(فصل)
وقوله لامرأته: "أمرك بيدك" كناية ظاهرة تملك بها ثلاثا١، خلافا لأبي حنيفة٢، ومالك٣، والأوزاعي٤.
وقال الشافعي٥: إن نوى ثلاثا فلها أن تطلق ثلاثا، وإن نوى غير ذلك لم تطلق ثلاثا.
وعن ابن عباس٦، وطاووس٧: لا يقع شيء.
وقوله لها: "اختاري نفسك" كناية خفية، ليس لها أن تطلق بها، ولا بـ"طلقي نفسك" أكثر من واحدة ولها أن تطلق نفسها متى شاءت ما لم٨ يحد لها حدا، أو يفسخ٩ ما جعل لها، أو يطأ، إلا في قوله "اختاري نفسك"
_________________
(١) ١ هذا المذهب، وعنه رواية: ليس لها أن تطلق أكثر من واحدة ما لم ينو أكثر. وانظر الهداية: ٢/٨، الإنصاف: ٨/٤٩١، ٤٩٢، هداية الراغب: ٤٨٣. ٢ تحفة الفقهاء: ٢/١٨٧، تبيين الحقائق: ٢/٢٢٢. ٣ القوانين الفقهية: ١٥٥. ٤ الإشراف: ٤/١٨١. ٥ المهذب: ٢/٨٢. ٦ وروي عنه أنه قال: القضاء ما قضت. وانظر القولين عنه ﵁ في: مصنف ابن أبي شيبة: ٤/٨٦-٨٧، الإشراف: ٤/١٨٢. ٧ الإشراف: ٤/١٨١. ٨ "ما" أسقطت من (ب) . ٩ في (ب) "ويفسخ".
[ ٢٣٠ ]
فيختص بالمجلس ما لم يشتغلا بقاطع، نصا١.
وإن جعل أمرها في يد غيرها فكذلك٢، وفاقا للشافعي٣.
وقال الحنفية٤: يختص بالمجلس لأنه نوع تخيير أشبه ما لو قال: "اختاري".
ومتى اختارت، أو طلقت: وقعت واحدة رجعية٥.
وقال أبو حنيفة٦: هي واحدة بائنة.
ويقع بكنايتها مع نية الطلاق ولو جعله لها بصريح٧.
ولا يقع طلاق بقولها "اخترت بنية" الطلاق، حتى تقول: "نفسي، أو أبوي أو الأزواج"٨.
وكذا لا يقع بقولها: "أنت طالق"، أو"أنت مني طالق"، أو "طلقتك"، أو "أنا طاق"، بل صفة طلاقها: "طلقت نفسي" أو "أنا منك طالق"٩.
ومتى اختلفا في وجود نية فقول موقع، وفي رجوع: فقول زوج، ونص أحمد أنه لا يقبل قول زوج في رجوع بعد إيقاع طلاق/١٠ ممن جعل له إلا ببينة تشهد
_________________
(١) ١ شرح منتهى الإرادات: ٣/١٣٣. ٢ المصدر السابق: ٣/١٣٤. ٣ المهذب: ٢/٨٠. ٤ بدائع الصنائع: ٣/١١٣. ٥ المغني: ١٠/٣٩٠. ٦ الهداية للمرغيناني: ١٠/٢٤٣. ٧ غاية المنتهى: ٣/١١٨. ٨ كشاف القناع: ٥/٢٩٠-٢٩١. ٩ الفروع: ٥/٣٩٤، الإنصاف: ٨/٤٩٧. ١٠ نهاية لـ (٥٢) من (أ) .
[ ٢٣١ ]
أنه كان رجع قبله.
قال المنقح: "وهو أظهر".
وإن قال لزوجته: "وهبتك" ونحوه، "لأهلك" أو "لنفسك" فمع قبول: تقع رجعية وإلا فلغو.
وقال أبو حنيفة والشافعي فيها كقولهما في الكنايات الظاهرة.
وقال مالك: هي ثلاث قبلوها أو ردوها، قاله الشارح بمعناه.
