١ - ما روي عن ابن عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "إذا كان لرجل ألف درهم وعليه ألف درهم فلا زكاة عليه" (٤).
قال ابن قدامة: هذا نص (٥). أي في إسقاط الزكاة بالدين المستغرق للنصاب. يناقش بأنَّ الحديث لا يثبت مسندا.
_________________
(١) = ظاهرة وباطنة، فالظاهرة: ما لا يمكن إخفاؤه من الزروع والثمار والمواشي، والباطنة: ما أمكن إخفاؤه من الذهب والفضة وعروض التجارة. وانظر معجم لغة الفقهاء (ص ٧١)، وإن كان عد عروض التجارة من الأموال الباطنة في هذا الزمن ليس على إطلاقه، فقد أضحت كثير من صور التجارات من أظهر الأموال لما يكتنفها من إجراءات تنظيمية وتسويقية تشهر النشاط وتظهره، وقد أشار لمثل ذلك القرضاوي في فقه الزكاة ١/ ١٧٨.
(٢) ينظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف ١/ ٤٠٧، حاشية العدوي ١/ ٤٧٣.
(٣) ينظر: البيان للعمراني ٣/ ١٤٧، روضة الطالبين ٢/ ١٩٧.
(٤) المغني ٤/ ٢٦٤، الشرح الكبير ٦/ ٣٣٨.
(٥) هذا الحديث ليس في شيء من كتب السنة المعروفة، وقد ذكره ابن قدامة بإسناد عن المالكية، كما في المغني ٤/ ٢٦٤، حيث قال: روى أصحاب مالك عن عمير بن عمران عن شجاع عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -:. . . ثم ساق الحديث أعلاه، وفي معناه آثار عن سليمان بن يسار ومالك بن أنس والليث بن سعد في كتاب الأموال لأبي عبيد (٤٤٣)، ولهذا قال ابن عبد الهادي في كتابه تنقيح تحقيق أحاديث التعليق (٢/ ١٤٢): وهذا الحديث منكر يشبه أن يكون موضوعًا. لأن فيه عمير بن عمران، وقد ضعفه ابن عدي في الكامل (٥/ ٧٠)، وأورده العقيلي في الضعفاء (٣/ ٣١٨)، وكذا ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (٢/ ٢٣٤)، والله أعلم.
(٦) المغني ٤/ ٢٦٤.
[ ٦١ ]
٢ - ما جاء عن عثمان ﵁ أنه كان يقول: هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه حتى تحصل أموالكم فتؤدوا منها الزكاة (١).
وقد قال ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكروه فدل على اتفاقهم عليه (٢).
وجه الدلالة: أن عثمان ﵁ أمر بأداء الدّين قبل إخراج الزكاة، ليكون إخراجها فيما بقي ممّا لم يستغرقه الدين، ولمَّا لم ينكر الصحابة ذلك دل على اتفاقهم عليه.
ونوقش بما قال الشافعي: حديث عثمان يشبه أن يكون إنما أمر بقضاء الدين قبل حلول الصدقة في المال في قوله: هذا شهر زكاتكم. يجوز أن يقول هذا الشهر الذي إذا مضى حَلَّت زكاتكم، كما يقال شهر ذي الحجة، وإنما الحجة بعد مضي أيام (٣).
وأجيب: بأن هذا التأويل مخالف للظاهر، لما جاء في رواية أخرى عن عثمان أنه قال: فمن كان عليه دين فليقضه وزكوا بقية أموالكم (٤). وهو دال على وجوب الزكاة عليهم قبل ذلك (٥).
_________________
(١) رواه مالك في موطئه، أبواب الزكاة، باب الزكاة في الدين، برقم: (٥٩٦)، مسند الشافعي، كتاب الزكاة، برقم: (٤٤٦) من طريق مالك، ورواه عبد الرزاق في مصنفه، كتاب الزكاة، باب لا زكاة إلا على فضل، برقم: (٧٠٨٦)، والبيهقي في كتاب الزكاة، باب الصدقة في الدين، برقم: (٧٨٥٦). وسند هذا الأثر صحيح، كما ذكر ذلك ابن حجر في المطالب العالية (٥/ ٥٠٤)، وصححه الألباني في إرواء الغليل ج ٣ ص ٢٦٠ برقم: (٧٨٩).
(٢) ينظر: المغني ٤/ ٢٦٤.
(٣) الأم ٢/ ٦٧.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ٩٧.
(٥) ينظر: الجوهر النقي لابن التركماني ٤/ ١٤٩.
[ ٦٢ ]
٣ - أن النبي - ﷺ - أوجب الزكاة على الأغنياء وأمرهم بأدائها للفقراء، كما في قوله - ﷺ -: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردها في فقرائكم" (١). والمدين محتاجٌ لقضاء دينه كحاجة الفقير إلى الزكاة، فلم يتحقق فيه وصف الغنى الموجب للزكاة، فقد قال - ﷺ -: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" (٢). بل يتحقق فيه وصف الفقر المجيز لأخذ الزكاة، لكونه من الغارمين (٣).
٤ - ضعف ملك المدين، لتسلط الدائن عليه، ومطالبته بالدين، واستحقاقه له (٤).
٥ - أن رب الدين مطالب بتزكيته، فلو زكاه المدين لزم منه تثنية الزكاة في المال الواحد بأن يزكيه الدائن والمدين، وهو لا يجوز (٥).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، برقم: (١٣٩٥) وأطرافه (١٤٥٨، ١٤٩٦، ٢٤٤٨،. . . .)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام برقم: (١٩). وكلاهما من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) رواه البخاري تعليقًا، كتاب الوصايا، باب تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، وأحمد (٢/ ٢٣٠)، وأخرج البخاري نحوه أيضًا، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، برقم: (١٤٢٦)، ورواه مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة وأن السفلى هي الآخذة، برقم: (١٠٣٤) كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁، لكن بلفظ: "خير الصدقة عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول".
(٣) الغارم: هو المدين، وهو أحد الأصناف الذين نص الله على دفع الزكاة إليهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠]، كما يطلق على من تحمل عن الغير ما وجب عليه من المال، لإصلاح ذات البين، انظر معجم لغة الفقهاء (ص ٢٩٦)، وللفقهاء تفصيل في الغارمين وأنواعهم، انظر المغني ٩/ ٣٢٢.
(٤) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ١٨، الأم ٢/ ٦٧، الشرح الكبير مع الإنصاف ٦/ ٣٤٠.
(٥) ينظر: الحاوي ٣/ ٣١٠.
[ ٦٣ ]
ونوقش: بأنه لا تثنية؛ لأن الزكاة تتعلق بالمال، والدين يتعلق بالذمة، فتزكية الدائن لما في الذمة، وتزكية المدين لعين المال (١).
ويجاب: بأننا لو سلمنا بتعلق الزكاة بالعين، فلها تعلق بالذمة، وعندئذ يجتمع في المال زكاتان.
٦ - القياس على الحج، فكما يمنع الدين وجوب الحج، فكذا يمنع وجوب الزكاة.
ونوقش: بأنه قياس مع الفارق، لوجوب الزكاة على الصبي والمجنون، وعدم وجوب الحج عليهما، ووجوب الحج على الفقير بمكة، وعدم وجوب الزكاة عليه (٢).
٧ - أن الزكاة إنما وجبت مواساة للفقراء، وشكرًا لنعمة الغنى، والمدين محتاج إلى قضاء دينه، وليس من الحكمة تعطيل حاجة المالك لدفع حاجة غيره، ولم يحصل له من الغنى ما يقتضي الشكر بالإخراج (٣).