أفرد المصنّفُ ﵀ في هذا الجزء مسألة مهمة جدًّا تقع للنساء في كُلِّ حجٍّ، وهي مسألةُ المرأة المحرمة التي تحيض قبل أن تطوفَ طواف الإِفاضة ولا تستطيع المقام حتى تطهر فتطوف؛ لأنها تريد الرحيل مع ركبها، فماذا تصنع؟
هذا ما يحاول المصنف ﵀ حَلَّهُ وإزالةَ الإِشكال عنه، ورفع الحرج عن نساءِ الأُمَّة.
وقد أورد هذه المسألة الفقيه الشافعي ابنُ حجر الهيتمي (١) المكي
_________________
(١) الهيتمي بالتاء المثناة، هو صاحب الحاشية الآتي ذكرها و"الفتاوى الحديثية" و"الفتاوى الفقهية" وهو الفقيه الشافعي المتأخر. وأما الهيثمي بالثاء المثلثة فهو متقدم عليه وهو صاحب "مجمع الزوائد"، وهو المحدث المشهور نور الدين الهيثمي شيخ الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵏ جميعًا، فلا تغلط!
[ ٢٥ ]
في "حاشيته على الإِيضاح" في مناسك الحج للإِمام النووي (١) فقال:
"فائدة: كثر كلام الأئمة في نساء الحجيج إذا حِضْنَ قبل طواف الإِفاضة ولم يمكنهن التخلُّف لفعله، وللبارزيّ في المسألة كلام حسن طويل ".
ثم لخَّص كلام الإِمام البارزي الآتي في هذا الجزء.
ثُمَّ قال:
"لكن اعترضه اليافعيُّ فقال: عجبتُ من تجويزه السَّفَرَ للحائض قبل طواف الإِفاضة مع جلالة علمه (٢) وقول الذهبي في حقه: إنه بلغ رُتبة الاجتهاد. والنووي (٣): ليس في هذه البلاد أفقهُ من هذا الشاب. وكان يعرض عليه ما اختصره من "الروضة" (٤). وقد صحَّ قولُه - ﷺ - لما حاضت صفيَّةُ: "أحابِسَتُنَا هي؟ " (٥)، يعني عن السَّفَرِ حتى تَطْهُرَ .. هذا خارج عن
_________________
(١) (٣٨٧ - ٣٨٩)، من طبعة محمود غانم غيث.
(٢) أي: البارزي ﵀.
(٣) أي: وقول النووي فيه.
(٤) أي: "روضة الطالبين" للإمام النووي ﵀.
(٥) نص الحديث: عن عائشة ﵂ قالت: حَجَجْنا مع النبي - ﷺ -، فَأَفَضنا يوم النحر، فحاضت صفيَّة، فأراد النبي - ﷺ - منها ما يريدُ الرَّجُلُ مِنْ أهْلِهِ، فَقُلْتُ: يا رسولَ الله، إنَّها حائِضٌ. قال: "أَحابِسَتُنَا هي؟ "، قالوا: يا رسولَ الله، إنَّها قد أَفَاضَتْ يومَ النحرِ، قال: "اخْرُجُوا". أخرجه البخاري في: باب الزيارة يوم النحر، وباب إذا حاضت المرأةُ بعدما أفاضت، وباب الإدلاج من المحصب، من كتاب الحج، وفي باب قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ ﴾ من كتاب الطلاق. صحيح البخاري ٢/ ٢١٤، ٢٢٠، ٢٢٣؛ ٧/ ٧٥. =
[ ٢٦ ]
الكتاب والسنَّة والإِجماع والقياس".
وأجاب الهيتمي عن اعتراض اليافعي هذا بقوله:
"ولك أن تقول: لم يقل البارزيُّ: يجوز لها السَّفَرُ بغير طوافٍ؛ وإنما قال: إذا سافرت صبرت حتّى يتعذَّر رجوعُها ثُمَّ تتحلل. وليس في ذلك تجويز السفر لها، بل بيان الطريق إلى تحللها إذا سافرت بلا طواف، فحينئذٍ كلامُهُ لم يُخالف الكتابَ ولا غيرَه!
ثُمَّ رأيتُ البُلْقينيَّ استنبطَ مما ذكروه في الإِحصار من الطواف أنها إذا لم يمكنها الإِقامة حتى تطهر وجاءت بلدها وهي محرمةٌ وعدمت النفقة ولم يمكنها الوصول إلى البيت؛ أنها كالمُحْصَرِ، فتتحلل تَحَلُّلَه. وأيَّده بما في "المجموع": أنه لو صُدَّ عن طريقٍ ووجدَ آخرَ أطولَ ولم يكن معه ما يكفيه إذا سَلَكَهُ فَلَهُ التَّحَلُّلُ. قال الوليُّ العِراقيُّ: وهو استنباطٌ حَسَنٌ. وبه
_________________
(١) = ومسلم في صحيحه في باب وجوب طواف الوداع، من كتاب الحج. صحيح مسلم ٢/ ٩٦٤، ٩٦٥. كما أخرجه أبو داود، في باب الحائض تخرج بعد الإفاضة، من كتاب المناسك. سنن أبي داود ١/ ٤٦٢. والترمذي في باب ما جاء في المرأة تحيض بعد الإِفاضة، من أبواب الحج. عارضة الأحوذي ٤/ ١٧١. وابن ماجه في باب الحائض تنفر قبل أن تودع، من كتاب المناسك. سنن ابن ماجه ٢/ ١٠٢١. والإمام مالك في باب إفاضة الحائض، من كتاب الحج. الموطأ ١/ ٤١٢، ٤١٣. والإِمام أحمد في المسند ٦/ ٣٨، ٣٩، ٨٢، ٨٥، ٩٩، ١٢٢، ١٦٤، ١٧٥، ١٩٣، ٢٠٢، ٢٠٧، ٢١٣، ٢٢٤، ٢٥٣، ٤٣١.
