فصل «تحريم الحلال»
من حرم حلالا سوى زوجته من طعام، أو أمة، أو لباس أو غيره كقوله: "ما أحل الله علي حرام غير زوجتي" أو لم تكن له زوجة، أو قال: "كسبي، أو طعامي، أو هذا الشراب علي كالميتة والدم أو لحم الخنزير"، أو علق تحريم الحلال – غير الزوجة- بشرط كقوله: "إن أكلته١ فهو علي حرام" لم يحرم وعليه كفارة يمين إن فعله نصا٢.
خلافا للشافعي٣ ٤، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ٥ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ٦ إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ٧.
وسبب نزولها أنه ﵇ قال: "لن أعود إلى شرب العسل" متفق عليه٨.
_________________
(١) ١ في (أ): "كلمته". ٢ الهداية: ٢/١١٨، شرح منتهى الإرادات: ٣/٤٢٦. ٣ في (أ)، (ب): "الشافعية". ٤ الإشراف: ١/٤١٧، التنبيه: ١٩٤. ٥ نهاية لـ (٩) من (أ) . ٦ من الآية رقم (١) من سورة التحريم. ٧ من الآية رقم (٢) من سورة التحريم. ٨ ورد من حديث عائشة ﵂ رواه البخاري كتاب الأيمان والنذور باب إذا حرم طعامه: ٤/١٥٨، ومسلم كتاب الطلاق باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق: ٢/١١٠٠ رقم (٢٠) (١٤٧٤) .
[ ٨٦ ]
فجعل الله تعالى ذلك يمينا، واليمين على الشيء لا يحرمه١.
زمن حرم زوجته بأن قال: "أنت علي حرام"، ولمك يقل إن شاء الله فهو ظهار٢ وإن نوى يمينا أو طلاقا، وتجزئه٣ كفارة ظهار لتحريم الزوجة والمال٤.
وخالف الحنفية، قال في الكنز وشرحه٥: "كل حل علي حرام، معناه: والله لا أفعل فعلا حلالا، فهو واقع على الطعام والشراب، فيحنث بأكله وشربه وإن قل٦، لا٧ إن نوى غير ذلك، والقياس أنه يحنث/٨ كما فرغ من يمينه٩؛ لأنه١٠ باشر فعلا حلالا كفتح العينين والتنفس ونحوهما، وهو قول زفر، والفتوى على أنه تبين منه١١ امرأته بلا نية الطلاق، ولو كان له أربع نسوة
_________________
(١) ١ زاد المسير: ٨/٣٠٤، المغني: ١٣/٤٦٦، الشرح الكبير: ٦/٨٦. ٢ في (أ) "ظاهر". ٣ في (ب) "تجزئه". ٤ المغني: ١٠/٣٩٦-٣٩٧، إعلام الموقعين: ٣/٧٢، الفروع: ٥/٣٩٠، المبدع: ٧/٢٨٢، الإنصاف: ٨/٤٨٦-٤٨٧. وسيذكر المصنف المسألة فيما بعد مفصلة، انظر ص٢٢٥ من هذا الكتاب. ٥ تبيين الحقائق: ٣/١١٥، البحر الرائق: ٤/٣١٨-٣١٩. ٦ في (ب) "قال". ٧ في (أ)، (ب): "إلا" ٨ نهاية لـ (١٠) من (ب) . ٩ كذا في تبيين الحقائق. الصفحة السابقة، وانظر مجمع الأنهر: ١/٥٤٧. ١٠ في (ب): "لا". ١١ "منه" أسقطت من (أ)، (ب) .
[ ٨٧ ]
يقع على كل واحدة منهن تطليقة؛ لأن قوله: "حلال الله علي حرام" بمنزلة قوله "امرأتي طالق"ثم في قوله: "حلال الله" وأجناسه، إذا وقع الطلاق بغير نية كان الواقع به بائنا". انتهى١ ملخصا.
ومن قال: هو يهودي، أو نصراني، أو يعبد الصليب، أو يعبد غير الله تعالى، أو بريء من الله تعالى، أو من٢ الإسلام، أو من القرآن، أو من النبي ﷺ، أو يكفر بالله تعالى، أو لا يراه الله تعالى في موضع كذا، أو يستحل٣ الزنا، أو الخمر، أو لحم الخنزير، أو ترك الصلاة ونحوها، منجزا كليفعلن٤ كذا، أو معلقا كإن فعل كذا، أو إن لم يفعله فقد فعل محرما٥، لحديث ثابت٦ بن الضحاك٧ مرفوعا: "من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال" متفق عليه٨.
