(فصل)
إن حلف ليفعلن شيئا وعين وقتا لفعله، كلأعطين١ زيدا درهما يوم كذا/٢ أو سنة كذا تعين ذلك الوقت لذلك الفعل، فإن فعله فيه بر وإلا حنث؛ لأنه مقتضى يمينه٣.
وإن لم يعين وقتا بأن قال: لأعطين٤ زيدا درهما لم يحنث حتى ييأس من فعله بتلف محلوف عليه، أو موت حالف أو نحو ذلك لأن اللفظ يحتمل إرادة المحلوف عليه في وقت ويحتمل غيره فيرجع إلى ما نواه ككنايات٥ الطلاق والعتاق٦ وإن لم تكن له نية لم يحنث قبل اليأس من فعله٧، فإن الله تعالى قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ﴾ ٨ الآية. فقال عمر: يا رسول الله أو لم تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ " قال: "بلى أفأخبرتك أنك آتيه العام؟ " قال: "لا"، قال: "فإنك آتيه وتطوف به" ٩
_________________
(١) ١ في (ب) "كلا أعطين". ٢ نهاية لـ (١٧) من (أ) . ٣ الإقناع: ٤/٣٣٥، شرح المنتهى: ٣/٤٢٥. ٤ في (ب): "لا أعطين". ٥ في (ب): "لكنايات". ٦ المقنع: ٣/٥٦٨، غاية المنتهى: ٣/٣٧٢. ٧ المبدع: ٩/٢٧٠. ٨ من الآية (٢٧) من سورة الفتح. ٩ رواه البخاري في كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط: ٧/١١٩-١٢٣، من حديث طويل من طريق المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.
[ ١١٦ ]
لكن يستثنى من ذلك ما إذا حلف ليخرجن من هذه الدار أو ليرحلن١ منها، أو لا سكنت فيها وأقام فيها بعد يمينه زمنا يمكنه الخروج حنث٢.
وبه قال الشافعي٣.
وإن أقام لنقل رحله ومتاعه لم يحنث٤، وفاقا لأبي حنيفة٥.
وحكي عن مالك٦: إن أقام دون اليوم والليلة لم يحنث؛ لأن ذلك قليل يحتاج٧ إليه في الانتقال.
وقال الشافعي٨: يحنث بإقامته لنقل رحله ومتاعه؛ لأن اسم السكنى يقع على الابتداء وعلى الاستدامة.
وعن زفر٩: أنه يحنث في الحال؛ لأنه لا بد من أن يكون ساكنا عقب يمينه ولو لحظة فيحنث بها١٠.
_________________
(١) ١ في (أ): "وليرحلن". ٢ الكافي: ٤/٤٠٨، كشف المخدرات: ٢/٢٣٦. ٣ الأم: ٨/٤٠١، المنهاج: ١٤٥. ٤ المقنع: ٣/٥٩٠، الإقناع: ٤/٣٥٣. ٥ تبيين الحقائق: ٣/١١٩، الفتاوى الهندية: ٢/٧٤. ٦ مواهب الجليل: ٣/٣٠٣، بلغة السالك: ١/٣٤٤. ٧ في (ب) "محتاج". ٨ الصحيح أنه لا يحنث عند الشافعي، وذكر فقهاء الشافعية وجها: أنه يحنث. وانظر الأم: ٨/٤٠١-٤٠٢، حلية العلماء: ٧/٢٥٩، نهاية المحتاج: ٨/١٨٧. ٩ المبسوط: ٨/١٦٢، بدائع الصنائع: ٣/٧٢. ١٠ في (ب): "فيها".
[ ١١٧ ]
وإن حلف ليخرجن من هذه البلدة أو ليرحلن/١ عن هذه الدار ففعل، فهل له العود إليها؟، على روايتين٢، قيل: يحنث بالعود لأن ظاهر حاله قصد هجران ما حلف عليه.
والذي عليه العمل٣ عدم الحنث لأن يمينه على الخروج وقد خرج فانحلت يمينه إلا أن تكون له نية أو سبب يقتضي هجران ما حلف عليه٤.
وإن حلف لا يسكن مع فلان أو لا يساكن فلانا وهو ساكن أو مساكن له، فأقام فوق زمن يمكنه الخروج فيه عادة نهارا بنفسه وأهله ومتاعه المقصود حنث٥، وكذا لو بنى بينه وبين فلان حاجزا وهما متساكنان حنث لتساكنهما قبل انتهاء بناء الحاجز٦، لا إن٧ أودع متاعه أو أعاره أو ملكه لغيره بلا حيلة، أو أكره على المقام، أو لم يجد مسكنا، أو ما ينقل متاعه به، أو أبت زوجته الخروج معه ولا يمكنه إجبارها ولا النقلة بدونها مع نية النقلة إذا قدر عليها، أو أمكنته٨ بدون زوجته فخرج وحده/٩ أو كان في الدار حجرتان لكل حجرة باب ومرحاض فسكن كل واحد حجرة ولا نية ولا سبب يقتضي منعه من ذلك لم يحنث١٠.
_________________
(١) ١ نهاية لـ (١٩) من (ب) . ٢ الشرح الكبير: ٦/١٣٠. ٣ الإنصاف: ١١/١٠٥، الكشاف: ٦/٢٦٤. ٤ المبدع: ٩/٣٢٠. ٥ منتهى الإرادات:٢/٥٥٦-٥٥٧. ٦ هذا المذهب، وقيل/ لا يحنث. وانظر: الإنصاف: ١١/١٠٣. ٧ في (ب): "لأن". ٨ أي: أمكنته نقلة. ٩ نهاية لـ (١٨) من (أ) . ١٠ المحرر: ٢/٨٠، شرح المنتهى: ٣/٤٤٥.
