«فصل»
اليمين الموجبة للكفارة بشرط الحنث هي: التي باسم الله تعالى الذي لا يسمى به غيره١، كـ"الله" و"الرحمن" و"القديم الأزلي" و"الأول الذي ليس قبله شيء" و"الآخر الذي ليس بعده شيء" و"خالق الخلق" و"رازق العالمين" و"رب العالمين" و"العالم٢ بكل شيء"، أو باسمه الذي يسمى به غيره ولكن الحالف نوى به الله تعالى أو أطلق، كـ"الرحيم" و"العظيم" و"القادر" و"الرب" و"المولى" و"الرزاق"٣، قال الله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ ٤ و"الخالق"٥ و"السيد" و"القوي" ونحوه٦.
أو بصفة له تعالى كوجه الله تعالى نصا٧، وعظمته وكبريائه وجلاله وعزته وعهده وميثاقه وحقه وأمانته وإرادته وقدرته وعلمه٨، وفاقا للشافعية٩.
_________________
(١) ١ المقنع: ٣/٥٥٨، منتهى الإرادات:٢/٥٢٨-٥٢٩. ٢ في "ب" "والعا". ٣ في "ب": "والرازق". ٤ من الآية ٨ من سورة النساء، وهذه الآية أسقطت من "أ". ٥ في "ب" زيادة بعد قوله "والخالق": "قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ من الآية ١١٠ من سورة النساء. ٦ شرح منتهى الإرادات: ٣/٤١٩. ٧ الفروع: ٦/٣٣٧. ٨ الكافي: ٤/٣٧٨، الإقناع: ٤/٣٣١. ٩ الأم: ٧/٦٤، المهذب: ٢/١٢٩.
[ ٧٤ ]
ولو نوى مقدوره، أو معلومه تعالى، لأنه بالإضافة صار يمينا بذكر اسمه تعالى معه١، خلافا للشافعية٢، وإن لم يضفها لم تكن يمينا إلا أن ينوي بها صفته تعالى، لأن نية الإضافة كوجودها٣.
وعند الحنفية٤: الحلف بعلم الله، وغضبه وسخطه ورحمته وحقه٥، ليس يمينا خلافا لأبي يوسف٦ في: وحق الله تعالى.
وأما ما لا يعد من أسمائه تعالى كالشيء والموجود أو لا ينصرف إطلاقه إليه تعالى ويحتمله كالحي والواحد والكريم/٧ فإن نوى به الله تعالى فهو يمين وإلا فلا٨.
وبذلك قال الشافعي٩.
_________________
(١) ١ هذا هو الصحيح من المذهب، وقيل: لا تجب الكفارة إذا نوى بقدرة الله: مقدوره، وبعلم الله: معلومه. وانظر المغني: ١٣/٤٥٤ والإنصاف: ١١/٣. ٢ الروضة: ١١/١٢، مغني المحتاج: ٤/٣٢٢. ٣ شرح المنتهى: ٣/٤٢٠. ٤ الهداية للمرغيناني: ٢/٧٣، البحر الرائق: ٤/٣١٠. ٥ "وحقه" أسقطت من "ب". ٦ وعن أبي يوسف رواية أخرى: أنه يكون يمينا. وانظر مجمع الأنهر: ١/٥٤٦، الفتاوى الهندية: ٢/٥٢. ٧ نهاية لـ"٧" من "ب". ٨ هذا المذهب، وقال بعضهم: "لا يكون يمينا" وانظر: المبدع ٩/٢٥٥، الإنصاف: ١١/٥. ٩ هذا أحد الوجهين عند الشافعية وبه قطع صاحب المهذب والبغوي، والوجه الثاني لا يكون يمينا وصححه النووي وغيره. وانظر المهذب: ٢/١٢٩، الروضة: ١١/١١.
[ ٧٥ ]
وقول الحالف: "وأيم الله"، "وأيمن الله"١، "ولعمر الله" يمين٢، لا "ها الله"٣ إلا بنيته٤.
والحلف بالمصحف، أو القرآن، أو سورة، أو آية منه ليس يمينا عند الحنفية، قالوا: هو بمنزلة قوله: "والنبي أفعل كذا"٥، ولو قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من النبي أو القرآن [يكون عندهم٦.
وقال الشافعية٧ والحنابلة٨: الحلف بالمصحف، أو القرآن] ٩، أو سورة أو آية منه ولو منسوخة: يمين. قيل١٠: في كل حرف كفارة، وقيل١١:
_________________
(١) ١ في "ب": "وأيمان الله يضم الميم والنون مع كسر الهمزة وفتحها، وهمزته همزة وصل عند البصريين". ٢ هذا المذهب، وعن أحمد رواية: لا يكون يمينا. المسائل لأبي يعلى: ٣/٥١-٥٢، الهداية: ٢/١١٨، المغني: ١٣/٤٥٥،٤٥٧ الإنصاف: ١١/٧. ٣ مع قطع همزة "الله" ووصلها ومدها وقصرها. شرح المنتهى: ٣/٤٢٠. ٤ أي: لا يكون يمينا إلا بالنية. وانظر: الشرح الكبير: ٦/٧٧، الفروع: ٦/٣٨٨، منتهى الإرادات: ٢/٥٢٨. ٥ الاختيار: ٤/٥١، مجمع الأنهر: ١/٥٤٤. ٦ المختار: ٤/٥١، تبيين الحقائق: ٣/١١١، مجمع الأنهر: ١/٥٤٤. ٧ الروضة: ١١/١٣، مغني المحتاج: ٤/٣٢٢. ٨ المقنع: ٣/٥٦١، شرح منتهى الإرادات: ٣/٤٢٠-٤٢١. ٩ ما بين الحاصرتين أسقط من "أ". ١٠ الفروع: ٦/٣٩، الإنصاف: ١١/٨. ١١ وهو الذي جزم به الخرقي، قال الزركشي: "نص أحمد على هذا في رواية حرب وغيره، وهذا للوجوب أقرب منه للاستحباب؛ لأن أحمد إنما نقله لكفارة واحدة عند العجز وأما ابن قدامة فقد حمله على الاستحباب". وانظر مسائل الإمام أحمد لابنه صالح: ١/٢٨٣، مختصر الخرقي: ٢٤٢، المغني: ١٣/٤٧٥، شرح الزركشي: ٧/٩٩-١٠٠، الإنصاف: ١١/٨.
