فصل "في الحلف بغير الله تعالى"
قال في الشرح الكبير١: "ويكره الحلف بغير الله تعالى، ويحتمل أن يكون ذلك٢ محرما، وذلك نحو: أن يحلف بأبيه، أو بالكعبة، أو بصحابي، أو إمام غيره"٣.
قال/٤ الشافعي٥: أخشى أن يكون معصية٦، وصرح بالكراهة في شرح المنهاج٧، قال: "يكره٨ الحلف بغير الله للحديث الصحيح٩، وقيل: إنه معصية، والحلف بالأمانة أشد كراهة من غيره". انتهى.
قال١٠ في الشرح الكبير١١: "وقيل: يجوز ذلك لأن الله تعالى أقسم
_________________
(١) ١ الشرح: ٦/٧٧. ٢ "ذلك" ليست في "أ"ولا "ب" ولا في الشرح أيضا. ٣ كذا في النسخ الثلاث، وفي الشرح: "أو إمام أو غيره". ٤ نهاية لـ "٨" من "ب". ٥ من قوله "الشافعي" يبدأ سقط "ب" بمقدار ورقة كاملة هي الورقة رقم "٩". ٦ الأم: ٧/٦٤. ٧ قوت المحتاج: ٧٣/ب وانظر مغني المحتاج: ٤/٣٢٠، نهاية المحتاج: ٨/١٧٤-١٧٥. ٨ في الأصل "تكره". ٩ مراده حديث عمر بن الخطاب ﵂ لآتي ص٨٢. ١٠ في "أ": "ثم قال". ١١ الشرح الكبير: ٦/٧٧.
[ ٨٠ ]
بمخلوقاته فقال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ ١، ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا﴾ ٢.
وقال النبي ﷺ للأعرابي الذي سأل عن الصلاة: "أفلح وأبيه إن صدق" ٣ وقال في حديث أبي العشراء٤: "وأبيك لو طعنت في فخذها لأجزأك" ٥. انتهى.
_________________
(١) ١ الآية رقم "١"من سورة الصافات. ٢ الآية رقم "١" من سورة المرسلات. ٣ أخرجه بهذه اللفظة "وأبيه" مسلم كتاب الإيمان باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام: ١/٤١ رقم "٩" "١١"، بإسناده عن طلحة بن عبيد الله ﵁ وأخرجه البخاري كتاب الإيمان باب الزكاة من الإسلام: ١/١٧-١٨، لكن بدون لفظة "وأبيه". وللحافظ ابن حجر ﵀ كلام نفيس للجواب على هذه اللفظة. انظر فتح الباري: ١/١٠٧، ١١/٥٣٤-٥٣٥. وكذلك انظر التمهيد لابن عبد البر: ١٤/٣٦٧، والمغني: ١٣/٤٣٨. ٤ أبو العشراء اسمه: أسامة ليس له صحبة وأبوه صحابي اسمه: مالك بن قهطم الدارمي. وانظر أسد الغابة: ١/٨٢، ٤/٢٦٨، ٥/٢١٥، الإصابة: ٤/١٤٩. ٥ أخرجه أحمد في المسند: ٤/٣٣٤ والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الصيد والذبائح: ٩/٢٤٦. وأخرجه بدون هذه لفظة"وأبيك": أبو داود كتاب الذبائح: ٣/٢٥٠ رقم ط٢٨٢٥"والترمذي في كتاب الأطعمة ٤/٧٥ رقم "١٤٨١" والنسائي في كتاب الضحايا: ٣/٦٣ رقم "٤٤٩٧" وابن ماجة كتاب الذبائح: ٢/١٠٦٣ رقم "٣١٨٤" والدارمي كتاب الأضاحي: ٢/٩ رقم "١٩٧٨" والبيهقي في معرفة السنن والآثار: ١٣/٤٥٩، رقم "١٨٨٣" وأبو يعلى في مسنده: ٣/٧٢رقم "١٥٠٣" والذهبي في السير: ٧/٤٥٥. وقد ضعفه غير واحد من المحدثين وغيرهم وانظر: معالم السنن: ٤/٢٨٠، خلاصة البدر المنير: ٢/٣٧١، التلخيص الحبير: ٤/٣.
