تعريف الولاية في اللغة والاصطلاح:
لغة: تطلق على معان عدة، منها:
النصرة، التأييد، المساندة، القدرة، المحبة وغيرها، فالوَلاية بالفتح معناها النسب والنصرة، والوِلاية بالكسر الإمارة. (١)
اصطلاحًا:
١- هي قيام الولي بما يصلح أمر من تحت ولايته.
٢- تصرف الولي بشئون المولى عليه مطلقًا.
وتنقسم الولاية من حيث العموم إلى أقسام أربعة:
- ولاية التربية.
- ولاية المال.
- ولاية على النفس. (٢)
- ولاية التزويج.
هل الولي شرط لصحة النكاح أم لا؟
اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال:
القول الأول: قَال الجمهور: إن الولي شرط لصحة النكاح، فلا يصح عقد النكاح إلا بولي، فإن كان من غير ولي فالعقد فاسد، فليس للمرأة أن
_________________
(١) انظر: النهاية ٥/٢٢٨ والمطلع ص ٢٩٠ واللسان ١٥/٤٠٧.
(٢) انظر: الولاية على النفس لأبي زهرة ص١٠ وما بعدها.
[ ٢٥٧ ]
تزوج نفسها بغير ولي، فإن فعلت فالعقد غير صحيح وهذا القول يروى عن عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وعائشة. (١)
القول الثاني: وقال أبو حنيفة أن الولي ليس بشرط في صحة عقد النكاح، وللمرأة حق في تزويج نفسها وغيرها. (٢)
القول الثالث: رواية عن مالك بالتفريق بين الشريفة والدنيئة، إن كانت صاحبة مكانة فيشترط الولي وإن كانت دنيئة فلا يشترط الولي. (٣)
القول الرابع: وقالت الظاهرية: بالتفريق بين البكر والثيب، فإن كانت بكرًا فيشترط الولي، وإن كانت ثيبًا فلا يشترط الولي. (٤) .
الأدلة:
استدل الجمهور بمجموعة من الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أما من الكتاب: فاستدلوا بالآيات التي خاطبت الأولياء في أمور النكاح، وهي كثيرة منها: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ (٥) خطاب للأولياء في التزويج كل من لا زوج له سواء كان ذكرًا أم أنثى.
﴿وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٦) خطاب للأولياء في عدم تزويج من
_________________
(١) انظر: التمهيد ١٩/٨٤ والحاوي ٩/٣٨ وشرح السنة ٩/٤١ والمغني ٩/٣٤٥.
(٢) انظر: فتح القدير ٣/٢٥٦ وبدائع الصنائع ٣/١٣٦٥.
(٣) انظر: المدونة باب في نكاح الدنية ٢/١٧٠ والتمهيد ١٩/٩١.
(٤) انظر: المحلى ٩/٤٥٥، ٤٥٧ والتمهيد ١٩/٩٧.
(٥) سورة النور آية ٣٢.
(٦) سورة البقرة آية ٢٢١.
[ ٢٥٨ ]
تحت أيديهم للمشركين ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) .
ومما يدل على ذلك سبب نزول هذه الآية ما جاء في البخاري وغيره عن معقل بن يسار قَال: «نزلت فيّ هذه الآية، زوجت أختًا لي من رجل فطلقها، فلما انقضت عدتها، جاء راغبًا فيها، فقلت والله لن تعود إليك أبدًا، فأنزل الله هذه الآية، فقال معقل بن يسار، الآن أفعل يارسول الله فزوجها إياه» (٢) .
أما من السنة فهي أحاديث كثيرة منها:
"لا نكاح إلا بولي"، وفي رواية: "لا نكاح إلا بولي مرشد"، وفي رواية "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"، وفي رواية: "لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له" (٣) قَال في إرواء الغليل: الحديث صحيح بلا ريب. (٤)
وقوله ﷺ: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، باطل، باطل" (٥) .
_________________
(١) سورة البقرة آية ٢٣٢.
(٢) أخرجه البخاري في تفسير سورة البقرة وفي النكاح باب من قَال لا نكاح إلا بولي وفي الطلاق باب وبعولتهن أحق بردهن في ذلك انظر: البخاري مع الفتح ٨/١٤٣، ٩/١٦٠، ٤٢٥.
(٣) رواه أحمد في المسند ٤/٣٩٤، ٤١٣، ٤١٨ وأخرجه الترمذي في النكاح باب ما جاء لا نكاح إلا بولي ٢/٢٨٠ رقم ١١٠٧، وأبو داود ٢/٢٢٩ في كتاب النكاح باب في الولي رقم ٢٠٨٥ والبيهقي في النكاح باب لا نكاح إلا بولي وباب لا نكاح إلا بشاهدين عدلين ٧/١١١، ١٢٥.
(٤) انظر: ٦/٢٤٣.
(٥) رواه أبو داود في النكاح باب في الولي ٢/٢٢٩ رقم ٢٠٨٣ والترمذي في النكاح باب ما جاء لا نكاح إلا بولي ٢/٢٨١ رقم ١١٠٨ وقال هذا حديث حسن. والحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. انظر: ٢/١٦٨.
[ ٢٥٩ ]
وأما من الإجماع: فهو قول جمع من الصحابة لا يعرف لهم مخالف.
قَال المارودي: ولأنه إجماع الصحابة فهو قول من ذكرنا من الرواة الثمانية. (١)
وأما من المعقول:
قالوا: إن عقد النكاح ليس كغيره من العقود، فهو عقد عظيم له مكانة لما يترتب عليه من المسائل والفوائد، ولما عرف من ضعف المرأة وجهالتها وعدم ممارستها من أمور النكاح، ولسرعة تأثرها، فكان لزامًا من اشتراط الولي.
