وكذا الإقرار، والورعُ التركُ.
وإمَّا أن يُعلَم حالُها، وله مراتب:
أحدها: أن يتحقق إسلامها في بلادها، ولم يَجْرِ عليها رِقٌّ قبل ذلك، فلا تحلُّ هذه بوجهٍ من الوجوه إلا بزواجٍ شرعيٍّ.
ثانيها: كافرةٌ ممّن لهم ذِمَّةٌ وعهدٌ فكذلك.
ثالثها: كافرة من أهل الحرب مملوكة للكافر، حربيًّا أو غيره، فهي حلال لمشتريها.
رابعها: كافرةٌ من أهل الحرب قهرها وقهرَ سيِّدَها كافرٌ آخر، فإنّه يملكها ويبيعها لمن شاء، وتحلُّ لمشتريها
ثم قال بعد ذلك ما مضمُونُه:
خامسها: كافرةٌ لم يَجْرِ عليها رقٌّ أَخذَها مسلمٌ قهرًا، فإنْ كانت بإيجاف جيشٍ فغنيمةٌ مشتركةٌ بين الغانمين وأهلِ الخمس، أو غزا واحدٌ فأكثر بأمرٍ من الإمام أو بدونه ولو مُتَلصِّصًا فكذلك (^١).
والرقُّ إنَّما يثبت باليد أو بالبيّنة أو بالإقرار ونحو ذلك.
أمَّا باليد ففي حقِّ الصغير والمجنون، فيصدَّق مَن هو في يده في كونه رقيقًا بيمينه مع بيان السبب المعتبر، كما قرّره شُرَّاح "المنهاج" (^٢) في باب اللقيط، عند قول المتن: "ولو رأينا صغيرًا مميزًا " إلخ، وفي باب الدعاوي.
_________________
(١) إلى هنا انتهى النقل من "فتاوى ابن زياد".
(٢) انظر: "نهاية المحتاج" (٥/ ٤٦١).
[ ١٧ / ٨٤٦ ]
وأمَّا بالبيّنة فأمرها ظاهرٌ، وشرطها بيانُ السبب المعتبر، كما قرَّروه عَقِبَ ما مرَّ عند قول المتن: "ومَن أقام بيّنةً بِرِقّه عُمِلَ بها" (^١). ويُشترط أيضًا عدم المعارضة، فإنَّ بيّنةَ الحرّ تُقدَّم على بيّنةِ الرقّ، على ما نقله الهروي عن الأصحاب، وإنْ كان المعتمد خلافَه كما ذكره الرمليُّ في باب الدعاوي (^٢).
وإذا لم تعتبر اليد، ولم تَرِدْ بيّنةٌ معتبرة، فالقول قول المُسْتَرَقّ البالغ بيمينه، وإنْ قد استخدم زمانًا وتداولته الأيادي، كما حققوه في باب الدعاوي.
وأمَّا الصغير فيُقبَل قولُ مسترِقِّه الذي هو في يده بيمينه ما لم يعتمد على الالتقاط، فإذا بلغ وادَّعى الحريَّة لم يُصدَّق إلا ببيّنةٍ على الأصحِّ. أمَّا غيرُ ذي اليد فلا يُصدَّق إلا ببيّنة معتبرةٍ.
وأمَّا الإقرار فأولًا: من المعلوم أنَّ الإقرار بالمال شرطه الرشد، ومن المعلوم أن مذهبَ الشافعي أن الرشدَ صلاح الدين والمال، وإنْ تجوَّز بعضُ المتأخرين فيعمل به حيث دعتِ الحاجةُ، والإقرارُ بالرقِّ هل يُعتبر فيه الرشد؟ الذي فهمه ابن حجر والرمليُّ من إطلاق الأصحاب في باب اللقيط عدمُ اعتباره، على أنَّ ابن حجر إلى اعتباره أميلُ، وباعتباره قال سلطان العلماء الشيخ عزُّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام رحمه الله تعالى، ورجّحه المغني والزركشي والأذرعي وابن قاسمٍ والسيّد عمر، وهو الظاهر؛ لأنّه إقرار بمالٍ، والعذر عن إطلاق الأصحاب في باب اللقيط أنهم قد قيَّدوه في باب الإقرار، وهو الباب المعقود لذلك.
_________________
(١) المصدر نفسه (٥/ ٤٦٢).
(٢) المصدر نفسه (٨/ ٣٤٥).
[ ١٧ / ٨٤٧ ]
وإذا تقرّر هذا فأين الرشد اليوم من أكثر الناس؟ !