_________________
(١) ١ شرح المنتهى: ٣/١٣٤-١٣٥. ٢ هو المرداوي، وانظر قوله في كتابه: التنقيح المشبع: ٣١٧. ٣ هذا المذهب وعن أحمد رواية: إن قبلوها: فثلاث، وإن ردوها: فواحدة أي: رجعية وعنه رواية أخرى: إن قبلوها فثلاث، وإن ردوها فواحدة بائنة. وانظر المبدع: ٧/٢٩٠، الإنصاف: ٨/٤٩٧. ٤ الاختيار: ٣/١٣٣، مجمع الأنهر: ١/٤٠٤. ٥ روضة الطالبين: ٨/٢٦، مغني المحتاج: ٣/٢٨٢. ٦ الشرح الصغير: ٢/٥٦٢، أسهل المدارك: ٢/١٤٣ ٧ الشرح الكبير: ٤/٤٤٠.
[ ٢٣٢ ]
وبه قال مالك١ والشافعي٢.
ولنا رواية٣: لا يقع إلا واحدة.
وبه٤ قال الثوري٥ والأوزاعي٦ والحنفية٧.
ومن معه زوجات وثم نية، أو سبب يقتضي/٨ تعميما أو تخصيصا عمل به وإلا وقع بكل واحدة طلقة٩.
وقال في الفروع١٠: "واختار شيخنا١١ فيمن حلف بطلاق أو عتق وحنث يخير بين أن يوقعه أو يكفر، كحلفه بالله ليوقعنه، وذكر أن "الطلاق يلزمني" ونحوه يمين باتفاق العقلاء والأمم والفقهاء" انتهى.
وقال القاضي محب الدين من متأخري الحنفية١٢ في منظومته١٣:
_________________
(١) ١ التفريع: ٢/٧٤، الشرح الصغير: ٢/٥٥٩. ٢ المهذب: ٢/٨١، مغني المحتاج: ٣/٢٨٠-٢٨١. ٣ المبدع: ٧/٢٩٢. ٤ في (أ)، (ب): "وبها". ٥ قولهما في: الشرح الكبير: ٤/٤٤٤. ٦ قولهما في: الشرح الكبير: ٤/٤٤٤. ٧ تبيين الحقائق: ٢/١٩٧، الفتاوى الهندية: ١/٣٥٤٣. ٨ نهاية لـ (٣١) من الأصل. ٩ شرح منتهى الإرادات: ٣/١٣٦. ١٠ الفروع: ٥/٤٢٥-٤٢٦. ١١ الاختيارات الفقهية: ٤٥١. ١٢ محمد بن أبي بكر بن داود بن عبد الرحمن العلواني الحموي، أبو الفضل، من كبار متأخري فقهاء الحنفية، من مصنفاته: (عمدة الحكام) منظومة في الفقه، مات بدمشق سنة (١٠١٦هـ) . ترجمته في: خلاصة الأثر: ٣/٣٢٢، الأعلام: ٦/٥٩، معجم المؤلفين: ٨/١٧٨. ١٣ انظر حاشية ابن عابدين: ٣/٢٦٨.
[ ٢٣٤ ]
لو حلف الشخص بأن قال علي طلاق زوجتي فلا يقع شيء/١
قالوا وإن نوى به الوقوعا وقد غدا مقررا مشروعا
لأن ذا إضافة الشيء إلى غير محله كما قد نقلا
وهذا اختيار القفال٢ في فتاويه٣، ونصره قوم من الشافعية٤، وغيرهم٥.
فمن٦ الشافعية المتأخرين: الشيخ نور الدين الزيادي٧، وكان يلقب بالشافعي الصغير، لأنه عندهم كناية، والكناية إنما يترتب عليها الحكم في الإيقاع لا في الإلزام.