واستدل الحنفية بمجموعة من الأدلة من الكتاب والسنة والمعقول.
أما من الكتاب:
فاستدلوا بالآيات التي أسند الله فيها النكاح إلى النساء وهي كثيرة، منها:
أ- قَوْله تَعَالى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) الشاهد أن ينكحن.
هذا ووجه الاستدلال: أن الله ﷿ أسند النكاح إلى النساء دليل على أن المرأة تتولى أمر النكاح بنفسها. (٣)
ب- ذكر الله الطلاق وقال في الآية التي تليها: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤) . فأسند النكاح إلى المرأة.
_________________
(١) انظر: الحاوي ٩/٤٢ وشرح السنة ٩/٤٠ وشرح الزركشي ٥/١٠.
(٢) سورة البقرة آية ٢٣٢.
(٣) انظر: بدائع الصنائع ٢/٢٤٧.
(٤) سورة البقرة آية ٢٣٠.
[ ٢٦٠ ]
ج- ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١) أسند الأمر فيها إلى النساء.
فقالوا: هذه الآيات وما شابهها دليل عدم اشتراط الولي لأن الخطاب وجه إليها وعلى هذا يجوز للمرأة أن تتولى الأمر بنفسها.
وأجاب الجمهور بأن الله ﷿ خاطب الأولياء في هذه الآيات وخاصة في مطلع كل آية خطاب للأولياء، ومما يؤيد ذلك ما جاء في قصة معقل ابن يسار ففي الحديث السابق (٢) قوله: (نزلت فيّ هذه الآية) الآن أفعل يارسول الله فزوجها إياه.
فإذا كانت هذه الآيات كذلك فأصبحت هذه النصوص دليلًا للجمهور على الحنفية.
أما من السنة:
فالأحاديث السابقة كما في حديث ابن عباس (٣) وحديث عائشة (٤) قوله ﷺ: "الثيب أحق بنفسها من وليها".
حديث الجارية السابق أيضًا التي قالت: «إن أبي زوجني وأنا كارهة فخيرها النبي ﷺ» (٥) .
فهذه الأحاديث دليل على أن المرأة تتولى أمر النكاح، وأجاب الجمهور
_________________
(١) سورة البقرة أية ٢٣٤.
(٢) قصة معقل بن يسار ص ٢٥٩ من هذا البحث.
(٣) حديث ابن عباس سبق ص ٢٤١ من هذا البحث.
(٤) حديث عائشة سبق ص ٢٤٣ من هذا البحث.
(٥) حديث الجارية سبق ص ٢٤٦ من هذا البحث.
[ ٢٦١ ]
نعم، أن الأحاديث أثبت لها أحقية، ولكن الحق في الرضى، وفي قبول النكاح من عدمه، ولكن لم تدل الأحاديث على اشتراط الولي ولا على عدمه، وقد دلت النصوص الأخرى على اشتراط الولي.
واستدل الحنفية أيضا بما يروى عن عائشة ﵂ (أنها فعلت ذلك حيث زوجت المنذر بن الزبير من بنت أخيها عبد الرحمن) (١)، وهذا دليل على أن للمرأة أن تتولى أمر النكاح لأنها زوجت غيرها فمن باب أولى أن تزوج نفسها.
وأجاب الجمهور على ذلك بأنه نظرًا لمكانة عائشة وأنها من أمهات المؤمنين، فكانت المرأة من أقاربها تخطب إليها، ثم تقوم عائشة بمقتضى الأمر من المشاورة ثم تقول لأقرب الرجال إليها: «قم فتول النكاح فإن النساء لا يلين النكاح» .
هذا هو الثابت عن عائشة، وأنه لم يرد في حديث عائشة التصريح بأنها باشرت العقد. (٢)
أما من المعقول:
إن المرأة تتولى التصرف في جميع أموالها في البيع والشراء من غير استئذان، فتتصرف في نفسها من غير إذن.
وأجاب الجمهور فقالوا: أن هذا القياس غير صحيح، لأن عقد البيع عقد يسير والخسارة فيه مقبولة، والغبن فيه مردود، لثبوت الخيار فيه، بخلاف عقد
_________________
(١) رواه أبي شيبة في مصنفه ٤/١٣٤ والبيهقي في كتاب النكاح باب لا نكاح إلا بولي ٧/١١٢، ١١٣.
(٢) انظر: الحاوي ٩/١٥٠ وفتح الباري ٩/١٨٦
[ ٢٦٢ ]
النكاح فهو عقد ليس كسائر العقود، عقد يترتب عليه المصالح والفوائد، ولا فسخ فيه، والخسارة والغبن فيه لها آثار سلبية تتضرر بها المرأة. وما عُرف من ضعف المرأة، وسرعة انخداعها، وقلة خبرتها، كان لزاما أن يتولى العقد الرجال.
قَال في المغني: ولأن المرأة إنما منعت الاستقلال بالنكاح لقصور عقلها فلا يؤمن انخداعها ووقوعه منها على وجه المفسدة. (١)
أدلة القول الثالث:
قَالوا: نفرق بين الشريفة والدنيئة، لأن المراد من الولي هو حفظ المرأة وصيانة المرأة بأن تتزوج من غير كفء، وبأقل من مهر المثل، وهذا ينطبق على الشريفة، فمخافة أن تتزوج الشريفة من غير كفء أو بأقل من مهر المثل ألزمنا الولي في جانبها، وأما الدنيئة فلها أن تتزوج بمن تشاء وذلك لأنها لا تُعيّر سواء تزوجت بكفء أو غير كفء.
