(فصل)
فإن عدم النية وسبب اليمين وما هيجها والتعيين١ رجع في اليمين إلى
_________________
(١) ١ في (ب) "والتعين".
[ ١٣٣ ]
ما يتناوله الاسم١.
ويقدم شرعي فعرفي فلغوي٢.
فإن لم تختلف بأن لم يكن له إلا مسمى واحد كسماء، وأرض، ورجل، وإنسان ونحوها/٣ انصرف إلى مسماه بلا خلاف٤.
فالشرعي: ماله موضوع شرعا وموضوع لغة: كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو لك٥.
فاليمين المطلقة تنصرف إلى الموضوع الشرعي، وتتناول الصحيح منه، بخلاف الفاسد؛ لأنه ممنوع شرعا، فمن حلف لا ينكح، أو لا يبيع، أو لا يشتري- والشركة والتولية والسلم والصلح على مال شراء – فعقد عقدا فاسدا من بيع أو نكاح أو شراء لم يحنث٦.
وبه قال الشافعي٧.
_________________
(١) ١ هذا المذهب، وقيل: يقدم ما يتناوله الاسم على التعيين. وانظر الكافي: ٤/٣٩٥، المحرر: ٢/٧٥، الإنصاف: ١١/٦٠. ٢ على الصحيح من المذهب. وانظر الإنصاف: ١١/٦١، دليل الطالب: ٣٢٩. ٣ نهاية لـ (٢٣) من (أ) . ٤ المغني: ١٣/٦٠٣، المبدع: ٩/٢٨٩. ٥ المقنع: ٣/٥٧٦. ٦ هذا الصحيح من المذهب، وعن أحمد رواية: أنه يحنث في البيع وحده، وقيل: يحنث في بيع ونكاح مختلف فيه. وانظر الهداية: ٢/٣٦، الإنصاف: ١١/٦١، منار السبيل: ٢/٣٩٢. ٧ الحلية: ٧/٢٨٨، مغني المحتاج: ٤/٣٥٠.
[ ١٣٤ ]
وقال أبو حنيفة١: إذا قال لعبده: إن زوجتك، أو بعتك فأنت حر، فزوجه تزويجا فاسدا لم يعتق، وإن باعه بيعا فاسدا يملك به حنث؛ لأن البيع الفاسد عنده يثبت به الملك إذا اتصل به القبض.
وإن حلف لا يحج فحج حجا فاسدا حنث لوجوب المضي في فاسده، وكونه كالصحيح فيما يحل ويحرم٢.
ولوقيد حالف يمينه بممتنع الصحة كلا يبيع الخمر أو الحر٣، أو قال لامرأته: إن طلقت فلانة الأجنبية، أو إن سرقت مني شيئا وبعتيه فأنت طالق ففعلت بأن سرقت منه شيئا فباعته/٤ أو فعل بأن باع الخمر أو الحر، أو قال لأجنبية أنت طالقن حنث بصورة ذلك لتعذر الصحيح فتصرف اليمين إلى ما كان على صورته٥ خلافا لقاضي في الأخيرة٦، وعلل ذلك بأن البيع الشرعي لم يوجد، والأول أولى؛ لأن صورة البيع وجدت٧.
ومن حلف: "لا يحج ولا يعتمر" حنث بإحرام أو بها٨، و"لا يصوم"
_________________
(١) ١ تبيين الحقائق: ٣/١٥٦، ملتقى الأبحر: ١/٣٢٦، الفتاوى الهندية: ٢/١١٣، ١١٧. ٢ المغني: ٥/٢٠٥، الفروع: ٦/٣٦٩. ٣ في (أ) "والحر". ٤ نهاية لـ (٢٥) من (ب) . ٥ المبدع: ٩/٢٩١، شرح المنتهى: ٣/٤٣٥. ٦ الفروع: ٦/٣٦٦، الإنصاف: ١١/٦٢. ٧ الشرح الكبير: ٦/١٠٥. ٨ هذا الصحيح من المذهب، وقيل: لا يحنث إلا بفراغه من أركانهما. وانظر المبدع: ٩/٢٩٣، منتهى الإرادات: ٢/٥٤٦.
[ ١٣٥ ]
بشروع صحيح في الصوم، فإن مات أو بطل الصوم فلا حنث١، وإن كان حال حلفه صائما فاستدامه حنث٢، ومن حلف لا يصلي حنث بالتكبير ولو على جنازة٣، وعند الحنفية لا يحنث إلا بركعة٤، لا من حلف "لا يصوم صوما" حتى يصوم يوما، أو "لا يصلي صلاة" حتى يفرغ مما يقع عليه اسمها٥.
وقال الحنفية٦: بشفع.
ومن حلف لا يبيع أو لا يؤجر أو لا يزوج فلانا فأوجب ذلك ولم يقبل فلان لم٧ يحنث٨، قال الشارح٩: "لا نعلم فيه خلافا".