_________________
(١) ١ نهاية لـ (٥٣) من (أ) . ٢ هو: محمد بن أحمد بن الحسين، أبو بكر الشاشي، القفال، الفقيه الشافعي المشهور كان نابغة في الفقه، حافظا للمذهب، ورعا، زاهدا، من مصنفاته (حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء)، وهو أشهر كتبه، و(الفتاوى) و(العمدة في فروع الشافعية) مات ببغداد سنة (٥٠٧هـ) . ترجمته في: وفيات الأعيان: ٤/٢١٩، طبقات الشافعية لابن السبكي: ٦/٦٠، شذرات الذهب: ٦/٢٨. ٣ نقله ابن القيم أيضا في إعلام الموقعين: ٣/٦١، ٩٥. ٤ انظر: مغني المحتاج: ٣/٢٨١، حاشية قليوبي: ٣/٣٢٤. ٥ في (أ)، (ب) زيادة "كالصدر الشهيد من الحنفية وغيره" وانظر: الفتاوى الهندية: ١/٣٥٥ن والصدر الشهيد هو: عمر بن عبد العزيز، المعروف بحسام الدين الصدر الشهيد، ت سنة (٥٣٦هـ) وهو من كبار فقهاء الحنفية، وانظر ترجمته في: الفوائد البهية: ١٤٩، والأعلام: ٥/٥١. ٦ في (أ)، (ب): "ومن". ٧ هو علي بن يحي الزيادي نور الدين الشافعي، إليه انتهت رئاسة الشافعية بمصر من مصنفاته: (شرح المحرر للرافعي)، (حاشية على شرح المنهج)، مات بالقاهرة سنة (١٠٢٤هـ) . ترجمته في: خلاصة الأثر: ٣/١٩٥، هدية العارفين: ١/٧٥٤، الأعلام: ٥/٣٢.
[ ٢٣٥ ]
وذكر أبو القاسم بن يونس١ في شرح التنبيه٢: أن الحالف إذا قال: "الطلاق يلزمني" أو: "لازم لي" ففيه ثلاثة أوجه٣:
أحدهما: إن نوى وقوع الطلاق وقع وإلا فلا.
والثاني: يقع؛ لأن ذلك قد غلب في إرادة الطلاق فلا يحتاج إلى نية.
والثالث: لا يقع به طلاق وإن نواه٤.
_________________
(١) ١ هو: شرف الدين أحمد بن موسى بن يونس بن محمد الإربلي، الشافعي، من كبار فقهاء الشافعية، كان كثير الحفظ، متفننا في العلوم، من مصنفاته (شرح التنبيه) (مختصر إحياء علوم الدين) للغزالي، مات سنة (٦٢٢هـ) بالموصل. ترجمته في: وفيات الأعيان: ١/١٠٨، طبقات الشافعية لابن السبكي: ٨/٣٩، هدية العارفين: ١/٩١. ٢ اسمه: غنية الفقيه في شرح التنبيه، ومنه نسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق مصورة في جامعة الإمام تحت رقم (٢٩٢٥) وهو تحت التحقيق في الجامعة الإسلامية. ٣ انظر هذه الأوجه في: شرح التنبيه المذكور ورقة (٢٢٣)، وقد ذكرها ابن القيم في: إعلام الموقعين: ٣/٦٢. ٤ في (أ)، (ب) زيادة "وقال صاحب الذخيرة من الحنفية: لو قال لها: طلاقك/لـ٥٤/ب/ علي واجب أو لازم أو فرض أو ثابت، ذكر أبو الليث خلافا بين المتأخرين فمنهم من قال: يقع واحدة رجعية نوى أو لم ينو، ومنهم من قال: لا يقع نوى أو لم ينو، ومنهم من قال في قوله "واجب" يقع بدون النية، وفي قوله "لازم" أو "ثابت" ففعلت، وذكر القدوري في شرحه: أن على قول أبي حنيفة لا يقع الطلاق في الكل، وعند أبي يوسف: إن نوى الطلاق يقع في الكل، وعن محمد: أنه يقع في قوله: "لازم" ولا يقع في قوله "واجب". انتهى". وانظر الذخيرة: ٢٤٦/ب، فتاوى أبي الليث: ٧٢/أ، الجوهرة النيرة: ٢/١٠٩.
[ ٢٣٦ ]
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين١: "اليمين بالطلاق والعتاق إلزام الحالف بهما إذا حنث بطلاق زوجته وعتق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة، فلا يحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزام الطلاق به أبدا، وإنما المحفوظ بصيغة الشرط والجزاء الذي قصد به الطلاق عند وجود الشرط كما في صحيح البخاري٢/٣ عن نافع، قال: طلق رجل امرأته البتة إن خرجت، فقال ابن عمر: إن خرجت، فقد بانت٤ منه وإن لم تخرج فليس بشيء".