وقال الجمهور: أن هذا الكلام غير مقبول، لأن ما من امرأة دنيئة إلا ويوجد من الرجال من هو أدنى منها، وما من شريفة إلا ويوجد من الرجال من هو أشرف منها، فوجب إسقاط الفرق بينهما. (٢)
ثم إن التفريق يحتاج إلى دليل، ولا دليل معكم، وجميع النصوص التي وردت في اشتراط الولي لم تفرق بين الشريفة والدنيئة، فالمرأة حينئذ على حد سواء في اشتراط الولي. قَال ابن عبد البر: ولإجماع العلماء على أن لا فرق بينهما في الدماء، وسائر الأحكام كذلك ليس في شيء منها، فرق بين الوضيع
_________________
(١) المغني ٩/٤٤.
(٢) انظر: الحاوي ٩/٤٤.
[ ٢٦٣ ]
والرفيع في كتاب ولا سنة. (١)
أدلة القول الرابع:
استدلوا بالنصوص التي سبقت في باب الإذن منها حديث ابن عباس (٢) «الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن وإذنها صمتها» و«ليس للولي مع الثيب أمر» و«لا تنكح الثيب حتى تستأمر» فهذه النصوص أثبتت أحقية للثيب، وقد فرقت بينهما.
وأجاب الجمهور:
أن غاية ما في هذه النصوص بيان صفة إذن المرأة في النكاح، ولم تدل على اشتراط الولي ولا على عدمه، لأن اشتراط الولي له نصوص أخرى، دلت عليه، لم تفرق بين البكر والثيب. (٣)
وبهذا يتبين أن الراجح هو: ما ذهب إليه الجمهور بأن الولي شرط لصحة النكاح.
ترتيب الأولياء:
الكلام في ترتيب الأولياء يحتاج إلى التفصيل الآتي:
أولًا: إن أقرب الناس لولاية المرأة هو: الأب
أ- لكمال شفقة الأب على ابنته. لأنها بضعة منه وهي منه بمثابة نفسه.
ب- وبعد نظر الأب عن غيره من الأولياء.
ج- الحرص على مصلحة ابنته.
_________________
(١) انظر: التمهيد ١٩/٩٥.
(٢) حديث ابن عباس سبق ص ٢٤١ من هذا البحث.
(٣) انظر: التمهيد ١٩/٩٧.
[ ٢٦٤ ]
د- أولى الناس بمعرفة الرجال.
فصار الأب بهذه المعاني أولى بالولاية في النكاح من سائر العصبة.
يرى المالكية ورواية عند الحنفية أن أولى الناس هو الابن (١):
١- لأنه أولى بميراث هذه المرأة.
٢- وهو أقوى تعصبًا من غيره.
والصحيح والله أعلم: أن الأب هو أولى، وذلك لعدة أسباب:
أ- أن الابن هو موهوب الأب، بمعنى أن الأب هو سبب وجود هذا الابن، ولولا وجود الأب لما وجد هذا الابن، كما قَال الله على لسان إبراهيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ﴾ (٢) وفي الحديث: (أنت ومالك لأبيك)، وفي رواية (أنت ومالك لوالدك) (٣) فلا يقدم الموهوب على الواهب.
ب- أن الأب يعتبر أصل، والابن يعتبر فرع، فلا يقدم الفرع على الأصل بل يبقى الأصل هو مقدمًا.
ج- أن الأب تولى هذا الابن، فكان وليًا عليه في حال صغره وسفهه وجنونه، فيكون الأب مقدمًا على الابن. (٤)
ثانيًا: إذا عدم الأب فالجد هو المقدم، لأنه يأتي بعد الأب في كمال الشفقة
_________________
(١) انظر: البحر الرائق ٣/١٢٧ وبدائع الصنائع ٣/١٣٧١ والمدونة ٢/١٦١ وشرح الخرشي على مختصر خليل ٣/١٨٠ والكافي لابن عبد البر ٢/٥٢٥.
(٢) سورة إبراهيم آية ٣٩.
(٣) رواه أحمد في المسند ٢/١٧٩ وانظر: سنن أبي داود كتاب البيوع باب في الرجل يأكل من مال ولده ٣/٢٨٩ رقم ٣٥٣٠ وحسنه الألباني في إرواء العليل ٣/٣٢٥
(٤) انظر: المغني ٩/٣٥٦.
[ ٢٦٥ ]
والحرص على مصلحة من تحت يده، وهو قول الشافعية والحنابلة. (١)
وفي رواية لأحمد: أن الابن لو اجتمع مع الجد فإن الابن يقدم على الجد.
- لأنه أولى بالميراث.
- وأقوى تعصبًا.
وفي رواية ثالثة: أن الأخ لو اجتمع مع الجد فإنه مقدم على الجد.
- لأنه أقرب من الجد.
- ولأن الجد يدلى بالأب فجهته الأبوة، والأخ درجته البنوة بالنسبة لهذا الجد، والبنوة مقدم على الأبوة.
وفي رواية رابعة: أن الأخ لو اجتمع مع الجد فهما على حد سواء.
لاستوائهما في الميراث واستوائهما في القرابة. (٢)
والصحيح والله أعلم: هو تقديم الجد.
أ- لأن الجد هو الأصل وما سواه فرع، والأصل مقدم على الفرع.