[ ٨١ ]
والذي عليه العمل أنه يحرم١، لما روي عن عمر ﵁ أن النبي ﷺ أدركه وهو يحلف بأبيه فقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" قال عمر: "فوالله ما حلفت بها بعد ذلك ذاكرا ولا آثرا". متفق عليه٢، يعني: ولا حاكيا لها عن غيري٣.
لكن يستثنى من ذلك الحلف بالطلاق والعتاق.
قال في الفروع٤: "قيل لأحمد: يكره الحلف بالطلاق أو عتق؟، قال: سبحان الله لم لا يكره؟ لا يحلف إلا بالله.
وفي تحريمه وجهان٥/٦،واختار مالك٧ وشيخنا٨ التحريم وتعزيره، واختار في موضع لا يكره، وأنه قول غير واحد من أصحابنا؛ لأنه لا يحلف بمخلوق ولم يلتزم لغير الله شيئا، وإنما التزم لله كما يلتزم بالنذر،
_________________
(١) ١ الشرح الكبير: ٦/٧٧ المبدع: ٩/٢٦٣. ٢ صحيح البخاري كتاب الأيمان والنذور باب لا يحلفوا بآبائكم: ٤/١٥١، ومسلم كتاب الأيمان باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى: ٣/١٢٦٦ رقم "١٦٤٦". ٣ المغني: ١٣/٤٣٧. ٤ الفروع: ٦/٣٤٠ز ٥ الإنصاف: ١١/١٥. ٦ نهاية لـ "٨" من "أ". ٧ القوانين الفقهية: ١٠٦، الشرح الكبير: ٢/١٩٣-١٩٤. ٨ الاختيارات لابن تيمية: ٥٦٢، مجموع الفتاوى: ٣٥/٢٦٢.
[ ٨٢ ]
والالتزام لله أبلغ من الالتزام به، بدليل النذر له واليمين، ولهذا لم ينكر الصحابة على من حلف بذلك كما أنكروا على من حلف بالكعبة". انتهى.
والذي عليه العمل الكراهة١، وتخيير الحالف بهما بين الإيقاع والكفارة يأتي في فصل الطلاق٢.
قال في الإقناع٣: "ويحرم الحلف بغير الله وصفاته ولو بنبي٤ لأنه شرك في تعظيم الله، فإن فعله استغفر وتاب، ولا كفارة باليمين به ولو برسول الله ﷺ سواء أضافه إلى اسم الله كقوله: ومعلوم الله وخلقه ورزقه ونبيه٥، أو لم يضفه مثل: والكعبة والنبي وأبي وغير ذلك٦، ويكره بطلاق وعتاق". انتهى٧.
وقال القهستاني٨ من السادة الحنفية في كتاب الأيمان٩: "الإشراك بالله
_________________
(١) ١ شرح المنتهى: ٣/٤٢٢. ٢ ص٢٣٤ وما بعدها من هذا الكتاب. ٣ الإقناع: ٤/٣٣٣. ٤ في الأصل، وفي "أ" "بشيء" وما أثبته من الإقناع. ٥ كذا في الأصل، وفي "أ" وفي الإقناع "وبيته". ٦ إلى كلمة "ذلك" ينتهي السقط من نسخة "ب" بمقدار الورقة كما سبق التنبيه عليه ص ٨٠. ٧ وانظر كشاف القناع: ٦/٢٣١-٢٣٢. ٨ محمد القهستاني، الحنفي من أبرز فقهاء الحنفية المتأخرين كان إماما، عالما، زاهدا، من مصنفاته "جامع الرموز في شرح النقاية" مات في حدود سنة "٩٥٣هـ" ترجمته في: شذرات الذهب: ١٠/٤٣٠، الأعلام: ٧/١١، معجم المؤلفين: ٩/١٧٩. ٩ جامع الرموز للقهستاني: ١/٣٧٩.
