وإيقاع ثلاث١ ولو بكلمات في طهر لم يصبها فيه –لا بعد رجعة أو عقد- محرم٢.
وفي رواية عن أحمد٣: أن جمع الثلاث بفم غير محرم. اختارها الخرقي٤.
وهي مذهب الشافعي٥وأبي ثور٦ وداود٧.
_________________
(١) ١ في (ب) "الثلاث". ٢ منتهى الإرادات: ٢/٢٥١. ٣ الإنصاف: ٨/٤٥٢. ٤ مختصر الخرقي: ١٨٥. ٥ اختلاف الحديث للشافعي: ١٨٩، الأم: ٥/١٩٦-١٩٧، الحاوي: ١٠/١١٨-١١٩. ٦ الإشراف: ٤/١٦٣. ٧ المحلى: ١٠/١٧٣.
[ ١٨٩ ]
وتقع الثلاث، وتحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق فيه بين المدخول بها وغيرها١ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ٢ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ ٣.
ولحديث ابن عمر ﵄ قال: قلت: "يا رسول الله، أرأيت لو أني طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها، قال: "إذا عصيت ربك وبانت منك امرأتك" رواه الدارقطني٤.
ولما روى أيضا بإسناده عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: طلق بعض آبائي امرأته ألفا، فانطلق بنوه إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إن أبانا طلق أمنا ألفا/٥ فهل له من مخرج فقال: "إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجا، بانت منه بثلاث على غير
_________________
(١) ١ المغني: ١٠/٣٣٤، شرح منتهى الإرادات: ٣/١٢٤. ٢ من الآية رقم (١) من سورة الطلاق. ٣ من الآية رقم (٤) من سورة الطلاق. ٤ سنن الدارقطني كتاب الطلاق: ٤/٣١ رقم (٨٤) ورواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الخلع والطلاق، باب ما جاء في إمضاء الطلاق الثلاث وإن كن مجموعات: ٧/٣٣٣، والحديث ضعفه غير واحد من العلماء. وانظر: نيل الأوطار: ٦/٢٢٨، التعليق المغني: ٤/٣١، إرواء الغليل: ٧/١١٩. ٥ نهاية لـ (٣٠) من (ب) .
[ ١٩٠ ]
السنة، وتسعمائة/١ وسبعة/٢ وتسعون إثم في عنقه" ٣.
ولما روي٤ أيضا عن علي ﵁ قال: سمع النبي صلى الله عليه سلم رجلا طلق البتة، فغضب، وقال: "تتخذون آيات الله هزوا ولعبا، من طلق البتة ألزمناه ثلاثا، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره".
ولأن النكاح ملك يصح إزالته متفرقا فصح مجتمعا كسائر الأملاك٥.
وقال الشارح٦: "هو قول أكثر أهل العلم من التابعين والأئمة بعدهم، وكان عطاء وطاووس وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء٧ وعمرو بن دينار يقولون: من طلق البكر ثلاثا فهي واحدة٨" انتهى.٩
_________________
(١) ١ نهاية لـ (٣٨) من (أ) . ٢ نهاية لـ (٢٤) من الأصل. ٣ رواه عبد الرزاق في مصنفه كتاب الطلاق: ٦/٣٩٣ رقم (١١٣٣٩)، والدارقطني كتاب الطلاق: ٤/٢٠ رقم (٥٣) وضعفه، وابن عدي في الكامل: ٤/١٦٣١، وضعفه ابن القيم وغيره. وانظر مجمع الزوائد: ٤/٣٣٨، زاد المعاد: ٥/٢٦٢، نيل الأوطار: ٦/٢٣٢. ٤ سنن الدارقطني كتاب الطلاق: ٤/٢٠ رقم (٥٥)، وقال: "فيه إسماعيل ابن أبي أمية، كوفي ضعيف الحديث". ٥ المغني: ١٠/٣٣٤. ٦ الشرح الكبير:٤/٤١٤. ٧ هو جابر بن زيد الأزدي. ٨ الإشراف: ٤/١٦٣. ٩ في (أ)، (ب) زيادة "وقال القهستاني في شرح النقاية في أوائل كتاب الطلاق ما لفظه: "واعلم أن في الصدر الأول إذا أرسل الثلاث جملة لم يحكم إلا بوقوع واحدة إلى زمن عمر ﵁، ثم حكم بوقوع الثلاث سياسة لكثرته بين الناس. وتمامه في التمر تاشي" انتهى بحروفه" وانظر شرح النقاية "جامع الرموز: ١/٣٠٢"
[ ١٩١ ]
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين١: "إن المطلق في زمن النبي ﷺ، وزمن أبي بكر وصدرا من خلافة عمر، كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفم واحد جعلت واحدة، كما ثبت ذلك في الصحيح عن ابن عباس ﵄ فروى مسلم٢ في صحيحه عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: "كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: "إن الناس استعجلوا٣ في أمر لهم٤ فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم"٥.
