ، ثم قال آخره: وهو شاذٌّ".
وفي باب الخُلْعِ (^٢) عن الأشخر أيضًا: "هذا إذا قلنا بمذهب الشافعي أن الرشد صلاح الدين والمال، أمَّا إذا قلنا بالوجه الشاذّ أنّه صلاح المال " إلخ.
وفيه (^٣) عن بافقيه: "ومعلوم أن الرشد على المذهب أن تبلغ مصلحة لدينها ودنياها".
وفي "فتاوى" ابن زياد (^٤):
مسألةٌ: عبد مسلم بالغ رشيدٌ تحت يدِ مالكٍ مُقرّ له بالملك مستخدمه مستفاض بين الناس أنه عبد، ثم أعتقه السيّدُ بحضرة بعض العلماء عتقًا صحيحًا، فانتقل العتيقُ إلى بلدٍ أخرى وأقرَّ أنه ملكٌ لشخصٍ آخر، لم يُقبل إقراره بعد ثبوت العتق؛ لأن العتيق المسلم لا يتصور حدوث الرقّ عليه إلخ.
_________________
(١) "بغية المسترشدين" (ص ١٣٩).
(٢) المصدر نفسه (ص ٢١٧).
(٣) المصدر نفسه (ص ٢١٨).
(٤) "غاية تلخيص المراد من فتاوى ابن زياد" (ص ١٤٤).
[ ١٧ / ٨٦٢ ]
وفيها في الحجر (^١):
مسألةٌ: الرشدُ صلاح الدين والمال، هذا مذهب إمامنا الشافعيّ ﵀، وفي وجهٍ حكاه المتولّي.
إذا تقرّر ما نقلناه، وعُرِفَ أحوال الناس اليوم في بيع الجواري اتَّجه الجزمُ بسماع البينة على الحريّة؛ لأنَّ الحقَّ في الحرية لله ﷾، وكم يترتب على الرقيّة من مفاسد خطيرة نعوذ بالله من ذلك.
فأمَّا صحةُ الإقرار فقد تقرّر أن المذهبَ كون الرشد معتبرًا في الدنيا والدين، وإنْ ذهبَ بعضُ المتأخرين إلى الوجه الضعيفِ طلبًا للتسهيل على الناس؛ لأنَّ المشقّةَ تجلب التيسيرَ، على أنَّ المصلحة في مسألتنا مطابقةُ المذهب في اعتبار الدين حفظًا لحقوق الله تعالى من الضياع، وصدًّا لأهل الفجور والأطماع؛ لعموم البلوى بذلك، فإنَّ الناسَ لا يعرفون ما يترتبُ على الرقِّ من المفاسد، فهم يرتكبون الجرأة على بيع الأحرار طمعًا في الدنيا الفانية، فأمَّا المبيع فإمَّا أن يُكرِهوه على الإقرار، وتعتبرُ عليه بينة الإكراه بعدُ، وإمَّا أنْ يُرغِّبوه فيرغب في الرقِّ لما فيه من حملِ المالك مُؤْنتَه، فيستريح من تعب الطلب للمعاش، وقد شاع نَهْبُ الأحرار، وإكراههم على الإقرار، وبيعهم للتجار، وربّما علم ذلك المشتري فيبتاعه طلبًا للربح، أو يمسكه لئلا تذهب دراهمه.
وأمَّا إقرار الجواري فإنّه وإنْ قيل: إنَّ المعتمدَ أنّه لا يُعتبر فيه الرشد، فقد عرفتَ ما فيه ممَّا حكيناه عن المغني والسيد عمر إلحاقًا له بسائر الإقرارات.
_________________
(١) المصدر نفسه (ص ١٣٨).
[ ١٧ / ٨٦٣ ]
وأمَّا شهادة الحسبة فلا يخفى ما يترتب على استرقاق الحرّ مِنَ المفاسد المُخِلَّةِ بحقوق الله تعالى، وكما قيل في الطلاق: إنه حق الله تعالى بدليل أنَّه لا يرتفع بالتراضي. على أنَّ القول بعدم اعتبار الرشد في إقرار الجواري، فإن كان قبل البينة فتخفيفًا على الناس ينبغي اعتماده، أمَّا بعد ورود البيّنة من قِبل المبيع أو حسبةً فالذي يطمئنُّ إليه القلب
_________________
(١) حفظًا لحقوقِ الله تعالى اعتبار الرشد، تبريئًا لذمّةِ الإمام والحكام وسائر الناس. ولمولانا حفظه الله تعالى النظر، وعليه الجزمُ بما رآه الحقَّ، فإنَّ الحقَّ لا يرفعه قولُ قائلٍ، والله تعالى أعلمُ.