ب- ثم إن من سواه يعتبر موهوبًا له، فلن يقدم الموهوب على الواهب.
ج- والجد يلي هؤلاء في صغرهم لو عدم الأب.
ثالثًا: إذا عدم الأب والجد، فيرى أكثر أهل العلم أن الابن هو أولى الناس بولاية المرأة.
لأنه يعتبر أقرب الناس إلى هذه المرأة.
ولا يرى الشافعية الابن من الأولياء، فيقولون: لا ولاية للابن على أمه. (٣)
_________________
(١) انظر: الحاوي ٩/٩١ والمغني ٩/٣٥٦.
(٢) انظر: الشرح الكبير مع الإنصاف ٢٠/١٦٣.
(٣) انظر: الأم ٥/١٣، ١٤ ومختصر المزني ١٦٥ والمهذب ٢/٢٤٦ والحاوي ٩/٩٤.
[ ٢٦٦ ]
لأن الابن بطبعه ينفر من تزويج أمه فليس له ولاية عليها. وكيف يكون الابن وليًا على أمه وفارق السن بينهما كبير، فالأم هنا أعلى مكانة وأعرف منه، فكيف يتولى من هو أدنى مرتبة وغير عارف بالمصالح.
والصحيح والله أعلم: هو مذهب الجمهور، أن الابن يكون وليًا على أمه إذا عدم الأب والجد.
والدليل على ذلك ما جاء في السنة من حديث أم سلمة لما انقضت عدتها أرسل إليها النبي ﷺ من يخطبها، ولم يكن عندها من الرجال إلا ابنها (عمر) فقالت له: قم يا عمر فزّوج رسول الله ﷺ. فزوجه إياها. (١)
رابعًا: الأخوة، والأخوة ثلاثة أقسام:
- ما كان للأبوين.
- ما كان للأب.
- ما كان للأم.
لا ولاية للأخ للأم، لأنه من ذوي الأرحام والولاية خاصة بالتعصيب والأخ الشقيق مقدم على الأخ للأب.
قَال ابن قدامة: لا خلاف بين أهل العلم في تقديم الأخ بعد عمودي النسب لكونه أقرب العصبات بعدهم. (٢)
خامسًا: العمومة، ولا شك أن العم الشقيق مقدم على العم للأب، ثم سائر العصبات بعد ذلك من هذه الجهة بحسب ترتيبهم في الميراث.
_________________
(١) رواه النسائي في كتاب النكاح باب إنكاح الابن أمه ٦/٨١ رقم الباب ٢٨ رقم الحديث ٣٢٥٤، والحاكم في المستدرك ٢/١٧٩ وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(٢) انظر: المغني ٩/٣٥٨.
[ ٢٦٧ ]
إذا عدم هؤلاء فهل لغيرهم الحق في الولاية؟
أكثر أهل العلم يرون أنه لا ولاية لغير هؤلاء، مثل الخال والأخ وعم الأم ونحوهم وهم ما يعرفون بذوي الأرحام.
ومن أهل العلم من يرى ولاية مثل هؤلاء، لأنهم يعتبرون من أقرباء المرأة.
وإذا عدم الأولياء فما هو الحكم؟
يتولى ولايتها السلطان أو الحاكم أو الإمام أو نائبه أو وكيله أو من يقوم مقامه، أو من يفوضه الإمام كالقاضي مثلًا، والدليل على هذا ما جاء في الحديث السابق. (١)
أ- "لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له".
ب- أن السلطان له ولاية عامة، على الأموال، وعلى الضياع، وعلى الزواج، فيكون تزويجها من قبل السلطان. (٢)
لو أوصى أحد الأولياء بالتزويج فما حكم هذه الوصية هل تنفذ أم لا؟
لا تقع هذه الوصية إلا بعد موت الموصي.
وقد اختلف الفقهاء في ثبوت الوصية في الولاية على ثلاثة أقوال:
القول الأول: قَال المالكية والحنابلة في رواية مشهورة: أنه تصح الوصية في الولاية. (٣)
لأن الولاية ثبتت له شرعًا فهو أحق بها، وكل شيء ثبت شرعًا فإنه يجوز الوصية فيه، فكما أنه لو أوصى بالمال ينفذ وصيته، فكذلك لو أوصى بالزواج.
_________________
(١) سبق هذا الحديث في ص ٢٥٩ من هذا البحث.
(٢) انْظر: شرح الزركشي ٥/٣٠ والإنصاف ٨/٦٩.
(٣) انظر: المدونة ٢/١٦٦ والمبدع ٧/٤٠.
[ ٢٦٨ ]
القول الثاني: قول الحنفية والشافعية وهو رواية عند الحنابلة: لا تصح الوصية في الولاية. (١)
أ- لأن الولاية تنتقل إلى غيره شرعًا، فإذا أوصى قطع الانتقال، فلا تصح الولاية إذًا.
ب- أن فيه ضررًا على بقية الأولياء، ولربما بعث ذلك العداوة والبغضاء والشحناء بينهم، والضرر لا يصح لأنه لا ضرر ولا ضرار.
القول الثالث: إذا كان لها عصبة فإنه لا تصح الوصية، حتى لا يتضرر الورثة، أما إذا كان ليس لها عصبة فتجوز الوصية. لأنه لا ضرر على الأولياء بل لو لم يوص لتضررت المرأة.