وفي صحيحه أيضا٦: عن طاووس أن أبا الصهباء٧ قال لابن عباس: "ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ " فقال ابن عباس: "نعم".
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين: ٣/٣٠. ٢ صحيح مسلم، كتاب الطلاق باب طلاق الثلاث: ٢/١٠٩٩ رقم (١٥) (١٤٧٢) . ٣ في (أ)، (ب): "قد استعجلوا" وهو الموافق لما في الصحيح. ٤ في (أ)، (ب): "كانت لهم"، وفي الصحيح: "قد كانت لهم". ٥ "فأمضاه عليهم" أسقطت من (ب) . ٦ صحيح مسلم، كتاب الطلاق باب طلاق الثلاث: ٢/١٠٩٩ رقم (١٦) (١٤٧٢) . ٧ هو: صهيب البكري، أبو الصهباء البصري مولى ابن عباس ﵄، روى عنه، وعن علي بن أبي طالب وابن مسعود ﵃، وحدث عنه سعيد ابن جبير وطاووس ويحي بن الجزار وغيرهم. ترجمته في: الجرح والتعديل: ٤/٤٤٤، تهذيب الكمال: ١٣/٢٤١، ميزان الاعتدال: ٢/٣٢١.
[ ١٩٢ ]
وفي مستدرك الحاكم١ من حديث عبد الله بن المؤمل٢ عن ابن أبي مليكة٣ أن أبا الجوزاء٤ أتى ابن عباس فقال: "أتعلم أن ثلاثا كن يرددن على عهد رسول الله ﷺ إلى واحدة؟ " قال: "نعم" قال الحاكم٥: "هذا حديث صحيح/٦.
وقال الإمام أحمد/٧ في مسنده٨: ثنا سعد بن إبراهيم٩، ثنا
_________________
(١) ١ المستدرك كتاب الطلاق: ٢/١٩٦. ٢ عبد الله بن المؤمل القرشي، المخزومي، كان قاضيا بمكة، ضعفه بعضهم ووثقه آخرون، مات سنة (١٦٩هـ) .د ترجمته في: الجرح والتعديل: ٥/١٧٥، تهذيب الكمال: ١٦/١٨٧، ميزان الاعتدال: ٢/٥١٠. ٣ هو: عبد الله بن عبيد الله ابن أبي مليكة، القرشي التيمي، من أعلام التابعين، كان فقيها صاحب حديث وإتقان، وثقه غير واحد من الأئمة، مات سنة (١١٧هـ) . ترجمته في: الجرح والتعديل: ٥/٦٠، تهذيب الكمال: ١٥/٢٥٦، شذرات الذهب: ٢/٨٠. ٤ هو: أوس بن عبد الله الربعي البصري، ثقة من أعلام التابعين، قتل يوم الجماجم سنة (٨٣هـ) . ترجمته في: حلية الأولياء: ٣/٧٨، تهذيب الكمال: ٣/٣٩٢، سير أعلام النبلاء: ٤/٣٧١. ٥ المستدرك: ٢/١٩٦. ٦ نهاية لـ (٣٩) من (أ) . ٧ نهاية لـ (٤١) من (ب) . ٨ مسند أحمد: ١/٢٦٥، وسيأتي الكلام عليه في آخره، وبقية من أخرجه. ٩ سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي، أبو إسحاق الزهري، وثقه ابن معين، وقال أحمد: لم يكن به بأس، مات سنة (٢٠١هـ) . ترجمته في: تاريخ بغداد: ٩/١٢٣، تهذيب الكمال: ١٠/٢٣٨، سير أعلام النبلاء: ٩/٤٩٣.
[ ١٩٣ ]
أبي١ عن محمد بن إسحاق٢، قال: حدثني داود بن الحصين٣ عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس قال: "طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني عبد المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحرزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله ﷺ: "كيف طلقتها؟ " قال: "طلقتها ثلاثا" قال: فقال: "في مجلس واحد" قال: "نعم" قال: "فإنما تلك٤ واحدة
_________________
(١) ١ أبوه: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بت عبد الرحمن بن عوف القرشي، مات سنة (١٨٣هـ) ترجمته في: تهذيب الكمال: ٢/٨٨. ٢ محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار القرشي، مولاهم، رأى أنس بن مالك ﵁، وهو من أقدم مؤرخي العرب، وله كتاب (السيرة النبوية) هذبها ابن هشام، مات سنة (١٥١هـ) . ترجمته في: الجرح والتعديل: ٧/١٩١، تهذيب الكمال: ٢٤/٤٠٥، الأعلام: ٦/٢٨. ٣ داود بن الحصين، أبو سليمان الأموي مولاهم المدني، حدث عن أبيه، وعكرمة، والأعرج، وروى عنه ابن إسحاق، ومالك وغيرهما، مات سنة (١٣٥هـ) . ترجمته في: الجرح والتعديل: ٣/٤٠٨، سير أعلام النبلاء: ٦/١٠٦، ميزان الاعتدال: ٢/٥. ٤ في النسخ الثلاث "تملك" وما أثبته من المسند.