فذا لا ينازع فيه إلا من يمنع وقوع الطلاق المعلق بالشرط مطلقا، وأما من فصل بين القسم المحض والتعليق الذي يقصد به الوقوع فإنه يقول بالآثار المروية عن الصحابة في الوقوع وعدمه، ولا يؤخذ ببعض فتاويهم ويترك بعضها، فأما الوقوع المحفوظ عنهم: ما ذكره البخاري عن ابن عمر٥، وما رواه الثوري عن الزبير بن عربي٦، عن ابن مسعود ﵁ في رجل
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين: ٣/٥٤. ٢ صحيح البخاري، كتاب الطلاق باب الطلاق في الإغلاق والكره: ٣/٢٧٢. ٣ نهاية لـ (٥٤) من (أ) . ٤ لفظة الصحيح: "فقد بتت منه". ٥ صحيح البخاري الصفحة السابقة. ٦ كذا في جميع النسخ "الزبير بن عربي" وهو كذلك في إعلام الموقعين: ٣/٥٤، لكن الصحيح والله تعالى أعلم أنه: "الزبير بن عدي" كما هو في السنن الكبرى للبيهقي: ٧/٣٥٦ بنفس الإسناد، ومما يؤكد هذا أن الأخير روى عن النخعي كما في هذا الإسناد، وروى عنه الثوري كما هو هنا أيضا، وأما الأول "الزبير بن عربي" فلم يرو عنه النخعي ولا روى عنه الثوري. والزبير بن عدي الهمداني، قاضي الري، مات سنة (١٣١هـ)، والزبير بن عربي النمري، هو أبو سلمة البصري وانظر: تهذيب الكمال: ٩/٣١٥، ٣١٨، وسير أعلام النبلاء: ٦/١٥٧.
[ ٢٣٧ ]
قال لامرأته: "إن فعلت كذا وكذا فأنت طالق ففعلته" قال: "هي واحدة، وهو أحق بها"١، على أنه منقطع٢.
وكذلك ما رواه البيهقي٣، وغيره٤، عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: "هي طالق إلى سنة" قال: يستمتع إلى سنة".
ومن هذا قول أبي ذر لامرأته وقد ألحت عليه في سؤاله عن ليلة القدر٥ فقال: "إن عدت سألتيني فأنت طالق"٦.٧
وأما الآثار عنهم في خلافه، فصح عن عائشة وابن عباس/٨ وحفصة،
_________________
(١) ١ رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الخلع والطلاق، باب الطلاق بالوقت والفعل: ٧/٨٩. ٢ إعلام الموقعين: ٣/٥٤. ٣ السنن الكبرى، كتاب الخلع والطلاق، باب الطلاق بالوقت والفعل: ٧/٣٥٦، وفي معرفة السنن والآثار: ١١/٦٨. ٤ ورواه ابن أبي شيبة كتاب الطلاق: كتاب الطلاق: ٤/٧٠ رقم (١٧٨٩٤) والحاكم في المستدرك: ٤/٣٠٣ وصححه، وأورده الحافظ في التلخيص: ٣/٣١٨. ٥ حديث سؤال أبي ذر عن ليلة القدر، أخرجه النسائي كتاب الاعتكاف: ٢/٢٧٨، رقم (٣٤٢٧) والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصيام: ٤/٣٠٧، وقال النووي في المجموع: "إسناده ضعيف". ٦ إعلام الموقعين: ٣/٥٤. ٧ بعد هذا زيادة في (أ)، (ب): "فهذه الآثار المحفوظة عن الصحابة في وقوع الطلاق المعلق". ٨ نهاية لـ (٥٥) من (ب) .
[ ٢٣٨ ]
وأم سلمة فيمن حلفت بأن كل مملوك لها إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته: أنها تكفر عن يمينها ولا تفرق بينهما١.