[ ٨٣ ]
ثلاثة: منها الحلف بغير الله، وعن ابن عمر١ أنه قال٢: "الحلف بغير الله شرك" كما في كفاية٣ الشعيبي٤، فما أقسم بغير ذاته وصفاته من الليل والضحى وغيرهما ليس للعبد أن يحلف بها، وما اعتاده الناس بـ"جان وسرتو"٥، فإن اعتقد أنه حلف والبر به واجب كفر٦.
وقال علي الرازي٧: "إني أخاف الكفر على من قال: بحياتي وحياتك وما أشبهه، كما في النهاية"٨.
وذكر في المنية٩: "أن الجاهل الذي يحلف بروح الأمير وحياته ورأسه لم يتحقق
_________________
(١) ١ في"ب" "أبي عمر". ٢ ورد الحديث عن ابن عمر ﵄ مرفوعا إلى النبي ﷺ بلفظ: "من حلف بغير الله فقد أشرك" رواه أحمد في المسند: ٢/١٢٥، وأبو داود كتاب الأيمان والنذور: ٣/٥٧٠ رقم ٣٢٥١، والترمذي كتاب النذور والأيمان: ٤/١١٠ رقم ١٥٣٥ وصححه، وابن حبان في صحيحه كتاب الأيمان: ١٠/١٩٩ رقم ٤٣٥٨،والحاكم في المستدرك: ٤/٢٩٧ وصححه. ٣ الكفاية في الفقه والعبادات والمواعظ، مخطوط في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة تحت رقم (٢١٠/٢٥٤ فقه حنفي) من تأليف القاضي أبي جعفر محمد بن عمر الشعيبي. ٤ كفاية الشعيبي: ١٧٨/أ. ٥ كلمة فارسية، وجاء في (أ)، (ب): "أي: بحياة رأسك". ٦ بدر المتقي: ١/٥٤٤. ٧ في النسخ الثلاث "البرازي" والصحيح ما أثبته وهو الموافق لما في المصدر الأصلي الذي نقل منه المصنف. وهو علي بن محمد بن يزداد الرازي، أبو القاسم. مات سنة (٣٨٦هـ) ترجمته في: الجواهر المضية: ٢/٥٩٠. ٨ البحر الرائق: ٤/٣١١،ومجمع الأنهر: ١/٥٤٤. ٩ منية المفتي في فروع الحنفية، كتاب في الفقه من تأليف يوسف ابن أبي سعيد بن أحمد السجستاني (٦٣٨هـ) وهو كتاب مخطوط في المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة تحت رقم (١١٦٥) فقه حنفي، وانظر هدية العارفين: ٢/٥٥٤.
[ ٨٤ ]
إسلامه"١. انتهى كلام القهستاني٢.
فتلخص من مذهب السادة الحنفية: تحريم الحلف/٣ بغيره تعالى وأن من حلف بغيره معتقدا أنه حلف والبر به واجب: فقد كفر٤.
ولا يجوز أن يحلف أحد بطلاق، ولا إعتاق، ولا نذر٥، وفاقا للشافعية٦؛ لأنها تخرج عن حكم اليمين إلى إيقاع فرقة وإلزام غرم.
_________________
(١) ١ منية المفتي: ٢٢٥/أ، ٢٢٦/ب، وانظر مجمع الأنهر: ١/٥٤٤. ٢ جامع الرموز: ١/٣٧٩. ٣ نهاية لـ (٦) من الأصل. ٤ مجمع الأنهر: ١/٥٤٤. ٥ سبق الكلام على هذه المسألة ص٨٢ وانظر: مجموع الفتاوى: ٣٥/٢٦٢، القواعد النورانية: ٢٥٦، الفروع: ٦/٣٤٠، تصحيح الفروع: ٦/٣٤٠، الإنصاف: ١١/١٥. ٦ مغني المحتاج: ٤/٣٢٤-٣٢٥.
[ ٨٥ ]