وحفظًا للمرأة فالوصي يقوم مقام الولي، وهذا من إحدى روايات عن الإمام أحمد رواية ابن حامد. (٢)
هل تصح الوكالة في النكاح؟
يقوم وكيل كل واحد من هؤلاء مقامه، فهو يعتبر نائبًا عنه، والتوكيل في النكاح صحيح وجائز وثابت، قَال ابن عبد البر وهو أمر لا أعلم فيه خلافًا. (٣)
والدليل على هذا:
١- ما ثبت أن النبي ﷺ وكّل أبا رافع في تزوجيه ميمونة، فقد جاء في الحديث فيما رواه أحمد والترمذي وغيرهما، عن أبي رافع قَال: «تزوج رسول الله ﷺ ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو
_________________
(١) انظر: المبسوط ٤/٢٢٢ والدر المختار ٣/٧٩ والإنصاف ٨/٨٦ والحاوي ٩/٥٠، ٥١.
(٢) انظر: المغني ٩/٣٦٥.
(٣) انظر: التمهيد ٣/١٥٢
[ ٢٦٩ ]
حلال وكنت أنا الرسول بينهما» (١) .
وفي رواية: «أن النبي ﷺ أرسل أبا رافع مولاه ورجلًا من الأنصار فزوجاه ميمونة» (٢) . قَال أبو عمر في رواية مالك لهذا الحديث دليل على جواز الوكالة في النكاح وهو أمر لا نعلم فيه خلافا، والرواية متواترة (٣) . وقال: وقد ورد أن النبي ﷺ بعث جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة بنت الحارث فخطبها عليه فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب فزوجها الرسول ﷺ. (٤)
٢- «أن النبي ﷺ بعث عمر بن أمية الضمري إلى النجاشي فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وساق عنه أربعمائة دينار» رواه البيهقي. (٥)
٣- أن عقد النكاح عقد معاوضة، يصح التوكيل فيه مطلقًا، كعقد البيع سواء بسواء. (٦)
شروط الولي:
ذكر العلماء مجموعة من الشروط وهي بالجملة ستة شروط يجب توفرها في الولي:
(الإسلام، العقل، الحرية، الذكورية، البلوغ، العدالة) .
_________________
(١) رواه أحمد في المسند ٦/٣٩٣ والترمذي في سننه وقال هذا حديث حسن ٢/١٦٧، ١٦٨ رقم ٨٤٣ في أبواب الحج باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم.
(٢) رواه مالك في الموطأ رواية يحيى بن يحيى في كتاب الحج باب نكاح المحرم ص ٢٣٩.
(٣) انظر: التمهيد ٣/١٥٢.
(٤) انظر: التمهيد ٣/١٦٠.
(٥) السنن الكبرى كتاب النكاح باب الوكالة في النكاح ٧/١٣٩.
(٦) انظر: الحاوي ٩/١١٣ والمغني ٩/٣٦٣.
[ ٢٧٠ ]
الشرط الأول: الإسلام؛ لا ولاية لكافر على المسلم بأي حال من الأحوال، وهذا محل اتفاق بين العلماء، وذلك لعدة أمور:
أ- الإجماع على ذلك، وقد نقله ابن المنذر حيث قَال: «أجمعوا أن الكافر لا يكون وليًا لابنته المسلمة» (١) .
وقال ابن قدامة: أما الكافر فلا ولاية له على مسلمة بحال بإجماع أهل العلم. (٢)
ب- ورود النصوص في ذلك: قول الله تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٣)
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ . (٤)
ج- الاختلاف في الدين يمنع التوارث بينهما، فلا يرث أحدهما من الآخر، كما إن اختلاف الدين يمنع التعاقل بينهما (أي الدية) ومعنى عدم التعاقل، انقطاع الصلة والعصبة بينهما، وعدم الولاية.
وكذلك المسلم لا ولاية على الكافرة غير السيد والسلطان فلهما تزويج الأمة الكافرة على الكافر لأنها لا تحل للمسلم ولأن ولاية السلطان عامة. (٥)
الشرط الثاني: العقل؛ لأن العقل مناط التكليف، وزائل العقل قاصر
_________________
(١) الإجماع لابن المنذر كتاب النكاح ص ٣٩ رقم ٣٥٢.
(٢) المغني ٩/٣٧٧.
(٣) سورة التوبة آية ٧١.
(٤) سورة الأنفال آية ٧٣.
(٥) انْظر: المغني ٩/٣٧٧ والشرح الكبير مع الإنصاف ٢٠/١٩٥.
[ ٢٧١ ]
وناقص وعديم النظر وعاجز، فهو يحتاج إلى من يتولى أمره، فكونه لا يتولى على غيره من باب أولى، وسواء كان زوال العقل لصغر أو لكبر أو لمرض أو لجنون أو ما أشبه ذلك. (١)
الشرط الثالث: الحرية؛ الرقيق أو المملوك لا يملك نفسه ولا يستطيع أن يتصرف بنفسه إلا بإذن سيده، فمن باب أولى ألا يتصرف في غيره، فهو مملوك وعليه ولاية. قَال الزركشي: بلا خلاف. (٢)
الشرط الرابع: الذكورية؛ القول باشتراط الذكورية في ولي النكاح هو قول جمهور أهل العلم أن الولي شرط لصحة النكاح كما سبق بيانه. (٣)
لأن الولاية تحتاج إلى كمال وبعد نظر، والمرأة قاصرة وناقصة وقليلة الخبرة وسريعة التأثر.
