«فصل: في كفارة اليمين»
الأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ﴾ الآية١.
وأما السنة، فقول النبي ﷺ: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" ٢ في أخبار سوى هذا٣.
وأجمع المسلمون على مشروعية الكفارة في اليمين بالله تعالى٤.
وهي تجمع تخييرا ثم ترتيبا، فخير من/٥ لزمته بين ثلاثة أشياء: إطعام عشرة مساكين من جنس واحد أو أكثر من جنس، ما يجزئ من بر وشعير وتمر وزبيب وأقط، بأن أطعم بعضه برا وبعضهم تمرا مثلا، أو كسوتهم، أو عتق رقبة مسلمة سليمة مما يضر بالعمل ضررا بينا٦.
_________________
(١) ١ من الآية (٨٩) من سورة المائدة. ٢ رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارة قبل الحنث وبعده: ٤/١٦٣ عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁. ٣ انظر ص٢٤٢ من هذا الكتاب، وصحيح مسلم: ٣/١٢٦٨-١٢٧٤. ٤ الإجماع: ١٢٥، الاختيار: ٤/٨٤، التفريع: ١/٣٨١، الحاوي: ١٥/٢٥٣، المغني: ١٣/٤٣٥. ٥ نهاية لـ (٦٦) من (أ) . ٦ الكافي: ٣/٢٦٥، ٤/٣٨٤-٣٨٥، كشاف القناع: ٥/٤٣٨، ٦/٢٣٩.
[ ٢٦٦ ]
وقال الحنفية١: يجوز تحرير الرقبة الكافرة والمسلمة، والذكر والأنثى، والصغير والكبير في كفارة اليمين والظهار.
وتتقدر الكسوة بما تجزئ الصلاة فيه: للرجل ثوب ولو عتيقا إذا٢ لم تذهب قوته، أو قميص تجزئه صلاته/٣ فيه بأن يجعل على عاتقه منه شيئا، ولا يجزئ مئزر وحده ولا سراويل، وللمرأة قميص وخمار تجزئها صلاتها فيهما٤. وبهذا قال مالك٥.
وقال الحنفية٦: يجزئه ثوب يستر عامة بدنه، ولم يفرقوا بين الرجل والمرأة.
وقال الشافعي٧: يجزئ أقل ما يقع عليه الاسم من سروايل أو إزار أو رداء أو مقنعة أو عمامة، وكذا منديل، وفي القلنسوة وجهان٨، قاله الشارح٩.
وقال ابن السبكي١٠: "الأصح منع الدرع، والمدارس، والنعل، والجورب،
_________________
(١) ١ الهداية للمرغيناني: ٢/١٩، البدائع: ٥/١٠٧. ٢ في (ب): "إذا". ٣ نهاية لـ (٦٦) من (ب) . ٤ المغني: ١٣/٥١٥-٥١٦، الكشاف: ٦/٢٣٩. ٥ القوانين الفقهية: ١١١، سراج السالك: ٢/٢١. ٦ الهداية للمرغيناني: ٢/٧٤، بدائع الصنائع: ٥/١٠٥. ٧ المهذب: ٢/١٤١، مغني المحتاج: ٤/٣٢٧-٣٢٨. ٨ أصحهما عندهم عدم الإجزاء، وانظر الحلية: ٧/٣٠٨. ٩ الشرح الكبير: ٦/٨٩. ١٠ ينظر: روضة الطالبين: ١١/٢٣، كفاية الأخيار: ٢/١٥٥، نهاية المحتاج: ٨/١٨٣.
[ ٢٦٧ ]
والقلنسوة، والتبان –وهي١ سراويل قصير لا يبلغ الركبة٢- لعدم اسم الكسوة.
والثاني: الإجزاء لإجراء اسم اللبس.
وقطع بالمنع في النعل وليكن الجورب مثله" انتهى.
ويجوز٣ أن يطعم بعضا ويكسو بعضا٤، خلافا للشافعي٥.
ولا يجزئ تكميل عتق بإطعام أو كسوة، ولا تكميل إطعام بصوم كبقية الكفارات٦.
فإن عجز من وجبت عليه كفارة يمين عن هذه الثلاثة كعجز عن فطرة٧، صام ثلاثة أيام/٨ متتابعة، وجوبا لقراءة أبي وابن مسعود٩ (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) إن لم يكن للمكفر عذر في نرك التتابع١٠.
وبوجوب التتابع قال الحنفية١١.
_________________
(١) ١ في (أ)، (ب): "وهو". ٢ المصباح المنير: ٧٢، المطلع: ١١٧. ٣ في (أ)، (ب): "ويجزئ" وهو أنسب". ٤ على المشهور. وانظر: مختصر الخرقي: ٢٤٥، قواعد ابن رجب: ٢٢٩. ٥ حلية العلماء: ٧/٣٠٦. ٦ الإنصاف: ١/٤٠. ٧ انظر: كشاف القناع: ٢/٢٩٤. ٨ نهاية لـ (٣٧) من الأصل. ٩ زاد المسير لابن الجوزي: ٢/٤١٥. ١٠ المغني: ١٣/٥٢٨-٥٢٩، الشرح الكبير: ٦/٩٠. ١١ شرح فتح القدير: ٤/٣٦٦.
