(١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أكرمنا بالهداية، ولاحظَنا بالرّعاية، وحَفَّنا باللطف والعناية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الهادي من الغَواية، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي أنزل عليه الكتاب فأوضح آيه، صلّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه أهلِ الفضل والدِّراية.
أمّا بعدُ، فإنّي لمّا رأيتُ العِلْمَ قد خبا زِنادُه، وكَبا جَواده، بل كان قد أصبح نَسْيًا منسيًّا، وعَدّ الناسُ من بقيَ من حَمَلتِه مرتكبين شيئًا فريًّا، لولا قيامُ مولانا أمير المؤمنين لتجديده، واجتهاده في بنائه وتشييده. وكنتُ ممَّن تشبّه بأهله، ولبِسَ العِمامةَ مع جهله، أزعجني ما حَدَث في بيع الأحرار، وما يعاملُهم به القضاة من عدم سماع دعوى المبيع ولا شهادةِ الحسبة مؤاخذةً بظاهر الإقرار؛ فرأيتُ القيام بهذه المهمّة عملًا بالظاهر من كوني ممّن يُعتَدُّ به في هذا المجال، وإن كنتُ في الحقيقةِ من جملة الجُهَّال.
فأولًا: لا يخفى عِظَمُ خَطَر الحريّة، قال الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١
_________________
(١) ١٣] إلى غير ذلك من الآيات، بحيث جَعَله كفَّارةً لأكبر الكبائر وهو القتل، وكفَّارةً للظهار، وكفَّارةً للجماع في رمضان إلى غير ذلك. وقد قرنَها الله تعالى بالإيمان، قال تعالى: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، أي: أنعم الله عليه بالهداية إلى الإسلام، وأنعمتَ عليه بالفكِّ من رِبْقةِ الرقِّ.
[ ١٧ / ٨٤٣ ]
وفي الصّحيحين (^١) عن أبي هريرة قال: قال - ﵌ -: "مَن أعتقَ رقبةً مسلمةً أعتقَ الله بكل عضوٍ منه عضوًا من النار، حتَّى فَرْجَه بفَرْجِه".
وروى البيهقيُّ في "شعب الإيمان" (^٢) عن البراء بن عازبٍ قال: "جاء أعرابيٌّ إلى النبيّ - ﵌ -، فقال: علِّمني عملًا يُدخِلُني الجنّة. قال: "لئن كنتَ أقصرتَ الخطبةَ لقد أعظمتَ المسألة. أعتِقِ النَّسَمةَ، وفُكَّ الرقبةَ". قال: أوَليسَا واحدًا؟ قال: "لا، عِتْقُ النسَمة أن تنفرد بعتقها، وفكُّ الرقبةِ أن تُعِين في ثمنها " الحديث.
وفي حديثٍ رواه أبو داود والنسائي (^٣): أنّ رسول الله - ﵌ - سُئِلَ في شأن رجلٍ قَتَل، فقال: "أَعتِقوا عنه، يُعتِقِ اللهُ إليه بكلِّ عضوٍ عضوًا منه من النار".
وفي "شعب الإيمان" (^٤): أنّه - ﵌ - قال: "أفضلُ الصدقة الشفاعةُ، بها يُفَكُّ رقبةٌ".
وفي مسلمٍ (^٥) عن أبي هريرة قال: قال - ﵌ -: "لا يَجزِي ولدٌ والده إلا
_________________
(١) البخاري (٦٧١٥) ومسلم (١٥٠٩).
(٢) رقم (٤٠٢٦) ط. الهند. وأخرجه أيضًا أحمد في "مسنده" (١٨٦٤٧) وابن حبّان في "صحيحه" (٣٧٤) والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ٢٧٢، ٢٧٣). وإسناده صحيح.
(٣) أبو داود (٣٩٦٤) والنسائي في الكبرى (٤٨٧٢) عن واثلة بن الأسقع، وهو حديث صحيح. راجع تعليق المحققين على "المسند" (١٦٠١٢).
(٤) رقم (٧٢٧٩) عن سمرة بن جندب. وفي إسناده أبو بكر الهذلي، وهو ضعيف. وذكر الذهبي في "الميزان" (٤/ ٤٩٧) هذا الحديث من مناكيره.
(٥) رقم (١٥١٠).
[ ١٧ / ٨٤٤ ]