[ ١٩٤ ]
فأرجعها إن شئت"، قال: فراجعها، فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر١.
وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد٢.
ثم٣ قال ابن القيم٤: "والأئمة الكبار العارفون بعلل الحديث والفقه، كالإمام أحمد، وأبي عبيد، والبخاري، ضعفوا حديث البتة٥، وبينوا أن رواته قوم مجاهيل لم تعرف عدالتهم، وضبطهم، وأحمد ثبت حديث الثلاث، وبين أنه الصواب".
ثم قال ابن القيم٦: "والمقصود أن عمر بن الخطاب لم يخف عليه أن هذا هو السنة، وأنه توسعة من الله تعالى لعباده إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة، وإنما أمضاه سياسة، فإن ما كان مرة بعد مرة لا يملك٧ المكلف إيقاع مراته كلها دفعة واحدة كاللعان، فإنه لو قال: "أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين" كان مرة واحدة٨، ولو حلف في القسامة وقال: "أقسم بالله
_________________
(١) ١ وأخرجه بهذا السياق غير الإمام أحمد أبو يعلى في مسنده: ٤/٣٧٩ رقم (٢٥٠٠)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الخلع والطلاق باب من جعل الثلاث واحدة: ٧/٣٣٩، وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٣/١٨: "إسناده جيد" وصحح ابن القيم إسناده في زاد المعاد: ٥/٢٦٣. ٢ إعلام الموقعين: ٣/٣١، وانظر: مجموع الفتاوى وزاد المعاد. الصفحات السابقة. ٣ "ثم" أسقطت من (أ) . ٤ إعلام الموقعين: ٣/٣٢. ٥ وانظر: نيل الأوطار: ٦/٢٢٧، والتعليق المغني: ٤/٣٤. ٦ إعلام الموقعين: ٣/٣٣. ٧ في (أ)، (ب): "لم يملك" وهو الموافق لما في الإعلام. ٨ المقنع: ٣/٢٥٥، المغني: ١١/١٧٦-١٧٧.
[ ١٩٥ ]
خمسين يمينا أن هذا قاتله" كان ذلك يمينا واحدة١، ولو قال المقر بالزنا "أنا أقر أربع مرات أني زنيت" كان مرة واحدة٢
وقال النبي ﷺ: "من قال في يومه سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر" ٣، فلو قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة٤.
وكذلك قوله ﷺ: "من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمده ثلاثا وثلاثين " الحديث٥، لا يكون عاملا به حتى يقول ذلك مرة/٦ بعد مرة، لا يجمع الكل بلفظ واحد٧.
وهذا كما أنه في الأقوال والألفاظ/٨ فكذلك هو في الأفعال سواء، كقوله تعالى:
_________________
(١) ١ المغني: ١٢/٢٠٤. ٢ المقنع: ٣/٤٦٢-٤٦٣. ٣ ورد من حديث أبي هريرة ﵁، رواه البخاري كتاب الدعوات باب فضل التسبيح: ٤/١١٤، ومسلم كتاب الذكر والدعاء باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء: ٤/٢٠٧١ رقم (٢٦٩١) . ٤ مجموع الفتاوى: ٣٣/١١. ٥ ورد من حديث أبي هريرة ﵁، رواه مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة/ باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته: ١/٤١٨ رقم (٥٩٧) . ٦ نهاية لـ (٢٥) من الأصل. ٧ مجموع الفتاوى: ٣٣/١٢. ٨ نهاية لـ (٤٠) من (أ) .
[ ١٩٦ ]
﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ ١ إنما هو مرة بعد مرة٢، وكذا قول ابن عباس ﵄/٣: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين"٤ إنما هو مرة بعد مرة٥، وكذا قول النبي ﷺ: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" ٦ إنما هو مرة بعد٧ مرة٨.
فهذا المعقول من اللغة والعرف٩.
فالأحاديث المذكورة، وهذه النصوص المذكورة، وقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ١٠ كلها من باب واحد ومشكاة واحدة، فالأحاديث المذكورة تفسر المراد من قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾، كما أن حديث اللعان١١
_________________
(١) ١ من الآية (١٠١) من سورة التوبة. ٢ معالم التنزيل للبغوي: ٤/٨٩، فتح القدير للشوكاني: ٢/٣٩٨. ٣ نهاية لـ (٤٢) من (ب) . ٤ رواه مسلم، كتاب الإيمان: ١/١٥٨ رقم (٢٨٥) (١٧٦) . ٥ زاد المعاد: ٣/٣٨، شرح صحيح مسلم للنووي: ٣/٧. ٦ ورد من حديث أبي هريرة ﵁ رواه البخاري، كتاب الأدب باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين: ٤/٧٠،ومسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين: ٤/٢٢٩٥ رقم (٢٩٩٨) . ٧ "إنما هو مرة بعد مرة" أسقطت من (أ)، (ب) . ٨ شرح السنة: ١٣/٨٨، شرح صحيح مسلم لنووي: ١٨/١٢٥. ٩ إعلام الموقعين: ٣/٣٣. ١٠ من الآية (٢٢٩) من سورة البقرة. ١١ هو حديث سهل بن سعد ﵁، في قصة لعان عويمر العجلاني امرأته عند رسول الله ﷺ. وانظر الحديث في: صحيح البخاري كتاب الطلاق، باب من أجاز طلاق الثلاث: ٣/٢٦٩، ومسلم، كتاب اللعان: ٢/١١٢٩ رقم (١٤٩٢) .
