طعامًا، فإن ذلك لا يجزئ» (١).
النوع الرابع: الزوج هل تدفع الزوجة زكاتها إليه أم لا؟ اختلف العلماء ﵏ على قولين:
القول الأول: لا تدفع زكاتها إلى زوجها، وهو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة؛ لأنها تنتفع بدفعها إليه؛ لأنه إن كان عاجزًا عن الإنفاق عليها تمكن من أخذ الزكاة من الإنفاق، فليزمه، وإن لم يكن عاجزًا، ولكنه أيسر بها لزمته نفقة الموسرين، فتنتفع بها في الحالين، فلم يجز لها ذلك (٢).
القول الثاني: يجوز لها دفع زكاتها إلى زوجها، وهو رواية عن الإمام أحمد، ومذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن مالك، وبه قال ابن المنذر، وطائفة من أهل العلم، واستدلوا بحديث أبي سعيد - ﵁ - وفيه: أن زينب امرأة ابن مسعود قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حليٌّ لي، فأردت أن أتصدق بها فزعم ابن مسعود أنه وولده أحقُّ من تصدقت به عليهم، فقال النبي - ﷺ -: «صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقتِ به عليهم» (٣)؛ ولحديث زينب الآخر وفيه: أنها أرسلت بلالًا يسأل النبي - ﷺ -: أيجزىء عني أن أنفق على زوجي، وأيتامٍ لي في حجري؟ فسأله فقال: «نعم، ولها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة» (٤)، قال
_________________
(١) الشرح الممتع، ٦/ ٢٦٨.
(٢) المغني لابن قدامة، ٤/ ١٠٠ - ١١١.
(٣) البخاري، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الأقارب، برقم ١٤٦٢.
(٤) متفق عليه: البخاري، كتاب الزكاة، باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر، برقم ١٤٦٦، ومسلم، كتاب الزكاة، باب فضل الصدقة على الأقربين والزوج، والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين، برقم ١٠٠٠.
[ ٥٨ ]
الإمام ابن قدامة بعد استدلاله بهذا الحديث: ولأنه لا تجب نفقته، فلا يمنع دفع الزكاة إليه كالأجنبي ويفارق الزوجة؛ فإن نفقتها واجبة عليه؛ ولأن الأصل جواز الدفع؛ لدخول الزوج في عموم الأصناف المسمين في الزكاة، وليس في المنع نصٌّ ولا إجماع، وقياسه على من ثبت المنعُ في حقه غير صحيح؛ لوضوح الفرق بينهما، فيبقى جواز الدفع ثابتًا، والاستدلال بهذا أقوى من الاستدلال بالنصوص (١)؛ لضعف دلالتها (٢)؛ فإن الحديث الأول في صدقة التطوع؛ لقولها: «أردت أن أتصدق بحلي لي، ولا تجب الصدقة بالحلي، وقول النبي - ﷺ -: «زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم» والولد لا تدفع إليه الزكاة » (٣)، فكلام ابن قدامة هذا يدل على ميوله إلى القول بهذا القول والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر ﵀: «ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم فلما ذكرت الصدقة ولم يستفصلها عن تطوع ولا واجب، فكأنه قال: يجزئ عنك فرضًا كان أو تطوعًا، وأما الولد فليس في الحديث تصريح بأنها تعطي ولدها من زكاتها، بل معناه أنها إذا أعطت زوجها فأنفقه على ولدها كانوا أحق من الأجانب، فالإجزاء يقع بالإعطاء للزوج، والوصول إلى الولد بعد بلوغ الزكاة محلها» (٤).
ورجح جواز إعطاء المرأة زكاتها لزوجها الإمام الشوكاني ﵀؛
_________________
(١) المغني، لابن قدامة، ٤/ ١٠١ - ١٠٢.
(٢) يعني في هذه المسألة.
(٣) المغني، لابن قدامة، ٤/ ١٠١ – ١٠٢.
(٤) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ٣٣٠.
[ ٥٩ ]
لعدم المانع من ذلك، ومن قال: إنه لا يجوز فعليه الدليل، ثم ذكر ترك الاستفصال لها بمنزلة العموم، فلما لم يستفصلها عن الصدقة: هل هي تطوع أو واجب؟ فكأنه قال: يجزئ عنك فرضًا كان أو تطوعًا (١).
وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: «والصواب جواز دفع الزكاة إلى الزوج إذا كان من أهل الزكاة» (٢).
وسمعت شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز ﵀ أثناء تقريره على حديث «زوجك وولدك أحقُّ من تصدقت به عليهم» (٣) يقول: « الصدقة على القريب صدقة وصلة، وظاهر هذه الصدقة أنها تطوع، وظاهر كلام العلماء: أن الزكاة لا تجوز على الأصل والفرع، أما الزوج فالأرجح دفع الزكاة له إذا كان فقيرًا» (٤). وسمعته يقول أثناء تقريره على حديث: «نعم، لها أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة» (٥): وهذا مثل الحديث الآخر: «إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة» (٦) وهذا كله في صدقة التطوع والحاصل: أن الزكاة على
_________________
(١) نيل الأوطار للشوكاني، ٣/ ٩٣.
(٢) الشرح الممتع لابن عثيمين، ٦/ ٢٦٦، وقد أطال في التفصيل والإيضاح لذلك، وذكر قاعدة فقال: الأصل فيمن ينطبق عليه وصف الاستحقاق أنه مستحق، وتجزئ الزكاة إليه إلا بدليل ولا نعلم مانعًا من ذلك إلا إذا أعطته أسقطت عن نفسها بذلك واجبًا [الشرح الممتع، ٦/ ٢٦٧].
(٣) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٦٢، ومسلم، برقم: ١٠٠٠ وتقدم تخريجه.
(٤) سمعته أثناء تقريره على الحديث رقم ١٤٦٢ من صحيح البخاري.
(٥) متفق عليه: البخاري، برقم ١٤٦٤، ومسلم، برقم ١٠٠٠، وتقدم تخريجه.
(٦) النسائي، برقم ٢٥٨١، والترمذي، برقم ٦٥٨ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي، ٢/ ٢٢٣، وتقدم تخريجه.
[ ٦٠ ]