_________________
(١) ١ وانظر الهداية: ٢/٧٥، الاختيار: ٤/٥٣، مجمع الأنهر: ١/٥٤٧. ٢ من قوله "أومن " إلى "بالله تعالى" اسقط من (ب) . ٣ في (ب) "أو يستحيل". ٤ في (ب) "ليفعلن". ٥ الفنون: ١/٣٨٩، إعلام الموقعين: ٣/٥٦-٥٧، شرح المنتهى: ٣/٤٢٦. ٦ في النسخ الثلاث "سالم" والصواب ما أثبته. ٧ ثابت بن الضحاك بن خليفة الأنصاري الأشهلي صحابي من أهل بيعة الرضوان، كان رديف رسول الله ﷺ يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد. مات سنة (٤٥هـ) . انظر ترجمته في: أسد الغابة: ١/٢٧١، الإصابة: ١/١٩٣، الأعلام: ٢/٩٨. ٨ رواه البخاري في كتاب الأيمان والنذور باب من حلف بملة سوى الإسلام: ٤/١٥٢، ومسلم في كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه: ١/١٠٤ رقم (١٧٦) (١١٠) واللفظ له.
[ ٨٨ ]
ولم يكفر بذلك، والحديث محمول على الترهيب وتلزمه التوبة١.
قال في شرح المنهاج٢: "فليقل لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويستغفر الله ليجبر الخلل الحاصل فإنه معصية".انتهى.
وفي وجوب الكفارة خلاف فمذهب الشافعي٣ واختاره الموفق٤ والناظم٥٦: لا كفارة، والذي عليه العمل أن عليه كفارة يمين إن حالف، بأن فعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله٧، لحديث زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ سئل٨ عن الرجل يقول: هو يهودي، أو نصراني أو مجوسي أو بريء من/٩ الإسلام في اليمين بحلف بها فيحنث في هذه
_________________
(١) ١ الروضة: ١١/٧، فتح الباري: ١١/٥٣٩، نيل الأوطار: ٨/٢٣٤. ٢ قوت المحتاج: ٧١/أوانظر مغني المحتاج: ٤/٣٢٤، نهاية المحتاج: ٨/١٧٩. ٣ روضة الطالبين: ١١/٧، زاد المحتاج: ٤/٤٥٤. ٤ المغني: ١٣/٤٦٥. ٥ الناظم، هو: محمد بن عبد القوي بن بدران المقدسي الحنبلي، شمس الدين أبو عبد الله، كان حسن الديانة، دمث الأخلاق، كثير الإفادة، تتلمذ على ابن تيمية من مصنفاته (منظومة الآداب)، (الفروق)، ٠عقد الفرائد وكنز الفوائد)، مات سنة (٦٩٩هـ) . انظر ترجمته في: المقصد الأرشد: ٢/٤٥٩، هدية العارفين: ٢/١٣٩، شذرات الذهب: ٧/٧٨٩. ٦ عقد الفرائد وكنز الفوائد للناظم: ٢/٣٦٥. ٧ شرح الزركشي: ٧/٨٦، الكشاف: ٦/٢٣٧، منار السبيل: ٢/٣٨٩. ٨ في (ب) "سأل"ز ٩ نهاية لـ (١٠) من (أ) .
[ ٨٩ ]
الأشياء، فقال: "عليه كفارة يمين" رواه١ أبو بكر٢.
ومن قال: عصيت الله، أو أنا أعصي الله في كل ما أمرني به، أو محوت المصحف، أو أدخله الله النار، أو هو زان، أو عبد فلان حر، أو مال فلان صدقة، أو قطع الله يديه ورجليه، أو لعمره، أو لعمر أبيك ليفعلن، أو لا فعل، أو إن لم يفعل كذا، فلغو لأن هذه الأشياء لا توجب هتك الحرمة ولا كفارة٣ فيها٤.
ومن قال: أيمان المسلمين تلزمني إن فعلت كذا، وفعله، لزمه ظهار، وطلاق، وعتاق، ونذر، ويمين بالله تعالى/٥ مع النية، كما لو حلف بكل على انفراده٦.