[ ١٩٧ ]
تفسير لقوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ﴾ ١.
فهذا كتاب الله، وهذه سنة رسول الله ﷺ، وهذه لغة العرب، وهذا عرف التخاطب، وهذا خليفة رسول الله ﷺ، والصحابة كلهم٢ معه في عصره، وثلاث سنين من عصر عمر وهم يزيدون على الألف قطعا على هذا المذهب"٣.
ثم قال٤:٥ "ولهذا ادعى بعض أهل العم أن هذا إجماع قديم، ولم تجمع الأمة –ولله الحمد- على خلافه، بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن، وإلى يومنا هذا، فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، كما رواه حماد بن زيد، عن أيوب٦ عن عكرمة عن ابن عباس "إذا قال أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحد٧.
وأفتى بالثلاث٨، أفتى بهذا وهذا.
_________________
(١) ١ من الآية (٦) من سورة النور. ٢ "كلهم" أسقطت من (أ) . ٣ إعلام الموقعين: ٣/٣٤. ٤ في (أ)، (ب): "ثم قال ابن القيم". ٥ إعلام الموقعين: ٣/٣٤. ٦ أيوب السختياني، أبو بكر بن أبي تميمة العنزي بالولاء، من صغار التابعين، مات بالبصرة سنة (١٣١هـ) ز ترجمته في: حلية الأولياء: ٣/٢، تهذيب الكمال: ٣/٤٥٧، شذرات الذهب: ٢/١٣٥. ٧ سنن أبي داود، كتاب الطلاق: ٢/٦٤٨. ٨ اختلاف الحديث للشافعي: ١٨٧، الإشراف: ٤/١٦٤، معرفة السنن والآثار: ١١/٣٧.
[ ١٩٨ ]
وأفتى١ به الزبير بن العوام٢، وعبد الرحمن بن عوف ٣ حكاه عنهما٤ ابن وضاح٥.
وعن علي وابن مسعود روايتان كما عن ابن عباس٦.
وأما التابعون فأفتى به عكرمة، رواه إسماعيل بن إبراهيم٧ عن أيوب عنه٨.
_________________
(١) ١ في (أ)، (ب): "وأفتى بأنها واحدة". ٢ قولهما في: الجامع للقرطبي: ٣/١٣٢، الإنصاف: ٨/٤٥٥، فتح الباري: ٩/٣٦٣، نيل الأوطار: ٦/٢٣١. ٣ قولهما في: الجامع للقرطبي: ٣/١٣٢، الإنصاف: ٨/٤٥٥، فتح الباري: ٩/٣٦٣، نيل الأوطار: ٦/٢٣١. ٤ وذكر هذا أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: ٣٣/٨٣. ٥ هو: محمد بن وضاح بن بزيع المرواني بالولاء القرطبي، أحد علماء الحديث من أهل الأندلس، كان ورعا زاهدا، صبورا على نشر العلم، متعففا صنف كتبا منها: (البدع والنهي عنها)، و(القطعان) في الحديث، و(العباد والعوابد)، مات سنة (٢٨٦هـ) . ترجمته في: الديباج المذهب: ٢٣٩، سير أعلام النبلاء: ١٣/٤٤٥، الأعلام: ٧/١٣٣. ٦ انظر الروايتين في: مصنف عبد الرزاق: ٦/٣٩٤، ٣٩٥، وابن أبي شيبة: ٤/٦١-٦٢، والسنن الكبرى للبيهقي: ٧/٣٣٢، ٣٣٥، ٣٣٩، والجامع للقرطبي: ٣/١٣٢، والمحلى: ١٠/١٧٢، ١٧٣. ٧ هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي، المعروف بابن علية، من كبار الفقهاء، قال عنه يحي بن معين: كان ثقة مأمونا صدوقا مسلما ورعا تقيا، مات سنة (١٩٣هـ) . ترجمته في: تهذيب الكمال: ٣/٢٣، ميزان الاعتدال: ١/٢١٦، شذرات الذهب: ٢/٤٢٨. ٨ زاد المعاد: ٥/٢٤٨.
[ ١٩٩ ]
وأفتى به طاووس١.
وأما تابعو٢ التابعين، فأفتى به محمد بن إسحاق، حكاه الإمام أحمد وغيره عنه٣.
وأفتى٤ به خلاس بن عمرو٥، والحارث العكلي٦.
وأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه٧.