الشرط الخامس: البلوغ؛ ولا شك أن الصبي قاصر، عديم الإدراك، يحتاج إلى ولاية، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قَال: إذا بلغ الصبي عشرًا زوج وتزوج، ولكن الصحيح والله أعلم اعتبار ذلك بالبلوغ، لأن البلوغ هو مناط التكليف فلا تكليف إلا بعد البلوغ. (٤)
الشرط السادس: العدالة؛ وهي محل خلاف بين الفقهاء، هل هي شرط في الولاية أم لا؟ على قولين:
أ- ذهب الشافعية والرواية المشهورة عند الحنابلة: أن العدالة شرط، ولا
_________________
(١) انظر: الأم ٥/١٤، وبدائع الصنائع ٣/٢٣٩، الحاوي ٩/١٦٦ والمبدع ٧/٣٤.
(٢) انظر: المبسوط ٤/٢٢٣، والمدونة ٢/١٥٠ وشرح الزركشي ٥/٣٥ والحاوي ٩/١٤٠.
(٣) انْظر: قول جمهور أهل العلم في أول المبحث السابع ص٦٥.
(٤) انْظر: فتح القدير مع الهداية والعناية ٣/٢٨٤ وبداية المجتهد ٢/٩ وروضة الطالبين ٧/٦٢ والشرح الكبير مع الإنصاف ٢٠/١٧٩، ١٨٠.
[ ٢٧٢ ]
تصح ولاية الفاسق. (١)
واستدلوا بالحديث السابق أن النبي ﷺ قَال: «لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل» وفي رواية: «أيما امرأة نكحها أو أنكحها ولي مسخوط عليه فنكاحها باطل» (٢) . وكذلك ما ورد عن الإمام أحمد أصح ما في الباب حديث ابن عباس: «لا نكاح إلا بولي مرشد» (٣) .
ب- وقال أكثر أهل العلم من المالكية والحنفية، ورواية عن الحنابلة، وقول للشافعية، أن العدالة ليست شرطًا فتصح ولاية الفاسق. (٤)
واستدلوا على ذلك أولًا: بالنصوص العامة التي اشترطت الولي من غير تقييد: كقول الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ . (٥)
وقوله ﷺ كما في الحديث السابق (٦) "لا نكاح إلا بولي" فإن مثل هذه النصوص جاءت مطلقة من غير تقييد، دلت على أنه تصح ولاية غير العدل.
ثانيًا: أن غير العدل له حق عقد النكاح، فهو أحد طرفي العقد كالزوج مثلًا، فهو أحد المتعاقدين، فلا يشترط فيه العدل، فإذا كان الزوج الفاسق له
_________________
(١) انظر: روضة الطالبين ٨/٦٤ ومغني المحتاج ٣/١٥٥ وشرح الزركشي ٥/٣٧ والإنصاف ٨/٧٣.
(٢) سبق تخريج هذا الحديث ص ٢٥٩ من هذا البحث.
(٣) انظر: المغني ٩/٣٦٨.
(٤) انظر: بدائع الصنائع ٣/١٢٤٨والخرشي على مختصر خليل ٣/١٨٧ والحاوي ٩/٦١ روضة الطالبين ٧/٦٤ والإنصاف ٨/٧٤ وكشاف القناع ٥/٥٤.
(٥) سورة النور آية (٣٢) .
(٦) سبق ص ٢٥٩ من هذا البحث.
[ ٢٧٣ ]
حق الزواج فكذلك الولي الفاسق له أن يلي عقد النكاح.
ثالثًا: إن الولاية سببها القرابة، وشرطها بعد النظر، واختيار المصلحة، وهذا يتوفر في الفاسق. (١)
هل يشترط في الولي أن يكون بصيرًا؟
وما حكم ولاية الأعمى؟
لا يشترط أن يكون الولي بصيرا، لأن البصر ليس بشرط في ولاية التزويج فلا يشترط في الولاية البصر.
فقد ثبت أن شعيب ﵇ زوج ابنتيه لموسى ﵇ وهو ضرير.
ولأن أمور النكاح ومصالحه تعرف بالسماع والاستفاضة فلا يحتاج إلى نظر.
ولربما كان الضرير أعرف من كثير من المبصرين في مثل هذه الأمور. فيعطى من الحواس ما يعرف به الكثير من الأشياء، ولأن الأعمى من أهل الرواية والشهادة فكان من أهل الولاية كالبصير. (٢)
هل يشترط في الولي أن يكون متكلمًا؟
وهل ولاية الأخرس صحيحة؟
إذا كانت إشارته مفهومة ويعرفها الطرف الآخر فتصح ولايته كسائر تصرفاته الأخرى. (٣)
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع ٣/٢٣٩ المغني لابن قدامة ٩/٣٦٩ والمبدع ٧/٣٥.
(٢) انظر: الحاوي ٩/٦٣ والمغني ٩/٣٦٩.
(٣) انْظر: الكافي لابن قدامة ٣/١٨ والمغني ٩/٣٦٩ والشرح الكبير مع الإنصاف ٢٠/١٨٣ والحاوي ٩/٦٣ وروضة الطالبين ٧/٦٤.
[ ٢٧٤ ]
عضل الأولياء، أو العضل في النكاح:
معنى العضل:
لغة: هو المنع والحبس، وأصله مأخوذ من قولهم عضلت الدابة: بمعنى احتبس الولد في بطنها. والعرب تقول للشدائد معضلات، وتقول أيضًا: داء عضال. وهو الأمر الشديد قَال أبو عبيد: عضل الرجل أخته وابنته يعضلها عضلًا إذا منعها من التزويج وكذلك عضل الرجل امرأته. (١)
اصطلاحًا: منع الولي المرأة من أن تتزوج برجل كفء إذا طلبت ذلك ورغب كل واحد منهما في صاحبه. (٢)
حكم العضل:
هو نوع من الظلم وقد نهى الله عنه الأولياء، وذلك في قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) فلا تعضلوهن خطاب للأولياء، ومعناه: لا تحبسوهن عن الزوج كما قاله ابن عباس وغيره (٤)، ومما يؤكد هذا ما رواه البخاري عن معقل بن يسار قَال: «نزلت فيّ هذه الآية. زوجت أختًا لي من رجل فطلقها، فلما انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت: والله لن تعود إليك أبدًا فأنزل الله هذه الآية فقال معقل: الآن أفعل يارسول الله، فزوجها إياه» (٥) .