_________________
(١) ١ رواه البيهقي في كتاب الأيمان باب مت حلف بغير الله ثم حنث، أو حلف بالبراءة من الإسلام أو بملة غير الإسلام أو بالأمانة: ١٠/٣٠،وقال: "هذا لا أصل له"، وعزاه لأبي بكر ابن قدامة في المغني: ١٣/٤٦٤. ٢ هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، أبو بكر المعروف بغلام الخلال، كان أحد أهل الفهم والفقه، متسع الرواية، مشهورا بالديانة، موصوفا بالأمانة، من مصنفاته (تفسير القرآن)، (الشافي)، (التنبيه)، (زاد المسافر)، (الخلاف مع الشافعي)، مات سنة (٣٦٣هـ) . انظر ترجمته في: طبقات الحنابلة: ٢/١١٩، المقصد الأرشد: ٢/١٢٦، المنهج الأحمد: ٢/٦٨. ٣ في (ب) "والكفارة"ز ٤ الهداية: ٢/١١٨، الإنصاف: ١١/٣٣، شرح المنتهى: ٣/٤٢٦. ٥ نهاية لـ (١١) من (ب) . ٦ اختيارات ابن تيمية: ٥٦٠، إعلام الموقعين: ٣/٧٨-٧٩، قواعد ابن رجب: ٢٣٢، المبدع: ٩/٢٧٦، الإنصاف: ١١/٣٦-٣٧.
[ ٩٠ ]
وقال المالكية١ فيها كالقول في أيمان البيعة، ويأتي٢.
وقال الشافعية٣: إذا قال: الأيمان كلها تلزمني/٤ إن فعلت كذا هل يلزم بذلك الطلاق، والعتاق، واليمين بالله؟ أجاب الغزالي: "لا يلزمه بمجرد ذلك إلا إذا نواه" قاله في شرح المنهاج٥.
وقال جماعة٦: الحلف بأيمان المسلمين من الأيمان اللاغية التي لا يلزم بها شيء البتة٧.
ومن متأخري من أفتى بذلك تاج الدين أبو عبد الله الأرموي٨ صاحب كتاب الحاصل٩.
_________________
(١) ١ القوانين الفقهية: ١٠٧، مواهب الجليل: ٣/٢٧٦. ٢ ص ٩٥. ٣ انظر كفاية الأخيار: ٢/١٥٤، مغني المحتاج: ٤/٣٢٤. ٤ نهاية لـ (٧) من الأصل. ٥ شرح المنهاج: ٧٠/ب وانظر المصدرين السابقين. ٦ إعلام الموقعين: ٣/٧٩. ٧ في (ب) "النية". ٨ هو تاج الدين محمد بن الحسين بن عبد الله الأرموي الشافعي، من أكبر تلاميذ الرازي، كان بارعا في العقليات، وكانت له حشمة ووجاهة، وفيه تواضع، مات ببغداد سنة ٦٥٥هـ، وقيل غير ذلك. ترجمته في: سير ا‘علام النبلاء: ٢٣/٣٣٤، طبقات الشافعية للإسنوي: ١/٢١٦، هدية العارفين: ٢/١٢٦. ٩ وهو اختصار لكتاب (المحصول) في أصول الفقه للفخر الرازي. وانظر: كشف الظنون: ٢/١٦١٥.
[ ٩١ ]
وقال قوم١: فيها كفارة يمين، أفتى به ابن عبد البر٢، وابن حزم٣ وغيرهما.
ولو حلف بشيء من هذه الخمسة فقال آخر: يميني في يمينك، أو عليها٤، أو أنا على يمينك، أو معك في يمينك، يريد الالتزام بمثلها لزمه إلا في اليمين بالله تعالى لأنها لا تنعقد بالكناية لخلوها من اسم الله المعظم٥.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين: ٣/٧٩. ٢ هذه رواية عنه، والرواية الثانية: لا شيء فيها إلا الاستغفار، وروي عنه: أنه يلزم في الطلاق واحدة. وانظر المنتقى: ٣/٢٥١، التاج والإكليل: ٣/٢٧٦، فتح العلي المالك: ١/١٩٧-١٩٨. ٣ الصحيح أنه لا كفارة فيها عنده وانظر المحلى: ٨/٣٢. ٤ في (أ)، (ب): "أو عليها أو مثلها". ٥ الإنصاف: ١١/٣٧، شرح المنتهى: ٣/٤٢٧.
[ ٩٢ ]