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ "تابعو" أسقطت من (أ) . ٣ زاد المعاد: الصفحة السابقة، فتح الباري: ٩/٣٦٢. ٤ إعلام الموقعين: ٣/٣٥. ٥ خلاس بن عمرو الهجري، من التابعين، روى عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب وعمار بن ياسر ﵃، وثقه الإمام أحمد وغيره. ترجمته في: الجرح والتعديل: ٣/٤٠٢، تهذيب الكمال: ٨/٣٦٤، سير أعلام النبلاء: ٤/٤٩١. ٦ الحارث بن يزيد العكلي التيمي، أحد الفقهاء، وثقه جمع من العلماء. ترجمته في: طبقات ابن سعد: ٦/٣٢٥، الجرح والتعديل: ٣/٩٣ن تهذيب الكمال: ٥/٣٠٨. ٧ المحلى: ١٠/١٧٢-١٧٣.
[ ٢٠٠ ]
وأفتى به بعض أصحاب مالك، حكاه/١ التلمساني٢ في شرح تفريع ابن الجلاب٣ قولا لبعض المالكية٤.
وأفتى به بعض الحنفية، حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل٥.
وأفتى به بعض أصحاب أحمد، حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية٦ عنه، قال٧: "وكان الجد فتي به أحيانا"٨/٩
_________________
(١) ١ نهاية لـ (٤١) من (أ) . ٢ هو: محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الخزرجي التلمساني، المالكي من فقهاء المالكية، نزل الإسكندرية، وكان من صلحاء العلماء، من مصنفاته: شرح التفريع لابن الجلاب، مات سنة (٦٥٥هـ) . ترجمته في: نيل الابتهاج بتطريز الديباج: ٢٢٩، معجم المؤلفين: ٨/٢٠٦. ٣ عبيد الله بن الحسن، أبو القاسم، ابن الجلاب، المالكي، كان أفقه المالكية في زمانه صنف (التفريع) في فقه المالكية مطبوع، وله كتاب آخر في (مسائل الخلاف)، مات سنة (٣٧٨هـ) . ترجمته في: الديباج المذهب: ١٤٦، سير أعلام النبلاء: ١٦/٣٨٣، شذرات الذهب: ٤/٤١٥. ٤ انظر الجامع للقرطبي: ٣/١٣٢، سراج السالك: ٢/٨١، الشرح الصغير: ٢/٥٣٨، حاشية العدوي: ٢/٧٣. ٥ إعلام الموقعين: ٤/٣٥، هو: محمد بن مقاتل الرازي، قاضي الري، (ت ٢٤٨هـ)، ترجمته في: الجواهر المضية: ٣/٣٧٢، ميزان الاعتدال: ٤/٤٧. ٦ مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ٣٣/٨٤. ٧ في (ب): "قال ابن تيمية". ٨ في (ب) زيادة "وكان يفتي به ابن تيمية نفسه بحيث نسب إليه هذا القول دون غيره". ٩ نهاية لـ (٤٣) من (ب) .
[ ٢٠١ ]
وأما الإمام أحمد نفسه فقد قال الأثرم١: "سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وعمر واحدة بأي شيء تدفعه؟ " قال: "برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه"٢، فقد صرح بأنه إنما ترك القول به لمخالفة راويه٣ له، وأصل مذهبه وقاعدته التي بنى عليها: أن الحديث إذا صح لا يرده بمخالفة راويه٤ له، بل الأخذ عنده بما رواه، وعلى أصله يخرج له قول: أن الثلاث واحدة، فإنه إذا صرح بأنه إنما ترك الحديث لمخالفة الراوي، وصرح في عدة مواضع: أن مخالفة الراوي لا توجب ترك الحديث خرج له في المسألة قولان"٥.
ثم قال ابن القيم٦: "فجاء أئمة الإسلام فمضوا على آثار الصحابة قاصدين رضى الله ورسوله٧، وإنفاذ دينه، فمنهم من ترك القول بحديث ابن عباس
_________________
(١) ١ هو: أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ الإسكافي الأثرم الطائي، الحافظ، العلامة، تلميذ الإمام أحمد، نقل عنه الكثير من المسائل، له العديد من المصنفات منها: (السنن)، (الناسخ والمنسوخ في الحديث)، (علل الحديث) مات سنة (٢٧٣هـ) وقيل غير ذلك. ترجمنه في: طبقات الحنابلة ١/٦٦، المقصد الأرشد: ١/١٦١، المنهج الأحمد: ١/٢١٨. ٢ المغني: ١٠/٣٣٤، وحديث ابن عباس سبق تخريجه ص١٩٢. ٣ في (ب) "رواية". ٤ في (ب) "رواية". ٥ إعلام الموقعين: ٣/٣٥. ٦ إعلام الموقعين: ٣/٣٧. ٧ في (ب) "رضى ورسوله".
[ ٢٠٢ ]
لظنه أنه منسوخ١.