_________________
(١) غريب الحديث ٣/٢٨٢ وانظر: النهاية ٣/٢٥٤.
(٢) انظر: المغني لابن قدامة ٩/٣٨٣ وشرح الزركشي ٥/٥٦.
(٣) سورة البقرة آية (٢٣٢) .
(٤) انظر: زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي ١/٢٦٩.
(٥) رواه البخاري في التفسير والنكاح انظر: فتح الباري ٨/١٤٣، ٩/١٦٠.
[ ٢٧٥ ]
فهذه الآية المذكورة من أقوى الأدلة على اشتراط الولي.
يقول الإمام الشافعي: «هذه أبين آية في كتاب الله دلالة على أن ليس للمرأة أن تتزوج بغير ولي. وإلا لما كان للنهي عن العضل معنى» (١) .
لو تزوجت المرأة بأقل من مهر المثل فهل للولي منعها؟ أو فهل لها ذلك؟
الصحيح والله أعلم: أن ليس للولي المنع في هذه الحالة، باعتبار أن الصداق من حق المرأة، وما كان حقًا لها فلها أن تتصرف فيه كيف تشاء، والإسلام دعى إلى تخفيف المهور وعدم المغالات فيها بدليل: ما جاء في حديث الواهبة نفسها السابق (٢)، قوله ﷺ: "التمس ولو خاتما من حديد". فربما كان مهر المثل من العوائق، وهذا هو مذهب أكثر أهل العلم. (٣)
لو عينت المرأة كفأً، وعين الولي كفأً، فهل المختار والمقدم هو اختيار المرأة أو الولي؟
إذا كان المعين كفأً فنقدم ما اختارته المرأة، لأنها صاحبة شأن، وأما إذا كان غير كفء فإنه حينئذ للولي حق المنع ولا يعتبر هذا عضلًا. (٤)
لو عضلها الولي القريب من أن تتزوج برجل كفء:
خلاف بين الفقهاء على قولين:
القول الأول: أن الولاية تنتقل إلى من بعده من الأولياء، لأن الولاية
_________________
(١) انظر: الأم ٥/١٢ باب لا نكاح إلا بولي، ومختصر المزني ص ١٦٣، والحاوي ٩/٣٧.
(٢) حديث الواهبة سبق في ص ٢٥١ من هذا البحث.
(٣) انْظر: المبسوط ٥/١٤ وفتح القدير ٣/٣٠٢ والإفصاح لابن هبيرة ٢/١٢٢ ومغني المحتاج ٣/١٥٣ والإنصاف ٨/٧٥ وكشاف القناع ٥/٥٤.
(٤) انظر: شرح الزركشي ٥/٥٦.
[ ٢٧٦ ]
مرتبة شرعًا وهذا قول عند الشافعية ورواية عند الحنابلة. (١)
القول الثاني الجمهور: لا تنتقل الولاية، وإنما يزوجها الحاكم أو السلطان، أو من يقوم مقامه (٢)، لأنه جاء في بعض روايات الحديث: «فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (٣) .
والصحيح: والله أعلم هو الأول.
وأجابوا عن الحديث: بأنه محمول على ما لو عضلها جميع الأولياء، فإنها حينئذ تنتقل إلى السلطان، وإلا فالولاية ثابت انتقالها شرعا، كما لو مات القريب، أو جن أو غاب، تنتقل إلى من بعده فهذا العضل مثل ما لو غاب القريب أو جن أو مات، وإلا فلا معنى لترتيب الأولياء. (٤)
لو زوج المرأة الولي الأبعد مع وجود وليها الأقرب وهو غير راض فما هو الحكم؟
كالأخ مع وجود الأب، أو العم مع وجود الأخ ولا عضل من الأب ولا من الأخ، هذه المسألة مبنية على اختلاف الفقهاء في ترتيب الأولياء، وقد اختلف فيها على ثلاثة أقوال:
الأول الشافعية والحنابلة: لا يصح هذا العقد والعقد باطل أو فاسد. لأن الولاية مرتبة شرعًا، فلا يصح تزويج الأبعد وتقديمه مع وجود الأقرب، لأن
_________________
(١) انظر: مغني المحتاج ٣/١٥٣ ونهاية المحتاج ٦/١٣٤ والإنصاف ٨/٧٥ والمبدع ٧/٥٤.
(٢) انظر: رد المحتار ٣/٨٢ وشرح الخرشي والعدوي على مختصر خليل ٣/١٨٩ ومختصر المزني ص ١٦٥ باب اجتماع الولاة وتفريقهم والحاوي ٩/١١٢ وكشاف القناع ٥/٥٤.
(٣) سبق هذا الحديث في ص ٢٥٩ من هذا البحث.
(٤) انظر: المغني لابن قدامة ٩/٣٨٢ وشرح الزركشي ٥/٥٥.