[ ١١٨ ]
قال الشيخ١: "والزيارة ليست سكنى اتفاقا ولو طالت مدتها".
وإن حلف لا ساكنت فلانا في هذه الدار وهما غير متساكنين فبينا/٢ بينهما حائطا، وفتح كل منهما بابا لنفسه وسكناها لم يحنث٣.
وليخرجن من هذه البلدة فخرج وحده دون أهله بر٤، وإن حلف لا يدخل دارا فحمل بغير أمره فأدخلها ويمكنه الامتناع فلم يمتنع حنث٥، وذكر أبو الخطاب عدم الحنث٦ وهو الصحيح من مذهب الحنفية ٧ وإن لم يمكنه الامتناع لم يحنث، قال الشارح٨: "لا نعلم فيه خلافا".
وإن أكره بضرب ونحوه فدخل لم يحنث٩ أيضا خلافا لبعض الحنفية١٠.
وإن حلف لا يستخدمه فخدمه وهو ساكت، فقال القاضي١١: "إن كان عبده حنث وإن كان١٢ عبد غيره لم يحنث".
_________________
(١) ١ الاختيارات الفقهية: ٥٦٤. ٢ نهاية لـ (١٢) من الأصل. ٣ على الصحيح من المذهب، وقيل: يحنث. وانظر المغني: ١٣/٥٥٠، الإنصاف: ١١/١٠٣. ٤ الإقناع: ٤/٣٥٤. ٥ هذا المذهب، وانظر المبدع: ٩/٣٢٠. ٦ وهو أحد الوجهين عنده، والآخر: يحنث وانظر الهداية له: ٢/٣٢. ٧ المبسوط: ٨/١٧١، الفتاوى الهندية: ٢/٦٨. ٨ الشرح الكبير: ٦/١٣٠. ٩ وهو أصح الوجهين، والوجه الآخر: يحنث، وانظر المغني: ٣/٥٥٢. ١٠ تبيين الحقائق: ٣/١٢٠. ١١ قوله في المقنع: ٣/٥٩٢. ١٢ "كان" أسقطت من (ب) .
[ ١١٩ ]
وهو قول أبي حنيفة١.
والذي عليه العمل في الحالين الحنث٢؛ لأن إقراره على الخدمة استخدام٣.
وقال الشافعي٤: لا يحنث في الحالين لأنه حلف على فعل نفسه فلا يحنث بفعل غيره كسائر الأفعال.
ومن دعي لغذاء فحلف لا يتغذى لم يحنث بغذاء غيره إن قصده٥، وقاس عليه الحنفية فقالوا٦: وإن قال لمن أرادت الخروج أو ضرب العبد: إن خرجت/٧ أو ضربت العبد فأنت طالق، يقيد الحلف بذلك الخروج أو الضرب، فإن مكثت ساعة ثم خرجت أو ضربت العبد لم يحنث عند أبي حنيفة ﵀ وهي من مفرداته، وتسمى: يمين الفور٨، وعللوها: بأن
_________________
(١) ١ البحر الرائق: ٤/٣٤٢، مجمع الأنهر: ١/٥٥٥. ٢ في (أ)، (ب): "الحنث في الحالين". ٣ الشرح الكبير: ٦/١٣١، الإنصاف: ١١/١٠٥، شرح المنتهى: ٣/٤٤٦. ٤ المهذب: ٢/١٣٩. ٥ هذا المذهب، وعن أحمد رواية: أنه يحنث. وانظر الفروع: ٦/٣٥٧، قواعد ابن رجب: ٢٧٨، المبدع: ٩/٢٨٣. ٦ انظر الاختيار: ٤/٥٨، تبيين الحقائق: ٣/١٢٣-١٢٤. ٧ نهاية لـ (٢٠) من (ب) . ٨ في (ب) زيادة " يمين الفور، قال في تنوير الأبصار ٣/٧٩٤-٧٩٥ حلف لا يخرج إلى مكة فخرج يريدها ثم رجع حنث إذا جاوز عمران مصره على قصدها، وفي: (لا يأتيها): لا، كما لو حلف لا تأتي امرأته عرس فلان فذهبت قبل العرس ثمة حتى مضى" انتهى.
[ ١٢٠ ]
مراد المتكلم الرد عن تلك الخرجة والضربة عرفا، ومبنى الأيمان على العرف١.
وقال زفر٢ ومالك٣ والشافعي٤ وأحمد٥: يحنث لأنه علق الطلاق على شرط وقد وجد، وقياسها على مسألة الغذاء فيه نظر.
تتمة:
قال في الفنون٦ فيمن قال: "أنت طالق ثلاثا إن دخلت علي البيت، ولا كنت لي زوجة إن لم تكتبي لي نصف مالك، فكتبت له بعد ستة عشر يوما يقع الثلاث؛ لأنه يقع باستدامة المقام فكذا استدامة الزوجية". انتهى، واقتصر عليه في المبدع٧.
_________________
(١) ١ مصادر الحنفية السابقة: ومجمع الأنهر: ١/٥٥٥. ٢ حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: ٣/١٢٤. ٣ مواهب الجليل: ٤/٧١. ٤ المهذب: ٢/٩٦. ٥ إعلام الموقعين: ٤/١٠٩. ٦ نقله عن الفنون في الفروع: ٦/٣٨٦، والمبدع: ٩/٣١٩. ٧ المبدع الصفحة السابقة.
[ ١٢١ ]