ومن شروط الإقرار أيضًا عدم الإكراه، وقد نصُّوا على أنَّ القول قول مدّعي الإكراه إذا قامت أمارةٌ عليه، وكفى بحال الشخص تحت سيطرة المتغلِّبِ عليه الطامعِ في بيعه بمالٍ كثيرٍ، مع فساد الزمان وجهل الناس وشدّة ظلمهم، فإنها أمارةٌ واضحة على الإكراه.
تنبيهٌ:
ويُشتَرط في إثبات الرقّ بأدنى دليل، كأن يكون داخلًا تحت الإمكان. فمَن عُلِمت حريته وإسلامه لم تُسمع دعوى الرقّ عليه أصلًا.
ويُشترط في الإقرار بالرقّ أيضًا أن لا يسبقه إقرار بالحريّة، كما قرَّروه في باب اللقيط.
فإذا ثبت الإقرار المعتبر فهل تُسمع الدعوى بعده؟
قال القليوبي في "حاشيته" على المحلّي (^١) قُبيلَ باب بيع الثمار: "إنّها لا تُسمع إلا أن يبيِّن له وجهًا محتملًا، وأنّ ابن حجرٍ قال: "تُقبَل مطلقًا لأجل حقّ الله تعالى".
وقال في باب الحوالة (^٢): "نعم إنِ اعترفَ العبد قبلها بالرقِّ، أو صرَّح أحدُ الثلاثة قبلها بالملك، لم تُسمَع بيّنتُهم ولا دعواهم، كما اعتمده [شيخنا] (^٣) كشرح شيخنا الرملي، ونقل سماعها مطلقًا؛ لأنَّ الحريّة حقُّ الله تعالى " إلخ.
_________________
(١) (٢/ ٢٢٤).
(٢) (٢/ ٣٢٢).
(٣) زيادة من المطبوع.
[ ١٧ / ٨٤٨ ]
فأمَّا إذا بيَّن وجهًا محتملًا فإنها تُقبل جزمًا، كما أشاروا إليه في باب الحوالة.
وأمَّا ما ذكره عن ابن حجرٍ فلم أره لابن حجر فيِ "التُّحفة" بعد الفحص، بل في كلامه ما يفيد خلافه، قال في بابِ الحوالة (^١): "إنَّ عدمَ سماعِها هو الأصحُّ، مع تناقضٍ لهما في مواضع" يعني الشيخين.
وفي "الداغستاني" (^٢) في باب الحوالة: "قوله: (أو أقامها العبدُ)، قال في "شرح العباب": قال الجلال البلقيني: لم يذكروا إقرار العبد بالرقِّ، والقياس يقتضي تَعيُّنَ إقامة البيّنة حسبةً؛ لأنَّ إقراره بالرقِّ مُكذِّب لبيِّنتِه، فلا يقيمُها. انتهى. ونُقِل عن الأسنوي ما يوافقه، وعن السبكي والأذرعي ما يخالفه، ويؤيّد كلام الجلال والأسنوي امتناعُ سماعها من المتبايعين إذا صرّحا حين البيع بالملك، فإنّ تصريحهما بالملك نظير تصريح العبد بالملك". انتهى، سم بحذفٍ".
فقوله: "ونقل عن الأسنوي ما يوافقه"، أي: قال بعدم سماعها إلا إن كانت حسبةً.
وقوله: "وعن السبكي والأذرعي ما يخالفه"، أي: قالا بسماعها مطلقًا، كما هو ظاهرٌ.
وأمّا الحسبةُ فإنَّه لا شكَّ فيها أنها تُقام على كلِّ حالٍ.
_________________
(١) "تحفة المحتاج" (٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
(٢) هو الشرواني، انظر حاشيته على التحفة في الموضع المذكور.
[ ١٧ / ٨٤٩ ]
وفي "المنهاج" (^١): "وتُقبل شهادةُ الحسبة في حقوق الله تعالى، وفيما له فيه حقٌّ مؤكّد كطلاقٍ وعتقٍ " إلخ.
وفسَّر الشرَّاح (^٢) قوله: "وفيما له حقٌّ مؤكد" بما لا يتأثر برضا الآدمي، ولا شكَّ في أنّ الحريّة كذلك.
إذا علمتَ ما مرّ فإنّ المستَرَقَّ في هذا الزمان إن كان مشهورَ النسب فلا تُسمع دعوى مسترِقِّه أصلًا.