[ ٢٧٧ ]
الأقرب يعتبر أقرب الناس إليها شرعًا، فلو قدم الأبعد على الأقرب فلا معنى للترتيب فالأقرب يحجب الأبعد كما في الميراث. (١)
الثاني المالكية يصح مثل هذا النكاح لأنه لم يرد دليل على الترتيب، ولأن الولي البعيد يعتبر من الأولياء. والولي البعيد والقريب على حد سواء.
قَال مالك: ليس للأب ههنا قول إذا زوجها الأخ برضاها. (٢)
الثالث الحنفية ورواية عند الحنابلة: يصح هذا النكاح ولكنه موقوف على إجازة الولي القريب. (٣)
واستأنسوا بحديث عائشة: «بأن جارية أتت النبي ﷺ، فقالت: أجزت ما صنع أبي ليعلم النساء أن ليس للآباء في الأمر شيء» (٤) .
وبحديث ابن عباس ﵄ السابق (٥) أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ فقالت: إن أبي زوجني وأنا كارهة فخيرها النبي ﷺ.
فمن يرى صحة التعدي في الولاية يقول بالقول الثاني والثالث، ومن يرى عدم صحة التعدي في الولاية يقول بالقول الأول وهو الراجح إن شاء الله تعالى لأن القول بجواز نكاح الأبعد يفضي إلى الفوضى بين الأولياء مما يترتب عليه
_________________
(١) انظر: الأم ٥/١٤ والمنهاج مع مغني المحتاج ٣/١٥٤ والإفصاح ٢/١١٩ والمغني لابن قدامة ٩/٣٧٨، ٣٧٩ والمبدع ٧/٣٩.
(٢) انظر: المدونة ٢/١٤٣ وبداية المجتهد ٢/١٠.
(٣) انظر: المبسوط ٤/٢٢٠ وفتح القدير ٣/٢٨٨ والإنصاف ٨/٨١.
(٤) رواه النسائي في كتاب النكاح باب البكر يزوجها أبوها وهي كارهة ٦/٨٦، ٨٧ رقم ٣٢٦٩ وابن ماجه في كتاب النكاح باب من زوج ابنته وهي كارهة ١/٦٠٢ رقم ١٨٧٤.
(٥) سبق حديث ابن عباس ص ٢٤٦ من هذا البحث.
[ ٢٧٨ ]
المفاسد بينهم والله أعلم.
لو غاب الولي غيبة منقطعة فما الحكم؟ هل يزوجها السلطان أم تنتقل الولاية؟
محل خلاف بين الفقهاء على قولين:
الأول قَال أكثر أهل العلم: تنتقل الولاية إلى من بعده، لأن الولاية مرتبة شرعا، كما لو جُن أو مات فتنتقل الولاية إلى من بعده. (١)
الثاني وقال الشافعية: يزوجها الحاكم أو السلطان، لأن الولي الغائب تعذر لنا الوصول إليه فيقوم الحاكم مقامه، وما جعل السلطان إلا لهذا.
وإنما ما قالوا بالانتقال، لأن هذا الولي الأصل بقاؤه.
وإنما قلنا: الأصل بقاؤه، لأنه لو زوج وهو غائب فزواجه صحيح، ولو وكل وهو غائب فتوكيله صحيح، وإنما تعذر لغيبته فناب الحاكم عنه. (٢)
والصحيح: والله أعلم هو القول الأول، والسلطان لا ولاية له على هذه المرأة لأنه ولي على من لا ولي له، ولكن هذه المرأة لها ولي، ولكن لم نستطع الوصول إليه فتنتقل إلى من بعده كما لو جُن أو مات.
تحديد الغيبة المنقطعة:
محل خلاف بين الفقهاء يمكن حصرها في أربعة أقوال:
١- إن هذه الغيبة تحدد بعدم وصول الكتاب (الرسالة) إليه، أو وصل إليه الكتاب ولكن لم يرد منه إلينا الجواب وهي رواية عند الحنابلة، واختارها
_________________
(١) انظر: المبسوط ٤/٢٢١ وفتح القدير ٣/٢٨٩ والمبدع ٧/٣٧ والإفصاح لابن هبيرة ٢/١٢٢ والمحلى ٩/٤٥٨.
(٢) انظر: الأم ٥/١٤ ومختصر المزني ص ١٦٥ والحاوي ٩/١١١.
[ ٢٧٩ ]
الخرقي. (١)
٢- هي التي لا ترد إليها القوافل إلا في السنة مرة واحدة وهي رواية عند الحنفية. (٢)
٣- هي مسافة القصر، كل مسافة تقصر فيها الصلاة فهو يعتبر غيبة منقطعة، وهو قول الشافعية. (٣)
٤- إن الغيبة المنقطعة غير محددة، وإنما تعود إلى وجود الكلفة والمشقة في الوصول إليه، فإذا شق الوصول إليه فهو يعتبر غيبة منقطعة، لأن التحديد توقيفي يحتاج إلى دليل، ولا دليل عندنا فالاعتبار فيها بالكلفة والمشقة.
قَال ابن قدامة: وهذا القول إن شاء الله أقربها إلى الصواب (٤) .
_________________
(١) انظر: مختصر الخرقي ص٩٣ والمغني لابن قدامة ٩/٣٨٦ وشرح الزركشي ٥/٥٧ والمبدع ٧/٣٧.
(٢) انظر: فتح القدير مع الهداية ٣/٢٩٠.
(٣) انظر: الأم ٥/١٤ ومختصر المزني ١٦٥ والمهذب ٢/٤٧.
(٤) انظر: المغني لابن قدامة ٩/٣٨٦.
[ ٢٨٠ ]