وقال الدارقطني٢: "ثنا أبو بكر النيسابوري٣، ثنا٤ محمد بن عبد الله الأنصاري٥ ثنا أشعث٦ ثنا بكر٧ بن عبد الله
_________________
(١) ١ رواه الدارقطني باب النذور: ٤/١٦٤ رقم (١٣) والبيهقي كتاب الأيمان: ١٠/٦٦ من السنن الكبرى، وفي معرفة السنن والآثار، كتاب الأيمان والنذور: ١٤/١٩١ رقم (١٩٦١٩) وقد صححه ابن القيم في إعلام الموقعين: ٣/٥٥. ٢ سنن الدارقطني: ٤/١٦٣-١٦٤ رقم (١٣) وسيأتي في آخره بقية من خرجوه. ٣ هو الحافظ العلامة أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري، الشافعي كان إمام الشافعية في عصره بالعراق حافظا للخلاف مات سنة (٣٢٤هـ) . ترجمته في: تاريخ بغداد: ١٠/١٢٠، سير أعلام النبلاء: ١٥/٦٥، طبقات الشافعية لابن السبكي: ٣/٣١٠. ٤ في الأصل أسقط أحد رجال الإسناد هنا وهو "محمد بن يحي الذهلي" شيخ النيسابوري وقد ورد في (أ)، (ب) هكذا: "محمد بن يحي بن عبد الله الأنصاري". ٥ محمد بن عبد الله بن المثنى، أبو عبد الله الأنصاري الخزرجي، قاضي البصرة وهو من كبار شيوخ البخاري، مات سنة (٢١٥هـ) . ترجمته في: طبقات ابن سعد: ٧/٢١٥، سير أعلام النبلاء: ٩/٥٣٢، شذرات الذهب: ٣/٧١. ٦ أشعث بن عبد الملك الحمراني، أبو هانئ البصري، أحد علماء البصرة وفقهائها، مات سنة ١٤٢هـ) . ترجمته في: الجرح والتعديل: ٢/٢٧٥، تهذيب الكمال: ٣/٢٧٧، ميزان الاعتدال: ١/٢٦٦. ٧ في جميع النسخ "أبو بكر" وهو خطأ.
[ ٢٣٩ ]
المزني١ عن أبي رافع٢ أن مولاة له أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت: هي يوما يهودية، ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تفرق بينهما، فسألت عائشة وابن عباس وحفصة وأم سلمة ﵃، فكلهم قال لها: "أتريدين أن تكفري٣ مثل هاروت وماروت؟ " فأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما٤.٥
وصح عن ابن عمر وعائشة وأم سلمة أمي المؤمنين أنهم جعلوا في قول ليلى بنت العجماء/٦ -كل مملوك لها حر، وكل مال لها هدي، وهي يهودية
_________________
(١) ١ بكر بن عبد الله المزني البصري، أحد أعلام التابعين، كان فقيها ثقة حجة كثير الحديث، مات سنة (١٠٨هـ) . ترجمته في: حلية الأولياء: ٢/٢٢٤، سير أعلام النبلاء: ٤/٥٣٢، شذرات الذهب: ٢/٤٥. ٢ أبو رافع، اسمه: نفيع بن الصائغ، من أئمة التابعين الأولين، ومن الثقات. ترجمته في: طبقات ابن سعد: ٧/٨٧، تهذيب الكمال: ٣٠/١٤، سير أعلام النبلاء: ٤/٤١٤. ٣ كذا في جميع النسخ وفي سنن الدارقطني وغيرها: "تكوني". ٤ ورواه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الأيمان والنذور: ٨/٤٨٦ رقم (١٦٠٠٠)، والبيهقي، كتاب الأيمان: ١٠/٦٦، وانظر الحاشية التالية. ٥ بعد هذا زيادة من (أ)، (ب): "انتهى، وهذا الحديث الصحيح/٥٥/أ/ ويعرف بحديث ليلى بنت العجمي، وله طرق كثيرة، في بعضها زيادة وفي بعضها نقص، وكل طرقه صحيحة، وذكر له ابن القيم نحوا من عشرة طرق نفى بها أن يكون في الحديث علة، أو له معارض، وأن ما عارضه معلول، وحديث ليلى هذا اشهر إسنادا وأصح، فإن رواته حفاظ أئمة، ثم قال ابن القيم". وانظر إعلام الموقعين: ٤/٥٦-٥٨. ٦ نهاية لـ (٣٢) من الأصل.