وإن كان مجهولًا لكونه مجلوبًا من قُطرٍ بعيدٍ فالقول قوله بيمينه، ما لم يَسبِق منه إقرارٌ بالرقِّ مستكملٌ للشروط، وهو عزيزٌ جدًّا، لقيام أمارة الإكراه، وعلَّتُه السَّفَهُ. ولو قامت بيّنةٌ أنّ المسترَقَّ قد أقرّ بالحريّة قبل إقراره بالرقّ قُبِلتْ، وأَبطلَتْ إقرارَه بالرقّ.
فأمّا إذا ثبت إقراره المعتبر بالرقِّ ولم يكن مشهور النسب، فهل تُسمَع دعواه الحريّةَ أم لا؟
قد سبق نقل القليوبيِّ عن ابن حجرٍ والرمليّ، ونقلُ ابن قاسم عن السبكيِّ والأذرعي.
وأمّا كلام الجلال البلقيني وموافقةُ الإسنوي له فهو عبَّر بقوله: "والقياس يقتضي " إلخ، وكثيرًا ما تُنقَض القواعد ويُخالَف القياس في هذا الباب لخطر شأن الحريّة.
_________________
(١) "منهاج الطالبين" (٣/ ٤٣٧).
(٢) انظر "تحفة المحتاج" (١٠/ ٢٣٧) و"نهاية المحتاج" (٨/ ٣٠٦).
[ ١٧ / ٨٥٠ ]
وبما قرَّرناه تبيّن أن الإقرار بالرقِّ لا حكمَ له، لغلبةِ السفه وعدم المعرفة، وقيامِ أمارة الإكراه، مع غلبة الحريةِ ــ وهي الأصلُ ــ ونُدورِ الرقّ المتيقّن.
فعليه كلُّ مُسْتَرقٍّ ادَّعى الحريةَ فالقول قوله بيمينه، سواء سبقَ منه إقرارٌ بالرقِّ أمْ لا، إلاّ أن يقيم مُسْترِقُّه بيّنةً برقِّه، فإن أقامها ثبت الرقُّ إلاّ أن تقوم بيّنةٌ بالحريّة، سواء أقامها العبدُ ــ على ما مرّ عن السبكي، ونقله (ق ل) عن ابن حجرٍ والرملي، ومرّ توجيهُه ــ أم أُقيمتْ حسبةً، فإنّ بيّنةَ الحريّة تُقَدَّمُ على بيّنةِ الرقيّة، على ما نقله الهروي عن الأصحاب، ويتّجه ترجيحُه لفسادِ الزمان وكثرةِ العدوان، وغلبةِ الحريّة ــ وهي الأصلُ ــ ونُدورِ الرقِّ.
وأيُّ إنسانٍ جلب مُسترَقًّا فالأحوط للمشتري أن لا يشتريه إلا بعد إخبار موثوقٍ بأنّه مملوكٌ حقًّا، وإلّا فاللازمُ عليه أنْ يشتريَه بخيار الشرط، ثم يؤمِّنه ويطمئنه [] (^١)، ويُسكِّن فَزَعه، ويقول له: إن كنتَ حُرًّا فأنت آمِنٌ ضامنٌ، وأنا أقبِضُ منهم دراهمي، وأحمِيْك منهم، وأمنعُهم عن التعرُّض لك، ثم إن أحببتَ البقاء لديَّ وإلّا أرجعتُك إلى أهلك مع مَن أَثِقُ به. وإن كنتَ مملوكًا فلا تكذِبْ.
فإن قال: أنا حُرٌّ، لزِمَه رفعُه إلى الحاكم للبحث عنه، ولا يُسْلِمه إلى جالبِه.
وإنْ قال: بل أنا مملوكٌ، فلا بأسَ أنْ يشتريَه معتمدًا على ظاهر اليد مع إقراره، بعد تأمينه وتَطْمِينه.
_________________
(١) هنا كلمتان غير واضحتين.
[ ١٧ / ٨٥١ ]
والحذرَ ثم الحذرَ من التساهل في هذا، فإنَّه من أخطر الخطر، كيف وما يترتَّبُ عليه من المفاسد كثيرٌ؟ ! كالتسرّي واسترقاق الأولاد، إلى غير ذلك.
والنظرُ لمولانا أميرِ المؤمنين، مُقيمِ أَوَدِ الدين، المجتهد المطلق، سيّدنا الإمام محمد بن عليِّ بن إدريس، حفظه اللهُ تعالى، آمين.
وقد كنتُ أردتُ نقلَ عباراتِ شُرَّاح "المنهاج" و"المنهج" و"الحواشي" في باب الإقرار، والحَجْر، والحوالةِ، واللقيط، والدعاوي والشهادات، فلم تُساعدني العزيمةُ، ورأيتُ الذي أوردتُ كافيًا. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ١٧ / ٨٥٢ ]