قدَّر جماعة من العلماء المُدَّ بأنه أربع حفنات بحفنة الرجل الوسط، أو بملء كفي الإنسان المعتدل إذا مدَّ يديه بهما (٤).
_________________
(١) = وقيَّد بعضهم النصاب بالصاع، وقد استدلوا بعمومات النصوص الموجبة للزكاة في الخارج من الأرض كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقوله - ﷺ -: "فيما سقت السماء العشر". انظر بدائع الصنائع ٢/ ٩٥، ورد المحتار ٣/ ٢٤٢، وأجيب عن استدلالهم بالعمومات: بأنّها مخصوصة بما بلغ خمسة أوسق جمعًا بين النصوص، ولأن الحبوب والثمار أموال، فلم تجب الزكاة في يسيرها كسائر الأموال الزكائية، ينظر: المغني ٤/ ١٦١، وقد أطال ابن القيم في ترجيح مذهب الجمهور في إعلام الموقعين ٢/ ٣٧١.
(٢) متفق عليه، رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب من أدى زكاته فليس بكنز، برقم: (١٤٠٥)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، برقم: (٢٢٦٣). كلاهما عن أبي سعيد.
(٣) الصاع: هو إناء يكال ويجمع على أصْوُع وأصواع وصُوع -بالضم- وصيعان، وصعته أصوعه كِلْتُه بالصاع، وسمي صاعًا؛ لأنه يدور بالمكيل، انظر: معجم مقاييس اللغة ٣/ ٣٢١، والقاموس المحيط (ص ٩٥٥).
(٤) وقد حكى الإجماع على ذلك النووي وابن الرفعة من الشافعية، انظر: شرح النووي على مسلم ٨/ ٣٥٩، والإيضاح والتبيان (ص ٦٣).
(٥) المد: هو مكيال، ويجمع على أمداد ومِدَد ومِداد، قال في القاموس المحيط: "المُدُّ بالضَّم مكيال، وهو رطلان، أو رطل وثلث، أو ملء كفي الإنسان المعتدل إذا ملأهما ومدّ يديه بهما، وبه سمي مدًّا، وقد جربت ذلك فوجدته صحيحًا". (ص ٤٠٧)، وانظر: النهاية في غريب الحديث (ص ٨٦١).
[ ٩٤ ]
وذلك بالنظر إلى أنّ المدّ وحدة كَيل يقاس بها حجم ما يوضع فيها كما هو الحال في الصاع أيضًا، وقد عمد الكثير من العلماء إلى تحديد المدّ والصاع بالوزن، ليحفظ مقداره وينقل، لعدم وجود مقاييس متعارف عليها يضبط بها الحجم سابقًا، كما ذكر ذلك ابن قدامة -﵀- فقال: "والأصل فيه -أي الصاع- الكيْل وإنما قدر بالوزن ليحفظ وينقل" (١).
ولذا فقد قدر الفقهاء المد النبوي بالأرطال (٢)، فذهب جمهورهم إلى أن المد النبوي هو رطل وثلث (٣).
مستدلين على ذلك بما جاء من الآثار الدالَّة أنَّ المعتمد في الكيل مكيال المدينة، كما جاء عن ابن عمر ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: "المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزانُ أهل مكة" (٤)، وهو مجمع عليه عند أهل الحجاز كما قال أبو عبيد -﵀-: "وأما أهل الحجار فلا اختلاف بينهم فيما أعلمه أنَّ
_________________
(١) المغني ٤/ ١٦٨، وقال البهوتي: والوسق والصاع والمد مكاييل نقلت إلى الوزن، أي قدرت بالوزن، لتحفظ فلا يزاد ولا ينقص منها، وتنقل من الحجاز إلى غيره وليست صنجًا (كشاف القناع) ٢/ ٤١٢، والصنج مأخوذ من صنجة الميزان وهي ما يوزن بها. مختار الصحاح (٣٧٠).
(٢) الرَّطل والرِّطل: الذي يوزن به ويكال، والأشهر أنه أداة تستخدم للوزن، وربما استخدم للكيل، ويساوي ثنتي عشرة أوقية، بأواقي العرب، والأوقية تساوي أربعين درهمًا، انظر القاموس (١٣٠٠)، ومعجم مقاييس اللغة (٢/ ٤٠٣).
(٣) ينظر: الكافي في فقه أهل المدينة (١٠٣)، مواهب الجليل ٢/ ٣٦٦، روضة الطالبين ٢٠/ ٢٣٣، مغني المحتاج ١/ ٢٢١، الفروع ٢/ ٤١٢، كشاف القناع ١/ ١٤٤، خلافًا للحنفية، كما في بدائع الصنائع ٢/ ٧٣، واستدلوا بما روي عن أنس ﵁: أن النبي - ﷺ - كان يتوضأ برطلين. رواه الدارقطني في كتاب زكاة الفطر ٢/ ١٥٣، ونوقش: بأن الحديث لا يصح، قال ابن حجر: "تفرد به موسى بن نصر وهو ضعيف، قال في العلل: ليس بالحافظ ولا القوي"، ينظر: لسان الميزان ٦/ ١٣٣. وانظر للاستزادة: المحلى ٥/ ١٦٧.
(٤) رواه أبو داود، كتاب البيوع، باب قول النبي - ﷺ -: المكيال مكيال المدينة، برقم: (٣٣٤٠)، =
[ ٩٥ ]
الصاع خمسة أرطال وثلث، يعرفه عالمهم وجاهلهم، ويباع في أسواقهم ويحمل، علمه قرنٌ عن قرن" (١).
وقال ابن حزم -﵀-: "فلم يسع أحدًا الخروج عن مكيال أهل المدينة ومقداره عندهم، ولا عن موازين أهل مكة، ووجدنا أهل المدينة لا يختلف منهم اثنان في أن مُدّ رسول الله - ﷺ - الذي تؤدى به الصدقات ليس أكثر من رطل ونصف، ولا أقل من رطل وربع، وقال بعضهم: رطل وثلث، وليس هذا خلافًا، ولكن على حسب رزانة المكيل، من البر والتمر والشعير" (٢).
وقال: "والاعتراض على أهل المدينة في صاعهم ومدهم كالمعترض على أهل مكة في موضع الصفا والمروة" (٣).
وقال ابن قدامة -﵀-: "روى جماعة عن أحمد أنه قال: الصاع وَزَنْتُه فوجدته خمسة أرطال وثلث حنطة" (٤)، ومنه يتبين أن المد يساوي رطلًا وثلثًا.