[ ٢٤٠ ]
ونصرانية، إن لم تطلق امرأتك- كفارة يمين واحدة١.
وإذا صح عن الصحابة، ولم يعلم لهم مخالف سوى هذا الأثر المعلول، أثر عثمان ابن أبي حاضر٢ في قول الحالف: عبده حر إن فعل: أنه فاعل٣ يجزيه كفارة يمين٤، ولم يلزموه بالعتق المحبوب إلى الله تعالى، فأن لا يلزموه بالطلاق البغيض إلى الله أولى وأحرى٥، كيف وقد أفتى علي بن أبي طالب الحالف بالطلاق: أنه لا شيء عليه، ولم يعرف له في الصحابة مخالف.
قال٦ عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التيمي٧، المعروف بابن بزيزة في شرحه لأحكام عبد الحق٨: " (الباب الثالث) في حكم اليمين بالطلاق والشك فيه: وقد قدمنا في (كتاب الأيمان) اختلاف العلماء في اليمين بالطلاق، والعتق، والمشي وغير ذلك، هل يلزم أم لا؟، فقال علي بن أبي طالب، وشريح، وطاووس: لا يلزم من ذلك شيء، ولا يقضى بالطلاق على من حلف به
_________________
(١) ١ مصنف عبد الرزاق: ٨/٤٨٦، سنن الدارقطني: ٤/١٦٤، السنن الكبرى: ١٠/٦٦، معرفة السنن والآثار: ١٤/١٩١، وصححه ابن القيم في إعلام الموقعين: ٤/٥٨. ٢ المشهور: عثمان بن حاضر الحميري، ويقال: الأزدي، وثقه أبو زرعة وغيره. ترجمته في: الجرح والتعديل: ٦/١٤٧، تهذيب الكمال: ١٩/٣٤٩. ٣ "فاعل" أسقطت من (ب) وقد وردت هذه الكلمة في الأصل وفي (أ) . ٤ مصنف عبد الرزاق: ٨/٤٨٥، السنن الكبرى: ١٠/٦٨، معرفة السنن والآثار: ١٤/١٩٣. ٥ إعلام الموقعين: ٣/٥٨. ٦ كذا في جميع النسخ، وفي إعلام الموقعين ٣/٥٨: "قاله"ز ٧ سبقت ترجمته ص١٨١. ٨ ترجمته ص١٨١.
[ ٢٤١ ]
بحنث ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة/١" هذا لفظه بعينه٢.
وأما الحلف بالتزام الكفر الذي يحصل بالنية تارة، وبالفعل تارة، وبالقول تارة، وبالشك تارة، ومع هذا فقصد اليمين منع من وقوعه، فلأن يمنع من وقوع الطلاق أولى وأحرى، وإذا كانت اليمين بالطلاق قد دخلت في قول المكلف "أيمان المسلمين تلزمني" عند من ألزمه بالطلاق، فدخولها في قول رب العالمين ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ٣ أولى وأحرى/٤، وإذا دخلت في قول الحالف "إن حلفت يمينا فعبدي حر" فدخولها في قول رسول الله ﷺ: "من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير" ٥ أولى وأحرى٦.
وإذا دخلت في قول النبي ﷺ: "من حلف فقال: إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك" ٧ فدخولها في قوله: "من حلف على اليمين ٨ الحديث"٩ –فإن الحديث أصح وأصرح- أولى١٠.
_________________
(١) ١ نهاية لـ (٥٦) من (ب) . ٢ إعلام الموقعين: ٣/٥٨. ٣ من الآية (٢) من سورة التحريم. ٤ نهاية لـ (٥٦) من (أ) . ٥ رواه مسلم، كتاب الأيمان: ٣/١٢٧١-١٢٧٢ رقم (١٦٥٠) عن أبي هريرة ﵁. ٦ إعلام الموقعين: ٣/٥٩. ٧ سبق تخريجه ص: ١٠٧. ٨ كذا في الأصل، وفي (أ)، (ب): يمين. ٩ الحديث سبق تخريجه في الحاشية رقم (٥) من هذه الصفحة. ١٠ إعلام الموقعين: ٣/٥٩-٦٠.