وقال المانعون من لزوم٢ الثلاث٣: النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا ترك الحديث٤ المعصوم بمخالفة راويه٥ له، فإن مخالفته غير معصومة، فقد قدم الشافعي رواية ابن عباس في شأن بريرة على فتواه التي تخالفها في كون بيع الأمة طلاقها٦.
_________________
(١) ١ المصدر السابق، واختلاف الحديث: ١٨٧-١٩٠، شرح صحيح مسلم: ١٠/٧١-٧٢. ٢ في (ب) "لزم". ٣ إعلام الموقعين: ٣/٣٨. ٤ "الحديث"أسقطت من (أ) . ٥ في (ب) "رواية". ٦ انظر: الحاوي: ٥/٢٧٧-٢٧٨.، شرح صحيح مسلم: ١٠/١٤٣، فتح الباري: ٩/٤٠٤، ٤١٢، زاد المعاد: ٥/١٣٠، ١٣٦.
[ ٢٠٣ ]
وأخذ١ هو وأحمد٢/٣وغيرهما٤ بحديث أبي هريرة: "من استقاء فعليه القضاء" ٥ وقد خالفه أبو هريرة وأفتى بأنه لا قضاء عليه٦.
وأخذت الحنفية٧ بحديث ابن عباس: "كل الطلاق جائز إلا طلاق
_________________
(١) ١ الأم: ٢/١١٠. ٢ المغني: ٤/٣٦٨. ٣ نهاية لـ (٢٦) من الأصل. ٤ الإقناع لابن المنذر: ١/١٩٣، المجموع: ٦/٣٢٠، ملتقى الأبحر: ١/٢٠٠، بداية المجتهد: ١/٣٤٠. ٥ رواه أحمد في المسند: ٢/٤٩٨، وأبو داود، كتاب الصوم: ٢/٢٧٧٦ رقم (٢٣٨٠) والترمذي، أبواب الصوم: ٣/٩٠ رقم (٧٢٠، وقال: "حديث حسن غريب"، والنسائي، كتاب الصيام: ٢/٢١٥ رقم (٣١٣٠) وابن ماجة، كتاب الصيام: ١/٥٣٦ رقم (١٦٧٦) واللفظ له، وابن حبان في صحيحه: ٨/٢٨٤ رقم (٣٥١٨) والحاكم: ١/٤٢٧ وصححه، والدارقطني، كتاب الصيام: ٢/١٨٤ رقم (٢٠) والبيهقي في السنن الكبرى: ٤/٢١٩، وصححه الألباني في إرواء الغليل: ٤/٥٠. ٦ روى البخاري في صحيحه، كتاب الصيام، باب الحجامة والقيء للصائم ١/٣٣٢ معلقا عن أبي هريرة ﵁ قال: "إذا قاء فلا يفطر، إنما يخرج ولا يولج، ويذكر عن أبي هريرة: أنه يفطر والأول أصح". قال الحافظ في الفتح ٤/١٧٥: "ويمكن الجمع بين قول أبي هريرة: "إذا قاء لا يفطر" وبين قوله: "أنه يفطر" مما فصل في حديثه المرفوع، فيحتمل قوله: "قاء" أنه تعمد القيء واستدعى به" انتهى. ٧ بدائع الصنائع: ٧/١٨٢، الاختيار: ٣/١٢٤، البحر الرائق: ٣/٢٦٤.
[ ٢٠٤ ]
المعتوه" ١ قالوا: وهذا صريح في طلاق المكره، وقد صح عن ابن عباس٢: "ليس لمكره ولا لمضطهد٣ طلاق".
وأخذوا٤ هم والحنابلة٥ بحديث علي وابن عباس: "صلاة/٦ الوسطى صلاة العصر" ٧، وقد ثبت عن علي وابن عباس: أنها صلاة الصبح٨.
وأخذ الأئمة الأربعة٩ وغيرهم١٠ بخبر عائشة في التحريم بلبن الفحل١١،
_________________
(١) ١ سبق تخريجه ص: ١٧٤. ٢ مصنف عبد الرزاق: ٦/٤٠٧رقم (١١٤٠٨) وابن أبي شيبة: ٤/٨٢ رقم (٨٠٢٧) واللفظ له، والبيهقي في السنن الكبرى: ٧/٣٥٨. ٣ في (ب) "مضطهد". ٤ الدر المنتقى: ١/٧٠. ٥ المقنع: ١/١٠٦. ٦ نهاية لـ (٤٢) من (أ) . ٧ أما حديث علي ﵁، فرواه البخاري، كتاب الدعوات باب الدعاء على المشركين: ٤/١١٤، ومسلم كتاب المساجد: ١/٤٣٧ رقم (٢٠٥) (٦٢٧) . وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد رواه أحمد في المسند: ١/٣٠١ والطبراني: في المعجم الأوسط: ٣/١٤ رقم (٢٠١٦) وفي الكبير: ١١/٣٢٩ رقم (١١٩٠٥٩ والهيثمي في مجمع البحرين في زوائد المعجمين: ٢/١٥٩ رقم (٨٨١) وقال في مجمع الزوائد ١/٣٠٩: "رجاله موثوقون". ٨ قولهما أنها الصبح في: معرفة السنن والآثار: ٢/٣٠٥، المنتقى للباجي: ١/٢٤٧. ٩ الدر المنتقى: ١/٣٧٧، مقدمات ابن رشد: ١/٤٩٠، الأم: ٥/٢٦، المغني: ٩/٥٢٠، ٥٢١، الإفصاح: ٢/١٨٠، زاد المعاد: ٥/٥٦٤. ١٠ الإشراف: ٤/١١٣، بداية المجتهد: ٢/٣٨. ١١ وقد رواه البخاري، كتاب النكاح، باب لبن الفحل: ٤/٢٤٤، ومسلم كتاب الرضاع، باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل: ٢/١٠٦٩ رقم (١٤٤٥) .
