ولوجوب الكفارة أربعة شروط١:
أحدها: قصد عقد اليمين٢؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ ٣، فلا تنعقد لغوا بأن سبقت على لسانه بلا قصد، كقوله: لا والله، بلى والله في عرض٤ حديثه٥، خلافا للحنفية٦، ولا من نائم، وصغير، ومجنون ونحوهم٧.
الشرط الثاني: كونها على مستقبل ممكن ليتأتى بره وحنثه٨، فلا تنعقد على
_________________
(١) ١ منتهى الإرادات: ٢/٥٣٣-٥٣٤، الكشاف: ٦/٢٣٢-٢٣٣. ٢ المقنع: ٣/٥٦٤، هداية الراغب: ٥٤٦. ٣ من الآية (٨٩) من سورة المائدة. ٤ في (ب) زيادة "العرض بالضم الجانب، وبالفتح خلاف الطول". ٥ شرح المنتهى: ٣/٤٢٤. ٦ مجمع الأنهر: ١/٥٤١. ٧ الإنصاف: ١١/١٥، الإقناع: ٤/٣٣٣. ٨ غاية المنتهى: ٣/٣٧١،منار السبيل: ٢/٣٨٦.
[ ٩٧ ]
ماض كاذبا عالما به وهي١ الغموس، سميت بذلك لغمس الحالف بها في الإثم ثم في النار٢، وكونها لا كفارة فيها قول أكثر أهل العلم٣، منهم: ابن مسعود٤، وابن المسيب٥، والحسن٦، ومالك٧، وأبو حنيفة٨، والأوزاعي٩، والثوري١٠، وأحمد١١، والليث١٢، وأبو عبيد١٣، وأبو ثور١٤، وأصحاب الحديث١٥؛ لأنها أعظم من أن تكفر، والكفارة
_________________
(١) ١ في (ب) "وهو". ٢ انظر: شرح المنتهى: ٣/٤٢٤، فتح الباري: ١١/٥٥٥. ٣ المغني: ١٣/٤٤٨. ٤ فتح الباري: ١١/٥٥٧. ٥ حلية العلماء: ٨/٢٤٥. ٦ المحلى: ٨/٣٦. ٧ شرح الخرشي: ٣/٥٤. ٨ الهداية للمرغيناني: ٢/٧٢. ٩ المشهور عن الأوزاعي وجوب الكفارة، وانظر: اختلاف الفقهاء للطحاوي: ٩٧، فنح الباري: ١١/٥٥٧. ١٠ المحلى: ٨/٣٦. ١١ الإنصاف: ١١/١٦. ١٢ اختلاف الفقهاء للطحاوي: ٩٧. ١٣ اختلاف العلماء للمروزي: ٢١١. ١٤ المصدر السابق. ١٥ المحلى: ٨/٣٦، فتح الباري: ١١/٥٥٧.
[ ٩٨ ]
لا ترفع/١ إثمها٢ لما روى البخاري٣ "خمس من الكبائر لا كفارة لهن: الإشراك بالله، والفرار من الزحف، وبهت المؤمن، وقتل النفس بغير حق، والحلف على يمين فاجرة تقطع بها مال امرئ٤ مسلم".
ولما روى أيضا٥ عن النبي ﷺ أنه قال/٦: "من الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس".
_________________
(١) ١ نهاية لـ (٨) من الأصل. ٢ المغني: ١٣/٤٤٨، الشرح الكبير: ٦/٧٩. ٣ لم يخرج البخاري نص هذا الحديث الذي ذكره المصنف وإنما أخرج في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور باب اليمين الغموس: ٤/١٥٥، بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ مرفوعا: "الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس"، وأخرج في الكتاب نفسه: ٤/١٥٥ بإسناده عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان ". وأما لفظ المصنف فقد ورد عن طريق أبي هريرة ﵁، رواه أحمد في المسند: ٢/٣٦٢، وابن أبي حاتم في علل الحديث: ١/٣٣٩ رقم (١٠٠٥)، وأبو الشيخ في التوبيخ: ٢٣٦٣ رقم: (٢١١) والديلمي في مسند الفردوس: ٢/١٩٧ رقم (٢٩٧٧)، قال الحافظ في الفتح ١١/٥٥٧: "وظاهر سنده الصحة لكنه معلول لأن فيه عنعنة بقية"، ورمز له السيوطي بالحسن في الجامع الصغير: ٢/٧، وقال البنا في بلوغ الأماني ١٩/٢٩٣: "إسناده جيد"، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ١/٦١٧ رقم (٣٢٤٧) والله تعالى أعلم. ٤ في (ب) "مالامرء". ٥ سبق تخريجه في أول الحاشية قبل السابقة. ٦ نهاية لـ (١٣) من (ب) .