[ ٢٤٢ ]
وإذا دخلت في قوله: "من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" ١، فدخولها في قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ٢ إلى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ ٣ أولى بالدخول أو مثله٤.
وإذا دخلت في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ٥ فلو حلف بالطلاق كان موليا، فدخولها في نصوص الأيمان أولى وأحرى؛ لأن الإيلاء نوع من اليمين٦، فإذا دخل الحلف بالطلاق في النوع فدخوله في الجنس سابق عليهن فإن النوع مستلزم الجنس، ولا ينعكس٧.
وإذا دخلت في قوله: "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" ٨ فكيف لا يدخل في بقية نصوص الأيمان؟، وما الذي أوجب هذا التخصيص من غير مخصص؟ ٩.
_________________
(١) ١ الحديث ورد من طريق ابن مسعود ﵁، رواه البخاري، كتاب الأيمان: ٤/١٥٥، ومسلم، كتاب الإيمان: ١/١٢٢ رقم (٢٢٠) (١٣٨) . ٢ من الآية (٨٩) من سورة المائدة. ٣ من الآية السابقة. ٤ إعلام الموقعين: ٣/٦٠. ٥ من الآية (٢٢٦) من سورة البقرة. ٦ المغني: ١٣/٤٦٨. ٧ إعلام الموقعين ٣/٦٠. ٨ رواه مسلم كتاب الأيمان باب يمين الحالف على نية المستحلف: ٣/١٢٧٤ رقم (١٦٥٣) وأخرجه بلفظ المصنف أحمد في المسند: ٢/٢٢٨، وابن ماجة، كتاب الكفارات: ١/٦٨٦ رقم (٢١٢١) كلهم من حديث أبي هريرة ﵁. ٩ إعلام الموقعين ٣/٦٠.
[ ٢٤٣ ]
وإذا دخلت في قوله: "إياكم وكثرة الحلف في البيع فإنه ينفق ثم يمحق" ١ فهلا دخلت في غيره من نصوص اليمين! وما الفرق المؤثر شرعا أو عقلا أو لغة؟ ٢.
وإذا دخلت في قوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ ٣ فهلا دخلت في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ ٤، وإذا دخلت في قول الحالف: "أيمان البيعة تلزمني" وهي الأيمان التي رتبها الحجاج، فلم لا تكون أولى بالدخول في لفظ الأيمان في كلام الله تعالى ورسوله؟ ٥.
فإن كان/٦ يمين الطلاق يمينا شرعية –بمعنى أن الشرع اعتبرها- وجب أن تعطى حكم الأيمان، وإن لم تكن يمينا شرعية كانت باطلة في الشرع، فلا يلزم الحالف بها شيء، كما صح عن/٧ طاووس: "ليس الحلف بالطلاق شيئا"٨، وصح عن عكرمة٩: "أنها من خطوات الشيطان لا يلزم بها شيء"، وصح عن/١٠
_________________
(١) ١ رواه مسلم، كتاب المساقاة باب النهي عن الحلف في البيع: ٣/١٢٢٨ رقم (١٦٠٧) من حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁. ٢ إعلام الموقعين: ٣/٦٠. ٣.٤ من الآية (٨٩) من سورة المائدة. ٥ إعلام الموقعين الصفحة السابقة. ٦ نهاية لـ (٥٧) من (ب) . ٧نهاية (٥٧) من (أ) . ٨ مصنف عبد الرزاق: ٦/٤٨٤، المحلى: ١٠/٢١٣. ٩ مصنف عبد الرزاق: ٨/٤٨٩. ١٠ نهاية لـ (٣٣) من الأصل.
[ ٢٤٤ ]
شريح قاضي علي، وابن مسعود، أنها لا يلزم بها طلاق١.