[ ٢٠٥ ]
وقد صح عنها خلافه١ وأنه كان يدخل عليها من أرضعته بنات إخوتها، ولا يدخل٢ عليها من أرضعته نساء إخوتها، وهذا باب يطول تتبعه.
وترى كثيرا من الناس إذا جاء الحديث يوافق قول من قلده وقد خالفه راويه٣ يقول: الحجة فيما روى لا في قوله، فإذا جاء قول الراوي موافقا لقول من قلده، والحديث يخالفه قال: لم يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صح عنده/٤ نسخه وإلا كان قدحا في عدالته، فيجمعون في كلامهم بين هذا وهذا، وقد٥ رأينا هذا في الباب الواحد وهذا من أقبح التناقض.
والذي ندين الله به، ولا يسعنا غيره وهو القصد في هذا الباب أن الحديث إذا صح عن رسول الله ﷺ، ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان لا راويه٦ ولا غيره٧، إذ من الممكن أن ينسي الراوي الحديث أو لا يحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه
_________________
(١) ١ التمهيد: ٨/٢٤٣،معرفة السنن والآثار: ١١/٢٥١، المحلى: ١٠/٢-٣، فتح الباري: ٩/١٥١. ٢ قوله "ولا يدخل" إلى "أخوتها" أسقط من (أ) . ٣ في (ب) "رواية". ٤ نهاية لـ (٤٤) من (ب) . ٥ في (أ)، (ب) "بل قد" وهو الموافق لما في الإعلام: ٣/٤٠. ٦ في (ب) "لا رواية". ٧ في (أ) زيادة بعد هذا: "فظهر بهذا اختياره لعدم وقوع الثلاث بفم واحد إذ صح حديثه ولم يصح حديث بنسخه، فتأمل ذلك فإنه طاهر من كلامه".
[ ٢٠٦ ]
تأويلا مرجوحا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا في نفس الأمر، أو يقلده١ غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه" انتهى كلام ابن القيم مختصرا٢.
وقد ذكر في الفروع قريبا منه٣.
وقال الفخر٤ الرازي٥ في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ٦ ما نصه٧:
المسألة الثانية: اختلف المفسرون في أن هذا الكلام حكم٨ مبتدأ أو هو متعلق بما قبله.
قال قوم: أنه حكم مبتدأ، ومعناه: أن/٩ التطليق الشرعي يجب أن يكون طلقة بعد أخرى على التفريق، دون الجمع والإرسال دفعة واحدة.
_________________
(١) ١ في (ب) "ويقلده". ٢ إعلام الموقعين: ٣/٤٠. ٣ الفروع: ٥/٣٧٢-٣٧٣. ٤ "الفخر" أسقطت من (أ)، (ب) . ٥ هو: محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، المفسر، توفي سنة (٦٠٦هـ) انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: ٢١/٥٠٠، شذرات الذهب: ٧/٤٠، الأعلام: ٦/٣١٣. ٦ من الآية (٢٢٩) من سورة البقرة. ٧ التفسير الكبير للرازي: ٦/٩٦. ٨ "حكم" أسقطت من (ب) . ٩ نهاية لـ (٤٣) من (أ) .
[ ٢٠٧ ]
وهذا١ التفسير هو٢ قول من قال: الجمع بين الثلاث حرام، وزعم أبو زيد الدبوسي٣ في الأسرار٤ ٥: أن هذا هو قول عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعمران بن الحصين وأبي موسى الأشعري وأبي الدرداء وحذيفة ﵃"، ثم قال بعد٦ أسطر٧: "ثم القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين:
الأول: وهو اختيار كثير من علماء أهل البيت٨، أنه: لو طلقها ثنتين أو ثلاثا لا يقع إلا واحدة، وهذا القول هو الأقيس؛ لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود، وأنه غير جائز، فوجب أن يحكم بعدم الوقوع.