[ ٩٩ ]
وقال عطاء١ والزهري٢ والشافعي٣ وغيرهم٤: فيها الكفارة؛ لأنه وجدت منه اليمين بالله تعالى والمخالفة مع القصد.
وكذا لا تنعقد اليمين ممن حلف على ماض ظانا صدق نفسه فيبين بخلافه٥.
وقال الشيخ٦: "وكذا عقدها على زمن مستقبل ظانا صدقه فلم يكن، كمن حلف على غيره يظن أنه يطيعه فلم يفعل، أو ظن المحلوف عليه خلاف نية الحالف ونحو ذلك". قاله في الإقناع٧.
لكن تلخص من قول صاحب الإقناع هذا وما تقدم قبله بأسطر: أنه إن٨ حلف على الغير يظن أنه يطيعه فلم يطعه لا حنث، وإلا حنث، فلا كفارة في اليمين على غلبة الظن حكاه ابن عبد البر إجماعا٩، وقال الشارح١٠: "لا نعلم فيه خلافا".
وعند١١ الشافعية فيها قولان صرح بهما في شرح المنهاج١٢؛ لقوله تعالى:
_________________
(١) ١ فتح الباري: ١١/٥٥٧. ٢ حلية العلماء: ٨/٢٤٤. ٣ كفاية الأخيار: ٢/١٥٤، نهاية المحتاج: ٨/١٨٠. ٤ وهو رواية عن أحمد. وانظر المغني: ١٣/٤٤٨ شرح الزركشي: ٧/٧٢. ٥ منتهى الإرادات: ٢/٥٣٣. ٦ مجموع الفتاوى: ٣٣/٢٢٥-٢٣٣، الفروع: ٣/٥٦٦، الإنصاف: ١١/١٩. ٧ الإقناع: ٤/٣٣٤. ٨ "إن"أسقطت من (ب) . ٩ التمهيد: ٢/٢٦٧. ١٠ الشرح الكبير: ٦/٨٠. ١١ "وعند المنهاج" أسقط من (ب) . ١٢ شرح المنهاج: ٧١/ب، وانظر مغني المحتاج: ٤/٣٢٥.
[ ١٠٠ ]
﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ١وهذا منه ولأنه يكثر فلو وجبت فيه كفارة لشق وحصل الضرر وهو منتف شرعا٢.
ولا تنعقد أيضا على وجود فعل مستحيل ذاتا كشرب ماء الكوز ولا ماء فيه، أو عادة كقتل الميت وإحيائه، وصعود السماء، والطيران، ولا كفارة فيها٣.
وقال٤ القاضي٥ والشافعي٦،وأبو يوسف٧: تنعقد وفيها الكفارة في الحال؛ لأنه٨ حلف على نفسه في المستقبل ولم يفعل.
وتنعقد بحلف على عدم المستحيل ذاتا أو عادة، كقوله: "والله لا شربت ماء الكوز" ولا ماء فيه، أو "لا رددت أمس" أو "لا قتلت فلانا الميت"، وتجب
_________________
(١) ١ من الآية (٨٩) من سورة المائدة. ٢ شرح منتهى الإرادات: ٣/٤٢٤. ٣ انظر المغني: ١٣/٥٠١، المبدع: ٩/٢٦٦، الإنصاف: ١١/١٦-١٧، منتهى الإرادات: ٢/٥٣٣. ٤ هو القاضي محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الفراء أبو يعلى البغدادي الحنبلي مجتهد المذهب، كان له القدم الرفيع، والباع الطويل في كثير من الفنون في الأصول والفروع، من مصنفاته: "أحكام القرآن" "الجامع الصغير"، "العدة" وغير ذلك، مات سنة (٤٥٨هـ) . ترجمته في: طبقات الحنابلة: ٢/١٩٣، المقصد الأرشد: ٢/٣٩٥، شذرات الذهب: ٥/٢٥٢. ٥ قول القاضي في: الكافي: ٤/٣٧٥، الشرح الكبير: ٦/٧٩. ٦ انظر روضة الطالبين: ١١/٣٤-٣٥. ٧ مجمع الأنهر: ١/٥٦٤. ٨ في (ب) "لا حلف".