[ ٧٦ ]
في كل آية، وقيل١: فيه كفارة واحدة، وهو الصحيح.
وكذا الحلف بالتوراة ونحوها من كتب الله تعالى٢.
وإن قال: أقسمت أو أقسم، أو شهدت أو أشهد، أو حلفت أو أحلف، أو عزمت أو أعزم، أو آليت أو آلي، أو قسما، أو حلفا، أو ألية/٣، أو شهادة، أو عزيمة لأفعلن، ولم يذكر اسم الله تعالى فعن أحمد روايتان:
إحداهما: أنها يمين، سواء نوى اليمين٤ أو أطلق٥.
وروي ذلك عن عمر٦، وابن عباس٧، والنخعي٨، والثوري٩،
_________________
(١) ١ المغني: ١٣/٤٧٥، المبدع: ٩/٢٥٩، الإنصاف: ١١/٧. ٢ المصادر السابقة، والإنصاف: ١١/٤، الكشاف: ٦/٢٢٩. ٣ نهاية لـ "٧"من"أ". ٤ المغني: ١٣/٤٦٩، شرح الزركشي: ٧/٩٣. ٥ إن أطلق فعلى روايتين، الأولى: لا يكون يمينا، وهي المذهب، والثانية: أنه يمين. وانظر: الهداية: ٢/١١٨المستوعب: ٤/٥٣٩ الكافي: ٤/٣٨٠-٣٨١ الإنصاف:١١/١٠. ٦ المغني: ١٣/٤٦٩. ٧ المصدر السابق وعنه رواية ثانية: أته ليس بيمين. وانظر السنن الكبرى: ٨/٤٠ معرفة السنن: ١٤/١٦٨. ٨ اختلاف الفقهاء للطحاوي: ١٠٠. ٩ المصدر السابق واختلاف العلماء للمروزي: ٢١٦.
[ ٧٧ ]
وأبي حنيفة وأصحابه١.
والثانية: إن نوى اليمين بالله كان يمينا وإلا فلا٢.
وهو قول مالك٣، وإسحاق٤، وابن المنذر٥.
وقال الشافعي٦: ليس بيمين وإن/٧ نوى لأنها عريت عن اسم الله تعالى وصفته فلم تكن يمينا.
والصحيح أن ذلك يمين إن ذكر اسم الله تعالى، أو نوى اليمين٨، لقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ ٩ إلى قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ ١٠فسماها يمينا١١.
ولأن العباس ﵁ جاء برجل للنبي ﷺ ليبايعه على الهجرة، فقال النبي ﷺ: "لا هجرة بعد الفتح" فقال العباس: "أقسمت عليك يا رسول الله
_________________
(١) ١ الهداية للمرغيناني: ٢/٧٣، ملتقى الأبحر: ١/٣١٦. ٢ المغني: الصفحة السابقة، الشرح الكبير: ٦/٧٥ شرح المنتهى: ٣/٤٢٠. ٣ التفريع: ١/٣٨٢، مواهب الجليل: ٣/٢٦٢. ٤ المغني الصفحة السابقة: واختلاف العلماء للمروزي: ٢١٦. ٥ الإشراف: ١/٤١٢. ٦ حلية العلماء: ٧/٢٥٥ شرح السنة: ١٠/٥ تحفة الطلاب: ٢/٤٧٩-٤٨٠. ٧ نهاية لـ "٥" من الأصل. ٨ المغني:١٣/٤٦٩-٤٧٠ الكشاف: ٦/٢٣٠. ٩ من الآية "١" من سورة المنافقون. ١٠ من الآية "٢" من سورة المنافقون. ١١ المغني والكشاف الصفحات السابقة وزاد المسير لابن الجوزي: ٨/٢٧٤.
[ ٧٨ ]
لتبايعنهن فوضع النبي ﷺ يده في يده وقال: "أبررت قسم عمي ولا هجرة" ١ فسماه ﷺ قسما.٢
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند: ٣/٤٣٠ واللفظ له، وابن ماجة كتاب الكفارات باب إبرار المقسم: ١/٦٨٣-٦٨٤ رقم "٢١١٦" عن عبد الرحمن بن صفوان أو صفوان بن عبد الرحمن، وقال محققه: "قال في الزوائد: "في إسناده يزيد ابن أبي زياد أخرج له مسلم في المتابعات وضعفه الجمهور. ٢ الشرح الكبير: ٦/٧٥.
[ ٧٩ ]