(فصل: في تعليقه بالشروط)
التعليق ترتيب شيء غير حاصل على شيء حاصل أو غير حاصل، بإن أو إحدى أخواتها من أدوات/١ الشرط الجازمة٢.
ويصح مع تقدم شرط وتأخره بصريح: كأنت طالق٣ إن قمت، وكناية: كأنت مسرحة إن قمت مثلا مع قصد الطلاق بالكناية٤.
ولا يضر فصل بين شرط وجوابه بكلام منتظم: كأنت طالق يا زانية إن قمت٥. ويقطعه سكوته، وتسبيحه ونحوه٦.
_________________
(١) ١ نهاية لـ (٦٠) من (ب) . ٢ المبدع: ٧/٣٢٤، هداية الراغب: ٤٨٦. ٣ "طالق" أسقطت من الأصل. ٤ شرح المنتهى: ٣/١٥٢. ٥ المصدر السابق، والكشاف: ٥/٣٢٤. ٦ الكشاف الصفحة السابقة.
[ ٢٥٢ ]
فائدة١:
رجل قال لامرأته –وهي في ماء جار-: إن خرجت من هذا الماء فأنت طالق، وإن لم تخرجي فأنت طالق، لا تطلق خرجت أم لم تخرج؛ لأنع جرى وانفصل. نقله الرافعي٢ في فروع الطلاق. انتهى من طبقات ابن السبكي٣ الكبرى٤.
وهذا مذهب الحنفية٥ مطلقا٦.
وقيد الحنابلة: قال في الإقناع وشرحه ما لفظه٧: "وإن حلف وهو في ماء: "لا أقمت في هذا الماء ولا خرجت منه" فإن كان الماء جاريا لم يحنث أقام
_________________
(١) ١ هذا العنوان ليس في الأصل وهو مثبت في (أ)، (ب) . ٢ هو: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القزويني، أبو القاسم الرافعي، الشافعي، عمدة المحققين في فقه الإمام الشافعي، وأبرز من دونه، من مصنفاته: (المحرر)، (فتح العزيز) مات سنة (٦٢٣هـ) . ترجمته في: طبقات الشافعية لابن السبكي: ٨/٢٨١، شذرات الذهب: ٧/١٨٩، الأعلام: ٤/٥٥. ٣ هو: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، الشافعي، المؤرخ. من مصنفاته: (طبقات الشافعية الكبرى)، (جمع الجوامع) مات بدمشق سنة (٧٧١هـ) . ترجمته في: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: ٣/١٠٤، شذرات الذهب: ٨/٣٧٨، الأعلام: ٤/١٨٤. ٤ طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي: ٨/٣٦٨، وانظر: التنبيه: ١٨٠. ٥ انظر: الدر المنتقى: ١/٤١٧. ٦ في (أ)، (ب) زيادة: "أي: إذا قال لزوجته –وهي في ماء جار-: أنت طالق إن خرجت من هذا الماء، وإن لم تخرجي فأنت طالق" وانظر المصدر السابق. ٧ الإقناع: ٤/٥١، كشاف القناع: ٥/٣٧٠.
[ ٢٥٣ ]
أو خرج إذا نوى ذلك الماء بعينه، كذا في المقنع١ وغيره٢؛ لأن الماء المحلوف عليه جرى وانفصل٣ وصار في غيره ضرورة كونه جاريا فلم تحصل المخالفة في المحلوف عليه، وفي المنتهى٤: "لا يحنث إلا بقصد أو سبب". انتهى.
فعلى كلام المصنف يحنث مع الإطلاق وعلى كلام صاحب المنتهى: لا يحنث، وإن كان الماء واقفا حنث ولو حمل منه كرها لأنا ألغينا نسبة الخروج إليه منه فهو مقيم فيه فيحنث أيضا وقال في المقنع٥: "إذا كان واقفا حمل منه مكرها". انتهى كلام شرح الإقناع٦.
وأنت طالق إن فعلت، أو فعلت كذا، ففعلته، أو فعله مكرها، أو مجنونا، أو مغمى عليه، أو نائما لم يقع، وإن فعلته أو فعله ناسيا أو جاهلا وقع٧.