[ ١٧ / ٨٦٤ ]
(٤)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وقعت المذاكرةُ في ما اشتهر الآن في بعض البلدان من بيع الأحرار، والاعتماد على الإقرار، وما يقضي به بعض الحكام من عدم سماع دعوى مَنْ أقرَّ بالرقِّ إذا ادَّعى الحريّةَ، وعدم سماع شهادة حسبة على ذلك، كيف حكمُه؟
أقول: في ق ل (^١) على ح ل قبيل باب بيع الثمار (^٢) ما لفظه:
(تنبيهٌ): لو أقرَّ بالرقِّ لشخصٍ فبِيعَ، ثم ادَّعى الحريَّة لم تُقبل دعواه، إلّا إنْ بيَّنَ له وجهًا محتملًا، وقال ابن حجرٍ: تُقبل مطلقًا لأجل حقِّ الله تعالى. هـ
فهذا إنْ صحَّ أغنى، لكن لم نعثر على ما يفيد ذلك لابن حجر، بل صرَّح بعكسه وأطلق، وإليك عبارتَه في "تحفته" في بابِ اللقيط (^٣):
"ولو أقرَّ بالرقِّ لمعيَّنٍ ثم بحريّة الأصل لم تُسمَع". هـ
نعم قد عُرِفَ أنَّ المذهبَ اشتراطُ الرشد للإقرار بالمال، والرشد هو صلاح الدين والمال، وأمَّا هنا فعبارةُ ابن حجرٍ عند قول "المنهاج" في باب
_________________
(١) قوله (ق ل) رمزٌ للمحشي قليوبي، له حاشيةٌ على (ح ل)، وهو شرح جلال الدين المحلّي على منهاج النووي.
(٢) "حاشية" قليوبي (٢/ ٢٢٤).
(٣) "تحفة المحتاج" (٦/ ٣٥٧).
[ ١٧ / ٨٦٥ ]
اللقيط (^١):
(وإنْ أقرَّ به) أي: الرقّ وهو مكلَّف، وعن ابن عبد السلام ما يقتضي اعتبار رشده أيضًا، وظاهر كلامهم خلافه. هـ.
وفي الحاشية (^٢): قوله: "ما يقتضي اعتبار رشده" اعتمده المغني والسيد عمر، ومال إليه سم (^٣).
عبارة الأول: تنبيهٌ: سكتوا عن اعتبار الرشد في المُقِرِّ هنا، وينبغي ــ كما قال الزركشي ــ اعتبارُه كغيره من الأقارير، فلا يُقبل اعتراف الجواري بالرقّ كما حكي عن ابن عبد السلام، لأنَّ الغالبَ عليهنَّ السفه، وعدم المعرفة. قال الأذرعيُّ: "وهذه العلّةُ موجودةٌ في غالب العبيد، لا سيمَّا مَنْ قرُب عهده بالبلوغ". هـ
وعبارة السيد عمر: قوله: "وظاهر كلامهم خلافه"، قد يُقال: إنما سكتوا عن هذا اكتفاءً بذكره في نظائره؛ إذِ الغالبُ في استيعاب الشروط إنما تكون في الباب المعقود أصالةً لبيان ذلك الحكم، كبابِ الإقرار، ثمَّ رأيتُ المحشّي قال: قوله: "اعتبار رشده" قد يؤيّده أنّه إقرار بمالٍ، وشرطه الرشد، اللهم إلا أن يمنع أن الإقرار بالرقّ ليس من الإقرار بالمال، وإن ترتّب عليه المالُ، انتهى.
وهو إشارةٌ إلى ما نبّهنا عليه.
_________________
(١) المصدر نفسه (٦/ ٣٥٦ - ٣٥٧).
(٢) "حاشية الشرواني" على الموضع السابق.
(٣) أي ابن قاسم.
[ ١٧ / ٨٦٦ ]
وأمّا قوله: "اللهم إلخ" فلا يخفى ما فيه من البُعد بل المكابرة؛ إذ لا معنى لقوله: أنا عبدُه أو نحوه إلاّ أنا مملوكٌ له، وهذا نصٌّ في الماليّة. هـ
فكلامُه هو لا يرجِّح اعتبارَ الرشد، وأين الرشد اليوم في كثيرٍ من الأحرار فضلًا عن الأرقّاء؟ ولو اعتُبِر هذا لشقَّ على النَّاس، إذ كلُّ من أراد بيعَ رقيقٍ احتاج إلى شاهدين على رِقّه، وعليه فتُسمع بعد ذلك دعوى المبيع؛ إذ لم يكن الحكم برقّه مبنيًّا على إقراره فتُرَدُّ دعواه.
وأمّا شهادةُ الحسبة فإليك عبارةَ "المنهاج" مع ملخَّصٍ من عبارة "التحفة" (^١): (وتُقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى وفيما له فيه حقٌّ موكَّدٌ) وهو ما لا يتأثّر برضا الآدمي وإنّما تُسمع عند الحاجةِ إليها حالًا، كأخيها رضاعًا وهو يريد أن ينكحها، أو أعتقه وهو يريد أن يسترقّه (كطلاقٍ وعتقٍ) بأن يشهد به أو بالتعليق مع وجود الصفة أو بالتدبير مع الموت أو بما يستلزمه. هـ
والحريّة من أعظم حقوق الله تعالى، والأصليّة أولى من العتق، ولا فرقَ بين كونِ العتق وقع ممَّن يريد أن يتملّكه أو يبيعه أو مِنْ غيره، كما هو الظاهر.
فالذي يظهر أنَّ شهادة الحسبة لا تُردُّ في هذا؛ إذ هو ممَّا لا يتأثّر برضا الآدميِّ، والله تعالى أعلمُ.
_________________
(١) (١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
[ ١٧ / ٨٦٧ ]