_________________
(١) ١ في (أ)، (ب) "فهذا". ٢ في (ب) "وهو". ٣ هو: عبد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي، البخاري، أبو زيد، الحنفي، أول من وضع علم الخلاف وأبرزهن كان أحد العلماء الأذكياء، من مصنفاته (الأسرار)، (تقويم الأدلة) (تأسيس النظر) مات ببخارى سنة (٤٣٠هـ) . ترجمته في: الفوائد البهية: ١٠٩، وفيات الأعيان: ٣/٤٨، سير أعلام النبلاء: ١٧/٥٢١. ٤ الأسرار: أحد مصنفات الدبوسي، وهو كتاب ضخم في عدة مجلدات، حقق معظم هذا الكتاب في رسائل علمية قدمت لقسم الفقه بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. ٥ انظر قول الدبوسي في الأسرار. (الطلاق والعدة) ١٠٠-١٠٣. ٦ في (ب) "بعض". ٧ التفسير الكبير: ٦/٩٦. ٨ كذا في النسخ الثلاث، وفي تفسير الرازي "من علماء الدين" وانظر التفسير الصفحة السابقة.
[ ٢٠٨ ]
والقول الثاني: وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه١ وإن كان محرما إلا أنه يقع بناء على أن النهي لا يدل على الفساد" انتهى٢.
ثم ذكر/٣ بعد أسطر الانتصار للمذهب الأول بوجوه وحجج فراجعه٤، ويدل على أنه الأرجح عند تقديمه على غيره، ولكن المفتى به في المسألة في المذاهب الأربعة٥ هو وقوع الثلاث سواء أرسل ذلك بفم واحد أو بأفواه، في مجلس واحد، أو مجالس، لمدخول بها أو غير مدخول بها، لكن غير المدخول بها إذا أرسل الطلاق٦ عليها بأفواه/٧ بانت بالأولى ولم يلحق٨ بها ما بعدها عند الحنابلة، حتى ادعى بعضهم الإجماع على ذلك٩.
وحيث قيل بوقوعه وإمضائه ثلاثا فهل يحد من راجع زوجته بعده أم لا؟ قال الأثرم: "سألت أحمد عن ذلك فقال: "لا يحد، هذا شيء اختلف الناس فيه،
_________________
(١) ١ الهداية للمرغيناني: ١/٢٢٧، ملتقى الأبحر: ١/٢٥٩، ٢٦١ كشف الأسرار: ١/٥٢٨. ٢ "انتهى" أسقطت من (ب) . ٣ نهاية لـ (٤٥) من (ب) . ٤ التفسير الكبير: ٦/٩٧. ٥ مجمع الأنهر: ١/٣٨٢، الشرح الصغير: ٢/٥٣٧، المهذب: ٢/٧٩-٨٠، الإشراف: ٤/٦٣، المغني: ١٠/٣٣٤. ٦ في (ب) "الطلاق الثلاث". ٧ نهاية لـ (٢٧) من الأصل. ٨ في (ب) "يحلق". ٩ الكافي لابن قدامة: ٣/١٦٢، هداية الراغب: ٤٨١.
[ ٢٠٩ ]
والذي مشى عليه في المنتهى١ والإقناع٢ تبعا لبن حمدان٣ أنه يحد، وهو المفتى به في مذهب الحنابلة٤.
تتمة: ٥
قال في التنوير٦: "سألت المرأة الطلاق: فقال: أنت طالق خمسين طلقة٧ فقالت المرأة: ثلاث تكفيني، فقال: ثلاث لك والبواقي لصواحبك، وله ثلاث نسوة/٨ غيرها، تطلق المخاطبة ثلاثا لا غيرها أصلا" انتهى.
وإنما أطلت٩ في هذه المسألة لما ترى من الفوائد التي تسير بها وإليها الركبان، بل ينبغي لفرائدها النفيسة أن تتشنف بها الآذان، ولولا خوف الملالة والسآم،
_________________
(١) ١ منتهى الإرادات: ٢/٢٥٢. ٢ الإقناع: ٤/٧. ٣ هو: أحمد بن حمدان بن شبيب النميري، الحراني، الفقيه الحنبلي، برع في المذهب حتى انتهت إليه معرفة المذهب ودقائقهن وغوامضه، صنف كتبا كثيرة منها (الرعاية الكبرى)، و(الرعاية الصغرى)، و(صفة المفتي والمستفتي)، مات سنة (٦٩٥هـ) بالقاهرة. ترجمته فيك المقصد الأرشد: ١/٩٩، شذرات الذهب: ٧/٧٤٨، الأعلام: ١/١١٩. ٤ شرح منتهى الإرادات: ٣/١٢٥، كشاف القناع: ٥/٢٧٤. ٥ في (ب) أخرت التتمة إلى ما قبل الفصل التالي. ٦ تنوير الأبصار: ٣/٣٩٦. ٧ "طلقة"أسقطت من (ب) . ٨ نهاية (٤٤) من (أ) . ٩ في (أ)، (ب) "أطلت الكلام".
[ ٢١٠ ]
لأطلقت في هذا الميدان عنان القلم، ولكن في هذا القدر كفاية، والله تعالى ولي الهداية.
[ ٢١١ ]