وقال في إغاثة اللهفان من مكايد٨ الشيطان٩:
"وأما تعليق/١٠ الطلاق بوقت يجيء لا محالة، كرأس الشهر والسنة١١
_________________
(١) ١ المقنع: ٣/٢١٤. ٢ الشرح الكبير: ٤/٥٠٨، المبدع: ٧/٣٧٨. ٣ "انفصل" أسقطت من (أ)، (ب) . ٤ منتهى الإرادات: ٢/٣٠٦. ٥ المقنع: ٣/٢١٥. ٦ الكشاف: ٥/٣٧٠. ٧ شرح منتهى الإرادات: ٣/١٧٤. ٨ في جميع النسخ "مكايد" والمشهور "مصايد" وانظر كشف الظنون: ١/١٢٩ هدية العارفين: ٢/١٥٨. ٩ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان: ١/٢٦٧-٢٦٨. ١٠ نهاية لـ (٦١) من (أ) . ١١ في (ب) "أو السنة".
[ ٢٥٤ ]
وبآخر النهار ونحوه، فللفقهاء في ذلك أربعة أقوال:
أحدها: أنه لا تطلق بحال. وهذا مذهب ابن حزم١، واختيار أبي عبد الرحمن صاحب الشافعي٢ وهو من أجل أصحاب الوجوه.
وحجتهم: أن الطلاق لا يقبل التعليق بالشرط/٣ كما لا يقبله النكاح، والبيع، والإجارة، والإبراء٤.
قالوا: والطلاق لا يقع في الحال، ولا عند مجيء الوقت، أما في الحال فلأنه لم يوقعه منجزا، وأما عند مجيء الوقت فلأنه لم يصدر منه طلاق حينئذ، ولم يتجدد سوى مجيء الزمان، ومجيء الزمان لا يكون طلاقا.
وليس مع أحد ممن خالفهم ما ينقض عليهم٥.
وقابل هذا القول آخرون وقالوا: يقع الطلاق في الحال، وهذا مذهب مالك٦ وجماعة من التابعين٧.
_________________
(١) ١ المحلى: ١٠/٢١٣. ٢ أحمد بن يحي بن عبد العزيز البغدادي، أبو عبد الرحمن الشافعي، كان من كبار أصحاب الشافعي الملازمين له ببغداد، ثم رجع عن مذهب الشافعي، كان حيا في حدود سنة (٢٣٠هـ) . ترجمته في: تاريخ بغداد: ٥/٢٠٠، طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي: ٢/٦٤، سير أعلام النبلاء: ١٠/٥٥٥. ٣ نهاية لـ (٦١) من (ب) . ٤ نقل هذا عنه ابن السبكي في الطبقات: ٢/٦٥. ٥ في (أ)، (ب): "عليهم به". ٦ التفريع: ٢/٨٣-٨٤. ٧ الإشراف: ٤/١٩٥، المغني: ١٠/٤١٠، المحلى: ١٠/٢١٤.
[ ٢٥٥ ]
وحجتهم أن قالوا: لو لم يقع في الحال لحصل منه استباحة وطء مؤقت، وذلك غير جائز في الشرع؛ لأن استباحة الوطء فيه لا تكون إلا مطلقا غير مؤقتا، ولهذا حرم نكاح المتعة لدخول الأجل فيه.
والقول الثالث١: إذا كان الطلاق المعلق بمجيء الوقت المعلوم ثلاثا وقع في الحال، وإن كان رجعيا لم يقع قبل مجيئه.
والقول الرابع: أنها لا تطلق إلا عند مجيء الأجل، وهو قول الجمهور٢". انتهى ملخصا ٣.
وأنت طالق مريضة –رفعا ونصبا- يقع بمرضها٤.