[ ١٠١ ]
الكفارة في الحال لاستحالة البر١.
الشرط الثالث: كون حالف مختارا لليمين، فلا تنعقد٢ من مكره عليها٣ لحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ٤.
الشرط الرابع: الحنث بفعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله، كمن حلف على ترك الخمر فشربها، أو صلاة فرض فتركها، فيكفر لوجود الحنث٥.
_________________
(١) ١ شرح منتهى الإرادات: ٣/٤٢٤. ٢ في (ب) "فلا ينعقد" ٣ هذا المذهب، وعن أحمد: أنها تنعقد. وانظر الهداية: ٢/١١٩، الشرح الكبير: ٦/٨١: الإنصاف: ١١/٢٠. ٤ الحديث ورد من عدة طرق، منها طريق ابن عباس ﵄ أخرجه ابن ماجة في كتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي: ١/٦٥٩ رقم (٢٠٤٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار، كتاب الطلاق باب طلاق المكره: ٣/٩٥، وابن حبان في صحيحه: ١٦/٢٠٢ رقم (٧٢١٩) والدارقطني في سننه: ٤/١٧٠-١٧١، والطبراني في المعجم الصغير: ١/٢٨٢ رقم (٧٥٢) والحاكم في المستدرك، كتاب الطلاق: ٢/١٩٨، وقال: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الطلاق، باب ما جاء في طلاق المكره: ٧/٣٥٦، وفي المعرفة: ١١/٧٤ رقم (١٤٨١١)، وحسنه النووي في روضة الطالبين: ٨/١٩٣، وأعله بعضهم بالانقطاع. وانظر التلخيص الحبير: ١/٢٨١-٢٨٣، الدراية: ١/١٧٥، إرواء الغليل: ١/١٢٣. ٥ مغني ذوي الأفهام: ١٥٧، الإقناع: ٤/٣٣٤، شرح المنتهى: ٣/٤٢٤-٤٢٥.
[ ١٠٢ ]
ولا يحنث إن خالف ما حلف عليه مكرها، أو جاهلا، أو ناسيا١، كما لو دخل في المثال ناسيا ليمينه، أو جاهلا أنها المحلوف عليها.
«يمين المكره»
قال الشارح٢: "فإن حلف مكرها/٣ لم تنعقد يمينه.
وبه قال مالك٤ والشافعي٥.
وذكر أبو الخطاب٦/٧ فيها روايتين:
إحداهما: تنعقد، وهو قول أبي حنيفة٨؛ لأنها يمين مكلف فانعقدت كيمين المختار ولأن هذه الكفارة لا تسقط بالشبهة فوجبت مع الإكراه". انتهى٩.
_________________
(١) ١ لا يحنث إن خالف ما حلف عليه جاهلا أو ناسيا على الصحيح من المذهب إلا في الطلاق والعتاق، وعن أحمد رواية: أن عليه الكفارة، وعنه رواية ثالثة: لا حنث بفعله ناسيا ويمينه باقية. وانظر مجموع الفتاوى: ٣٣/٢٠٨، الفروع: ٦/٣٨٩، شرح الزركشي: ٧/٦٨، الإنصاف: ١١/٢٤-٢٥. ٢ الشرح الكبير: ٦/٨١. ٣ نهاية لـ (١٣) من (أ) . ٤ القوانين الفقهية: ١٠٨. ٥ المهذب: ٢/١٢٨. ٦ الهداية: ٢/١١٩، والشرح الكبير الصفحة السابقة. ٧ نهاية لـ (١٤) من (ب) . ٨ الهداية للمرغيناني: ٢/٧٢، الاختيار: ٤/٤٩١. ٩ انظر الشرح الكبير: ٦/٨٢.
[ ١٠٣ ]
والذي عليه العمل١ أنها غير منعقدة ولا كفارة فيها لحديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"٢
_________________
(١) ١ المغني: ١٣/٤٤٨، مجموع الفتاوى: ٣٣/٢٢٦، منار السبيل: ٢/٣٨٦. ٢ سبق تخريجه قبل قليل ص: ١٠٢.
[ ١٠٤ ]