وهو مذهب داود بن علي وجميع أصحابه٢، سواء كان بلفظ التنجيز: كـ "علي الطلاق" أو "يلزمني" ونحوه، أو التعليق: كـ "إن فعلت كذا فأنت طالق" أو "إن جاء رأس الشهر" ونحوه وهو قول بعض أصحاب مالك٣ في بعض الصور فيما إذا حلف عليها بالطلاق على شيء لا تفعله هي كقوله: "إن كلمت فلانا فأنت طالق" فقال: لا تطلق إن كلمته؛ لأن الطلاق لا يكون بيدها إن شاءت طلقت وإن شاءت أمسكت" انتهى كلام ابن القيم٤ مختصرا٥.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن حزم في المحلى عنهما: ١٠/٢١٣. ٢ المحلى: ١٠/٢١٦. ٣ الشرح الصغير: ٢/٥٩١، أسهل المدارك: ٢/١٥١. ٤ إعلام الموقعين: ٣/٦٠. ٥ بعد هذا زيادة من (أ)، (ب): "فائدة: قال في بدائع الفوائد: ما يقول الفقيه أيده الله وما زال عنده إحسان في فتى علق الطلاق بشهر قبل ما قبل قبله رمضان في هذا البيت ثمانية أوجه: (أحدها): هذا (والثاني): قبل ما قبل بعده، (والثالث): قبل ما بعد بعده، (والرابع): قبل ما بعد قبله، فهذه أربعة متقابلة. (الخامس): بعد ما قبل قبله (والسادس): بعد ما قبل بعده، (والسابع): بعد ما بعد قبله (والثامن): بعد ما بعد بعده، وتلخيصه: أنك إن قدمت لفظة (بعد) جاء أربعة، (أحدها): أن كلها بعد، (الثاني): بعد أن وقبل، (الثالث): قبلان وبعد، (الرابع): بعدان بينهما قبل، وإن قدمت لفظة (قبل) فكذلك. وضابط الجواب عن الأقسام: أنه إذا اتفقت الألفاظ، فإن كانت (قبل) وقع الطلاق في الشهر الذي يقدمه رمضان بثلاثة شهور فهو ذو الحجة فكأنه قال: أنت طالق في ذي الحجة؛ لأن المعنى: أنت طالق في شهر رمضان قبل قبل قبله، فلو كان رمضان قبله طلقت في شوال، ولو قال: قبل قبله طلقت في ذي القعدة، وإن كانت الألفاظ كلها (بعد) طلقت في جمادى الآخرة؛ لأن المعنى: أنت طالق في شهر يكون رمضان بعد بعد بعده، فلو قال: رمضان بعده طلقت في شعبان، ولو قال: بعد/٥٨/أ/ بعده/٨٥/ب/ طلقت في رجب، وإن اختلفت الألفاظ وهي ست مسائل فضابطها: أن كل ما اجتمع فيه (قبل) و(بعد) فألغهما، نحو قبل بعده، وبعد قبله، واعتبر الثالث، فإذا قال: قبل ما بعد بعده، أو: بعد ما قبل قبله، فألغ اللفظتين الأوليين، يصير كأنه قال أولا: بعده رمضان، فيكون في شعبان، وفي الثاني كأنه قال: قبله رمضان، فيكون شوالا، وإن توسطت لفظة بين متضادين نحو: قبل ما بعد قبله، أو بعد ما قبل بعده فألغ اللفظتين الأولتين، ويكون شوالا في الصورة الأولى، كأنه قال في شهر قبله رمضان، وشعبان في الثانية، كأنه قال: بعده رمضان، وفي الثانية: في شوال، كأنه قال: قبله رمضان، انتهى من شرح الإقناع" وانظر بدائع الفوائد لابن القيم: ٣/٢٤٣-٢٤٤، كشاف القناع: ٥/٣٢٢-٣٢٣.
[ ٢٤٥ ]
ومن أوقع١ طلقة ثم قال: "جعلتها ثلاثا" ولم ينو استئناف طلاق بعدها فواحدة٢.
_________________
(١) ١ هذه المسألة جاءت في (أ)، (ب) ص٢٣٤ قبل قول المصنف "وقال في الفروع". ٢ منتهى الإرادات: ٢/٢٦٤-٢٦٥.
[ ٢٤٦ ]