ولا يصح التعليق إلا من زوج، فمن قال: "إن تزوجت امرأة"،
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان: ١/٢٦٨، وذكر ابن القيم أن هذا رواية عن أحمد. ٢ تبيين الحقائق: ٢/٢٠٤، الحاوي: ١٠/١٩٢، المغني: ١٠/٤١٠. ٣ في (أ)، (ب) زيادة "واختار أبو عبد الرحمن أحمد بن يحي بن عبد العزيز أجل أصحاب الشافعي أن الطلاق المعلق بالشرط لا يقع، ولا يصح تعليق الطلاق كما لا يصح تعليق النكاح، وبهذا القول قال ابن حزم، قال في المحلى: والطلاق بالصفة عندنا كالطلاق باليمين، كل ذلك لا يلزم وبالله التوفيق، ولا يكون طلاقا إلا كما أمر الله ﷿. انتهى، وأفتى شيخ الإسلام القاضي زكريا الشافعي في رجل قال لامرأته: تكونين طالقا، غير مقيد بشرط، أنه لا يقع في الحال ولا في المآل، وفي منتهى الإرادات من مذهبنا ما نصه: وأنت طالق اليوم أو غدا، أو قال في هذا الشهر أو الآتي وقع في الحال. انتهى/٦٢/أ". وانظر: طبقات ابن السبكي: ٢/٦٥، إعلام الموقعين: ٤/١٠١، المحلى: ١٠/٢١٣، منتهى الإرادات: ٢/٢٧٦٠. ٤ الإقناع: ٤/٢٩.
[ ٢٥٦ ]
أو عين "فهي طالق" لم يقع بتزوجها١، لقوله –﵊-: "لا طلاق قبل نكاح" ٢.
وبه قال الشافعي٣، وأكثر أهل العلم٤.
وقال مالك٥: إن عين امرأة، أو بلدة، أو قبيلة: بأن قال: "إن تزوجت فلانة" أو "من/٦ الشام" أو "من بني تميم" مثلا فهي طالق، تطلق، وإن أطلق/٧ بأن قال: "إن تزوجت امرأة فهي طالق" لا تطلق إن تزوج.
_________________
(١) ١ هذا المذهب وفيه رواية: أنها تطلق. وانظر المغني: ١٣/٤٨٩، الإنصاف: ٩/٥٩، شرح المنتهى: ٣/١٥٢-١٥٣. ٢ الحديث رواه غير واحد من الصحابة –﵃- مرفوعا، فورد من طريق علي ابن أبي طالب ﵁ رواه ابن ماجة، كتاب الطلاق، باب لا طلاق قبل النكاح: ١/٦٦٠ رقم (٢٠٤٩) وفي سنده ضعف كما قال الحافظ، وورد من طريق معاذ بن جبل ﵁، رواه الدارقطني، كتاب الطلاق: ٤/١٤ رقم (٤٠) والحاكم في المستدرك: ٢/٤٨٩، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الخلع والطلاق: ٧/٣٢٠، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع. وورد من طريق المسور بن مخرمة ﵁ رواه ابن ماجة في الكتاب والباب السابقين: ١/٦٦٠ رقم (٢٠٤٨)، وقال محققه: قال في الزوائد: "إسناده حسن". وانظر فتح الباري: ٩/٣٨٢، ٣٨٤. ٣ مغني المحتاج: ٣/٢٩. ٤ الإشراف: ٤/١٨٥، المحلى: ١٠/٢٠٥. ٥ الشرح الصغير: ٢/٥٥٢-٥٥٣. ٦ نهاية لـ (٦٢) من (ب) . ٧ نهاية لـ (٣٥) من الأصل.
[ ٢٥٧ ]
وقال الحنفية١ والثوري٢: يصح تعليقه على حدوث الملك كالوصية، فيقع مطلقا عين أو لم يعين.
وإن قال لأجنبية: "إن قمت فأنت طالق"، فنزوجها، ثم قامت، لم تطلق رواية واحدة٣.
وإن قال: "كلما" أو "إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا" ثم قال: "أنت طالق" فثلاث، طلقة بالمنجز وتتمتها من المعلق، ويلغو قوله "قبله"، ويقع بمن لم يدخل بها المنجزة فقط٤.