_________________
(١) ١ شرح المنتهى: ٣/٤٣٥. ٢ وهناك وجه آخر: أنه لا يحنث، قال المرداوي: "ولعله أولى". وانظر: الإنصاف: ١١/٦٥، تصحيح الفروع: ٦/٣٦٩. ٣ هذا المذهب، وهو قول القاضي أبي يعلى، وقال أبو الخطاب: لا يحنث حتى يصلي ركعة بسجدتيها وقيل: لا يحنث حتى يصلي ركعتين، وذكره في الشرح رواية. وانظر الجامع الصغير لأبي يعلى: ٩٤٩، الهداية لأبي الخطاب: ٢/٣٨، الشرح الكبير: ٦/٢٠٦، الإنصاف: ١١/٦٤. ٤ تبيين الحقائق: ٣/١٥٤. ٥ بأن يصلي ركعة بسجدتيها لأنه أقل ما يطلق عليه اسم الصلاة شرعا. الإنصاف: ١١/٦٤، شرح المنتهى: ٣/٤٣٦، كشاف القناع: ٦/٢٥٠. ٦ تبيين الحقائق، الصفحة السابقة. ٧ "لم" أسقطت من (ب) . ٨ الإنصاف: ١١/٦٦. ٩ الشرح الكبير: ٦/١٠٥.
[ ١٣٦ ]
وإن حلف:"لا يهب زيدا شيئا" أو "لا يوصي له" أو "لا يتصدق عليه" ففعل، ولم يقبل زيد حنث١.
وبه قال أبو حنيفة٢، خلافا للشافعي٣.
و"لا يهبه" فأهدى إليه أو باعه وحاباه، أو وقف أو تصدق عليه صدقة تطوع حنث٤.
وهو مذهب الشافعي في صدقة التطوع٥/٦.
وقال أبو الخطاب٧: لا يحنث فيها.
وهو قول أصحاب الرأي٨؛ لأنهما يختلفان اسما وحكما بدليل قوله ﷺ: "هو عليها صدقة ولنا هدية" ٩. وكانت الصدقة محرمة عليه، والهدية
_________________
(١) ١ المقنع: ٣/٥٧٧، الإنصاف: ١١/٦٥. ٢ اختلاف الفقهاء للطحاوي: ١٢٨، المبسوط: ٩/١٠. ٣ لم يحنث عند الشافعي. االحلية: ٧/٢٨٧، المنهاج: ١٤٧. ٤ هذا المذهب، وفيه وجه آخر: أنه لا يحنث. المبدع: ٩/٢٩٤-٢٩٥، الإنصاف: ١١/٦٦-٦٧. ٥ نهاية المحتاج: ٨/٢١٦. ٦ نهاية لـ (٢٤) من (أ) . ٧ الهداية: ٢/٣٦. ٨ البحر الرائق: ٤/٤٠١، مجمع الأنهر: ١/٥٨٣. ٩ورد من طريق عائشة ﵂، رواه البخاري، كتاب النكاح باب الحرة تحت العبد: ٣/٢٤٢-٢٤٣،واللفظ له، ومسلم، كتاب العتق باب إنما الولاء لمن أعتق: ٢/١١٤٣-١١٤٤ رقم (١١) (١٥٠٤) .
[ ١٣٧ ]
حلال له، ذكر معنى ذلك في الشرح الكبير١.
ولا يحنث إن كانت الصدقة واجبة٢، أو من نذر، أو كفارة، أو ضيفه٣ الواجب، أو أبرأه من دين له عليه أو أعاره٤ -خلافا لأبي الخطاب فيها فقط٥ - أو أوصى له أو حلف لا يتصدق عليه فوهبه، أو حلف لا تصدق فأطعم عياله٦.
وإن نذر أن يهب لفلان شيئا بر بإيجاب الهبة له كما لو حلف ليهبن له فأوجب الهبة له٧.
_________________
(١) ١ الشرح الكبير: ٦/١٠٧، وذكره في المغني أيضا: ١٣/٤٩٤. ٢ الإنصاف: ١١/٦٧. ٣ في (ب) "أو منيفة" كذا. ٤ المبدع: ٩/٢٩٤. ٥ الهداية: ٢/٣٦. ٦ الكشاف: ٦/٢٥٠. ٧ شرح منتهى الإرادات: ٣/٤٣٦.
[ ١٣٨ ]
وكالظعينة١: حقيقة في الناقة يظعن عليها، وعرفا: المرأة/٢ في الهودج٣. وكالدابة٤: حقيقة ما دب ودرج، وعرفا: الخيل والبغال والحمير.
وكالغائط٥: حقيقة المكان المطمئن من الأرض، وعرفا: الخارج المستقذر.
وكالعذرة٦: حقيقة فناء/٧ الدار، وعرفا: الغائط، ونحو ذلك، فيتعلق اليمين فيه بالعرف دون الحقيقة٨.
فمن حلف لا يأكل عيشا – لغة الحياة -٩ حنث بأكل خبز، ولا يطأ امرأته أو أمته حنث بجماعها١٠، ولا يتسرى بوطء أمته مطلقا١١؛ لأن التسري مأخوذ من السر وهو الوطء١٢، قال تعالى: ﴿لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا﴾ ١٣ أي وطئا١٤.
