يترجح القول بأن الدين يمنع الزكاة بالشروط التالية:
١ - أن يكون الدين حالًّا، لا يستطيع المدين أداءه، فلا يمنع المؤجل وجوب
_________________
(١) ينظر: الذخيرة للقرافي ٣/ ٤٣.
(٢) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ١٢.
(٣) ينظر: بداية المجتهد ٣/ ٦١.
(٤) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم، برقم: (١٩٥٣)، ومسلم في كتاب الصيام، باب قضاء الصوم عن الميت، برقم: (١١٤٨).
(٥) وهو وجه عند الحنابلة، قال في الإنصاف: وهو الصحيح من المذهب ٦/ ٣٤٨، وهذا القول هو الراجح، وانظر مدى تأثير الديون الاستثمارية والإسكانية المؤجلة في تحديد وعاء الزكاة، للدكتور محمد شبير ١/ ٣١٥ من أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة.
[ ٦٧ ]
الزكاة في مال المدين، وهو قول لبعض الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (١)؛ لأن تمام الملك ينتفى بالحلول، وذلك لاستحقاق المطالب (الدائن) للدين، ولا ترد هذه العلّة مع الإلزام بالأجل، إلا على القسط المستحق، ويبقى ما عداه في ملك المدين التام.
٢ - ألا يكون عند المدين عروض قنية (أصول ثابتة)، مما لا يحتاجه حاجة أصلية، وذلك كعروض القنية التي تباع لوفاء دينه عند إفلاسه، وهو قول لبعض الحنفية، ومذهب المالكية وقول عند الحنابلة، وقد رجحه أبو عبيد (٢) (٣)، وذلك لما يلي:
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع ٢/ ١٢، التّاج والإكليل ٣/ ١٩٩، الحاوي ٣/ ٣٠٩، الشرح الكبير ٦/ ٣٣٦.
(٢) أبو عبيد: هو القاسم بن سلام الهروي، ولد سنة ١٥٧ هـ، من كبار علماء الحديث والفقه والأدب، من أهل هراة، من مؤلفاته الأموال، الأمثال، الغريب المصنف، فضائل القرآن وغيرها توفي في مكة سنة ٢٢٤ هـ تقريبا مع اختلاف فيه. [ينظر: طبقات النحويين واللغويين (١٩٩)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٧)] ..
(٣) ينظر: الأموال (ص ٤٤٣)، المبسوط ٢/ ١٩٨، المنتقى للباجي ٢/ ١١٩، المغني ٤/ ٢٦٧ وقال فيه: فإن كان أحد المالين لا زكاة فيه، والآخر فيه الزكاة، كرجل عليه مائتا درهم، وله مائتا درهم، وعروض للقنية تساوي مائتين، فقال القاضي: يجعل الدين في مقابلة العروض، وهذا مذهب مالك، وأبي عبيد، قال أصحاب الشافعي: وهو مقتضى قوله؛ لأنه مالك لمائتين زائدة عن مبلغ دينه، فوجبت عليه زكاتها، كما لو كان جميع ماله جنسا واحدا. وظاهر كلام أحمد، ﵀، أنه يجعل الدين في مقابلة ما يقضي منه، فإنه قال في رجل عنده ألف وعليه ألف وله عروض بألف إن كانت العروض للتجارة زكاها، وإن كانت لغير التجارة فليس عليه شيء، وهذا مذهب أبي حنيفة ويحكى عن الليث بن سعد؛ لأن الدين يقضى من جنسه عند التشاح، فجعل الدين في مقابلته أولى، كما لو كان النصابان زكويين. ويحتمل أن يحمل كلام أحمد ها هنا على ما إذا كان العرض تتعلق به حاجته الأصلية، ولم يكن فاضلا عن حاجته، فلا يلزمه صرفه في وفاء الدين؛ لأن الحاجة أهم، ولذلك لم تجب =
[ ٦٨ ]
أ - أَنَّ تلك العروض من مال المدين المملوك له.
ب - أنَّ لها قيمة مالية تمكِّن صاحبها من بيعها، والتصرف فيها عند الحاجة.
ج - أنَّ لغريمِه المطالبة ببيعها لوفاء دينه إذا لم يمكن سداده من غير تلك العروض.
د - أنَّ القول بعدم اعتبار تلك العروض مقابل الدين المانع من وجوب الزكاة، يؤدي لتعطيل الزكاة عن الأغنياء، الذين يستثمرون أموالهم في عروض القنية، أو المستغلات كالمصانع، فمن يملك مصنعًا تفي غلته بحاجته الأصلية، واشترى مصنعًا آخر بالدين، وكان الدين مستغرقًا لغلة المصنعين فلا زكاة عليه، مع كونه غنيًّا بما يملك من العروض والمصانع (١).
٣ - ألّا يكون المدين مليئًا مماطلًا، فإن كان كذلك فإن الدين لا يمنع من وجوب الزكاة عليه، وهو ما يدل عليه قول عثمان ﵁، فإما أن يؤدي الدين لمستحقه أو يزكي المال، ولا ينقص الدين النصاب عندئذ، وبذلك يجمع بين الأدلة، ولا تسقط الزكاة باحتساب الدين من نصابه، مع انتفاعه بالمال، وامتناعه من أدائه لأهله.
_________________
(١) = الزكاة في الحلي المعد للاستعمال، ويكون قول القاضي محمولا على من كان العرض فاضلا عن حاجته، وهذا أحسن؛ لأنه في هذه الحال مالك لنصاب فاضل عن حاجته وقضاء دينه، فلزمته زكاته، كما لو لم يكن عليه دين. فأما إن كان عنده نصابان زكويان، وعليه دين من غير جنسهما، ولا يقضى من أحدهما، فإنك تجعله في مقابلة ما الحظ للمساكين في جعله في مقابلته" اهـ.
(٢) ينظر: أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة، بحث مدى تأثير الديون الاستثمارية والإسكانية المؤجلة في تحديد وعاء الزكاة، ١/ ٣١٧، وقد استطرد الباحث بذكر مواصفات للعروض المذكورة، فراجعها إن شئت، (ص ٣١٨).
[ ٦٩ ]
سبب الخلاف:
قال ابن رشد (١): "والسبب في اختلافهم هل الزكاة عبادة أو حق مرتب في المال للمساكين؟
فمن رأى أنّها حق قال: لا زكاة في مال مَن عليه الدين؛ لأن حق صاحب الدين متقدم بالزمان على حق المساكين، وهو في الحقيقة مال صاحب الدين، لا الذي المال بيده، ومن قال: هي عبادة، قال: تجب على من بيده مال؛ لأنّ ذلك هو شرط التكليف وعلامته المقتضية الوجوب على المكلف، سواءً كان عليه دينٌ أو لم يكن، وأيضًا فإنه قد تعارض هنالك حقان: حق الله، وحق الآدمي، وحق الله أحق أن يقضى، والأشبه بغرض الشرع إسقاط الزكاة عن المدين لقوله - ﷺ -: ". . . صدقة تؤخذ من أغنياكم وترد على فقرائهم. . ." (٢)، والمدين ليس بغني" (٣). اهـ.