[ ٢٧ ]
أفتى شيخُ الإِسلام فقيه عصره الشرفُ المُناوي، وهو مُؤَيِّدٌ لما قال البارزيُّ، فهو المعتمد.
فإن قُلْتَ: فَقْدُ النَّفَقَةِ لا يجوزُ التحلُّلُ به إلَّا لِمَنْ شَرَطَهُ (١)، كما صَرَّحوا به؟
قُلْتُ: الظاهرُ أن محل ذلك في التحلُّلِ قبل الوقوفِ، أَمَّا بعده -كما هنا- فيجوزُ التحللُ بسببه وإنْ لم يَشْتَرِطْهُ.
على أَنَّ بعضَ الحنابلة نقل عن طائفة من العُلماء ما يُصَرِّحُ بجواز سَفَرِها وتَحلُّلها تَحَلُّلَ المُحْصَرِ.
وإذا علمت ما تَقَرَّرَ؛ فالأليقُ بمحاسن الشريعة أَنَّ من ابتُلِيَتْ بشيءٍ من أحدِ الأقسام الأربعة المذكورة (٢) تُقَلِّدُ القائلَ بما لها فيه مَخْلَصٌ. بل اختار بعض الحنابلة وتبعه بعضُ متأخري الشافعية أنه لا يُشترط طُهْرُها إذا لم تتوقع فراغَ حيضها قبل سفر الركب للضَّررِ الشديد بالمقام والرحيل مُحْرِمةً، وأنَّه يجوزُ لها دخولُ المسجدِ للطوافِ بعدَ إحكام الشَّدِّ والغسل والعَصْبِ، كما تباحُ الصلاةُ لنحو السلس، وأنه لا فديةَ عليها لعُذْرِها.
لكن لا يجوز تقليد القائل بذلك لأنه لم يُعلم من قاله من المجتهدين، وغير المجتهد لا يجوز تقليدُهُ! " انتهى كلام ابن حجر الهيتمي.
أقول: قائل هذا من الحنابلة -الذي أخفى الهيتمي ﵀
_________________
(١) أي: اشترط ذلك عند نيته والدخول في نُسكه.
(٢) أي: المذكورة في جزء البارزي، كما سيأتي.
[ ٢٨ ]
اسمه (١) -هو شيخ الإِسلام ابن تيميةَ رحمه الله تعالى، وابن تيمية وإن لم يبلغ مرتبة الأئمة الأربعة إلَّا أنه لا شك في بلوغه درجة الاجتهاد بشهادة أعيان عصره وفقهائهم ومن بعدهم .. وما المانع أن يجتهد العالم في إيجاد الحلول للنوازل الواقعة والمسائل المستحدثة؟! لو لم يفعل فقهاؤنا ذلك لماتَ الفقه والتفقه في الدين وزال واضمحل!!
وشيخ الإِسلام ابن تيمية لما أفتى في هذه المسألة، قال بكل تواضع وأمانة ﵀:
"هذا هو الذي تَوَجَّه عندي في هذه المسألة، ولا حول ولا قوة إلَّا باللهِ العلي العظيم. ولولا ضرورة الناس واحتياجهم إليها علمًا وعملًا لما تَجَشَّمْتُ الكلام، حيثُ لم أجد فيها كلامًا لغيري، فإن الاجتهاد عند الضرورةِ مما أَمَرَنا الله به، فإن يكن ما قُلْتُه صوابًا، فهو حكم الله ورسوله، والحمد لله. وإن يكن ما قُلْتُهُ خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان من الخطأ. وإن كان المخطئ معفوًا عنه. والله ﷾ أعلم. والحمد لله وحده، وصلَّى الله على محمَّد وآله وسلّم تسليمًا" (٢).
أقول: وراجع تفصيل فتاواه في هذه المسألة المهمة في "مجموع الفتاوى" ٢٦/ ٢١٩ - ٢٤١؛ ٢٤٢ - ٢٤٥.
_________________
(١) وإنما أخفى اسمه لمخالفته له في كثير من مسائل الأصول والفروع!! وانظر: "جلاء العينين في محاكمة الأحمدين" للآلوسي، ويقصد بالأحمدين: ابن تيمية والهيتمي رحمها الله تعالى.
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية ٢٦/ ٢٤١.
[ ٢٩ ]
وخلاصة رأيه: أنها (١) تفعل ما تقدر عليه (٢) ويسقط عنها ما تعجز عنه، ولا دم عليها -في الراجح عنده- لأن الواجب إذا تُرِكَ من غير تفريط فلا يجب بتركه الدم.
ونعمَ الرأْي رَأْيُهُ ﵀، ولا تحتاج المسلمةُ بعد ذلك إلى إعمال بعض الحيل التي ذكرها بعض الفقهاء ﵏ جمودًا منهم وتخوفًا من الاجتهاد!!