وقال ابن سريج٥: لا يقع شيء للدور٦.
_________________
(١) ١ تبيين الحقائق: ٢/٢٣١، الدر المنتقى: ١/٤١٦-٤١٧. ٢ المغني: ١٣/٤٩٠. ٣ المقنع: ٣/١٧٧. ٤ منتهى الإرادات: ٢/٢٩١. ٥ هو: القاضي أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، أبو العباس الشافعي، أبرز فقهاء الشافعية في عصره، وعلى يده انتشر مذهب الشافعي في أكثر البلدان، له نحو أربعمائة مصنف منها: (الودائع لمنصوص الشرائع) (الأقسام والخصال)، مات سنة (٣٠٦هـ) . ترجمته في: طبقات الشافعية لابن السبكي: ٣/٢١، وفيات الأعيان: ١/٦٦، شذرات الذهب: ٤/٢٩. ٦ قوله في: روضة الطالبين: ٨/١٦٢، ١٦٧، نهاية المحتاج: ٧/٣٢-٣٣.
[ ٢٥٨ ]
قال البلقيني١ بجواز تقليد مصحح الدور في السريجية٢ ومقلده لا يأثم، وإن كنت لا أفتي بصحته، لأن الفروع الاجتهادية لا يعاقب عليها، وأن ذلك ينفع عند الله٣ ذكره عنه ابن حجر الهيتمي٤.
وتعرف هذه المسألة بالسريجية٥.٦
_________________
(١) ١ هو: سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير البلقيني، أبو حفص الشافعي، فقيه، مجتهد، حافظ للحديث، كان أعجوبة زمانه حفظا واستحضارا، له العديد من المصنفات منها: (التدريب)، (تصحيح المنهاج)، (محاسن الاصطلاح) مات بالقاهرة سنة (٨٠٥هـ) . ترجمته في: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: ٤/٣٦، هدية العارفين: ١/٧٩٢، الأعلام: ٥/٤٦. ٢ السريجية: نسبة إلى الفقيه ابن سريج المتقدم ذكره قبل قليل، وصورتها ذكرها المصنف قريبا وهي: أن يقول الزوج: "كلما"، أو "إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا"، ثم يقول: أنت طالق. ٣ نقل هذا عن البلقيني المصنف عند ترجمته له في الشذرات: ٤/٣١. ٤ الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي: ٤/١٤٨. ٥ انظر الحاشية السابقة رقم (٢) . ٦ بعد هذا زيادة في (أ)، (ب): "وجزم بقول ابن سريج-وهو عدم الوقوع- صاحب المبسوط من الحنفية. تذنيب: قال في الإنصاف: إذا علق الطلاق على شرط لزم وليس له إبطاله، وذكر في الواضح والانتصار رواية بجواز فسخ العتق المعلق على شرط، قال في الفروع: ويتوجه ذلك في الطلاق، قلت: وقال الشيخ تقي الدين –أيضا-: لو قال إن، أو إذا أعطيتيني، أو متى أعطيتيني ألفا فأنت طالق: أن الشرط ليس بلازم من جهته كالكتابة عنده، وقال في الفروع: ووافق الشيخ تقي الدين على شرط محض كإن قدم زيد فأنت طالق. قال الشيخ تقي الدين: التعليق الذي يقصد به إيقاع الجزاء إن كان معاوضة فهو معاوضة، ثم إن كانت لازمة فلازم وإلا فلا يلزم الخلع قبل القبول ولا الكتابة وقول من قال: التعليق/٦٣/أ/ لازم دعوى مجردة. انتهى ملخصا". وانظر الإنصاف: ٩/٦٠-١٦، الفروع: ٥/١٠٣، ٣٥٦، وقد ذكر في أول هذه الزيادة قول صاحب المبسوط، والثابت عنه خلاف ما ذكره، وانظر: المبسوط: ٦/٩٩، البحر الرائق: ٣/٢٩٣-٢٩٤، حاشية ابن عابدين: ٣/٢٤٢.
[ ٢٥٩ ]