_________________
(١) ١ اللسان: ١٣/٢٧١، هداية الراغب: ٥٤٩. ٢ نهاية لـ (٢٦) من (ب) . ٣ اللسان الصفحة السابقة. ٤ اللسان: ١/٣٦٩-٣٧٠، الكشاف: ٦/٢٥٩. ٥ اللسان: ٧/٣٦٥، الروض المربع: ٣/٣٧٤. ٦ اللسان: ٤/٥٥٤، الكشاف: ٦/٢٥٩. ٧ نهاية لـ (١٦) من الأصل. ٨ شرح منتهى الإرادات: ٣/٤٣٧. ٩ اللسان: ٦/٣٢١. ١٠ شرح منتهى الإرادات: ٣/٤٣٧. ١١ الهداية: ٢/٣٨. ١٢ اللسان: ٤/٣٥٨ (سرر) . ١٣ من الآية (٢٣٥) من سورة البقرة. ١٤ زاد المسير لابن الجوزي: ١/٢٧٧ن فتح القدير للشوكاني: ١/٢٥٠.
[ ١٣٩ ]
ومن حلف لا يدخل بيتا حنث بركوب سفينة، ودخول مسجد وحمام وبيت شعر وخيمة١.
وقال الشافعية٢: لا يحنث بدخول مسجد وحمام وكنيسة وغار جبل؛ لأنه لا يقع عليه اسم البيت إلا بتقييد كما يقال: الكعبة بيت الله والبيت الحرام.
ولا يحنث٣ بدخول صفة ودهليز٤، وفاقا للشافعية٥ والحنفية٦.
وإن حلف لا يشم الريحان حنث بشم ورد وبنفسج وياسمين ونسرين ونحوه من كل زهر طيب الرائحة٧، خلافا للحنفية٨.
وقال القاضي٩: تختص يمينه بالريحان الفارسي، وقدمه في المقنع١٠، وجزم به في الوجيز١١.
وهو مذهب الشافعي١٢.
_________________
(١) ١ غاية المنتهى: ٣/٣٨٢. ٢ المهذب: ٢/١٣٣، مغني المحتاج: ٤/٣٣٤. ٣ الإقناع: ٤/٣٥١. ٤ الدهليز: الممر الواصل بين الباب والدار. المصباح المنير: ٢٠١، معجم لغة الفقهاء: ٢١١. ٥ وقال بعضهم: يحنث. وانظر: الروضة: ١١/٢٨، مغني المحتاج: ٤/٣٣١. ٦ البحر الرائق: ٤/٣٣٠. ٧ الإنصاف: ١١/٩١، منتهى الإرادات: ٢/٥٤٨. ٨ وقال بعضهم: يحنث: وانظر: الهداية: ٢/٩٤، الدر المنتقى: ١/٥٨٣. ٩ قوله في: المغني: ١٣/٦٠٤، قواعد ابن رجب: ٢٧٥. ١٠ المقنع: ٣/٥٨٥. ١١ ونقله عنه في المبدع: ٩/٣٧، الإنصاف: ١١/٩١. ١٢ المهذب: ٢/١٣٦.
[ ١٤٠ ]
ومن حلف١ لا يشم وردا أو بنفسجا، فشم دهنهما أو ماء الورد، فقال القاضي٢: لا يحنث. وهو مذهب الشافعي٣
وقال أبو حنيفة٤: يحنث بشم دهن البنفسج لأنه يسمى بنفسجا لا بشم ماء٥ الورد.
وإن شم ذلك يابسا حنث٦، خلافا لبعض الشافعية٧.
ومن/٨ حلف لا يشم طيبا فشم نبتا ريحه طيب كالخزامى، أو حلف لا يذوق شيئا فازدرده٩ ولو لم يدرك مذاقه حنث١٠.
تتمة: قال ابن هشام١١ في المغني١٢ في (أل) الجنسية: "والله لا أتزوج النساء، ولا ألبس الثياب يقع بالواحدة منها".
_________________
(١) ١ من قوله "ومن حلف" إلى "الشافعي" أسقط من (ب) . ٢ قوله في المغني: الصفحة السابقة. ٣ المهذب الصفحة السابقة. ٤ المبسوط: ٩/٢٧-٢٨. ٥ "ماء" أسقطت من (ب) . ٦ شرح منتهى الإرادات: ٣/٤٣٧. ٧ انظر: حلية العلماء: ٧/٢٧٦. ٨ نهاية لـ (٢٥) من (أ) . ٩ أي: ابتلعه. ١٠ الفروع: ٦/٣٨٤، المبدع: ٩/٣٠٨، غاية المنتهى: ٣/٣٨٣. ١١ جمال الدين عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري الحنبلي، العلامة النحوي المشهور، كان كثير العبادة، من مصنفاته: (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)، (شذور الذهب)، (قطر الندى)، مات سنة (٧٦١هـ) بمصر. ترجمته في: المقصد الأرشد: ٢/٦٦، شذرات الذهب: ٨/٣٢٩، السحب الوابلة: ٢٦٩. ١٢ المغني لابن هشام: ١/٦٢.
[ ١٤١ ]