[ ٢٦٨ ]
وعن أحمد رواية أخرى١: لا يشترط التتابع.
وبها قال مالك٢،والشافعي٣ في أظهر قوليه.
ومن ماله غائب يستدين ويكفر إن قدر٤ على الاستدانة وإن لم يقدر عليها صام٥.
ويجب إخراج كفارة فورا٦ بحنث نصا؛ لأنه الأصل في الأمر٧/٨.
والمعتبر في كفارات٩ من قدرة أو عجز وقت وجوب، أي: وهو الحنث١٠.
فمن حنث وهو عبد ولم يكفر حتى عتق لم تلزمه إلا كفارة عبد وهو الصوم١١.
وهذا أحد قولي الشافعي١٢.
_________________
(١) ١ الإنصاف: ١١/٤٢. ٢ على المشهور عنه. وانظر: التفريع: ١/٣٨٦، أسهل المدارك: ٢/٣٠. ٣ حلية العلماء: ٧/٣٠٩، روضة الطالبين: ١١/٢١. ٤ في الأصل: "قدر". ٥ المبدع: ٩/٢٧٨. ٦ في (ب) "فورا". ٧ هذا الصحيح من المذهب. وانظر: الإنصاف: ٣/١٨٨، ١١/٤٤، غاية المنتهى: ٣/٣٧٤. ٨ نهاية لـ (٦٧) من (أ) . ٩ في (ب) "كفارة". ١٠ "أي: وهو الحنث" ليست في (ب) . ١١ الشرح الكبير: ٤/٥٥٧. ١٢ الأظهر عنده العبرة بوقت الأداء. وانظر المهذب: ٢/١١٥، حلية العلماء: ٧/١٨٢-١٨٣، مغني المحتاج: ٣/٣١٥.
[ ٢٦٩ ]
وقيل: العبرة بأغلظ الأحوال من حين١ الوجوب إلى حين التكفير٢.
وهو ثاني قولي الشافعي٣.
وقيل: الاعتبار بحالة الأداء٤.
وهو قول أبي حنيفة ٥، ومالك٦.
وإخراج الكفارة قبل الحنث وبعده سواء ولو كفر بالصوم٧.
وبه قال مالك٨؛ لما روى عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير" رواه البخاري٩ في أحاديث كثيرة غير هذا١٠.
_________________
(١) ١ "حين" أسقطت من (ب) . ٢ الإنصاف: ٩/٢١٠. ٣ مصادر الشافعية السابقة. ٤ المصدر السابق. ٥ البدائع: ٥/٩٧. ٦ أسهل المدارك: ٢/٣٠. ٧ العدة: ٤١٢، شرح المنتهى: ٣/٤٢٨. ٨ المختار عند المالكية أن لا يكفر قبل الحنث فإن كفر قبله ففيه روايتان: إحداهما: الإجزاء، والثانية: لا يجزئ حتى يحنث في يمينه، وقال بعضهم: المشهور عن مالك الإجزاء قبل الحنث، لكنه استحب كونها بعده. وانظر التفريع: ١/٣٨٧، القوانين الفقهية: ١١١، مواهب الجليل: ٣/٢٧٥. ٩ صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور:٤/١٧٤، ورواه مسلم في كتاب الأيمان: ٣/١٢٧٣-١٢٧٤ رقم (١٦٥٢) . ١٠ صحيح مسلم: ٣/١٢٦٨-١٢٧٤، المغني: ١٣/٤٨٢.
[ ٢٧٠ ]
وقال الحنفية١: لا تجزئ/٢ الكفارة قبل الحنث؛ لأنه تكفير قبل وجود سببه فأشبه ما لو كفر قبل اليمين.
قال ابن عبد البر٣: "العجب من أصحاب أبي حنيفة أجازوا تقديم الزكاة من غير أن يرووا فيها مثل هذه الآثار في تقديم الكفارة، وأبو تقديم الكفارة ههنا مع كثرة الرواية الواردة فيها" انتهى.
وقال الشافعي: كقولنا في الإعتاق والإطعام والكسوة، وكقول الحنفية في الصيام من أجل أنه عبادة بدنية فلم يجز فعله قبل وجوبه لغير مشقة الصلاة٤.
ولنا٥: ما ذكرنا من الحديث وغيره.
والتكفير قبل الحنث وبعده سواء في الفضيلة٦.
وقال ابن أبي موسى: بعده أفضل عند أحمد٧.
وهو قول مالك٨، والثوري٩، والشافعي١٠، لما فيه من الخروج من الخلاف وحصول اليقين ببراءة الذمة قاله في الشرح١١.
_________________
(١) ١ الهداية للمرغيناني: ٢/٧٥، حاشية ابن عابدين: ٣/٧٦٤. ٢ نهاية لـ (٦٧) من (ب) . ٣ التمهيد: ٢١/٢٤٧. ٤ انظر: المهذب: ٢/١٤١، روضة الطالبين: ١١/١٧. ٥ المغني: ١٣/٤٨٢. ٦ المغني: ١٣/٤٨٣. ٧ المصدر السابق. ٨ مواهب الجليل: ٣/٢٧٥. ٩ الإشراف: ١/٤٥٥. ١٠ المهذب: ٢/١٤١. ١١ الشرح الكبير: ٦/٩١.
[ ٢٧١ ]